السبت، 4 يوليو 2026

الفتنة وصناعة الانقسام في المجتمعات الإسلامية: من النزاعات التاريخية إلى الاستقطاب الرقمي والرياضي


 بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تُعد الفتنة من أخطر الظواهر التي عرفتها المجتمعات الإنسانية عموماً، والمجتمع الإسلامي على وجه الخصوص، لما تخلفه من انقسام، وتفكك اجتماعي، وقطيعة بين الأفراد والشعوب. ولم يكن القرآن الكريم ولا السنة النبوية يحذران من الفتنة عبثاً، بل لأن آثارها تتجاوز الخلافات الظاهرة لتطال وحدة الأمة واستقرارها وأمنها الفكري والاجتماعي.

قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]، وهي آية تؤكد أن الفتنة إذا انتشرت فإن ضررها يعم الجميع، ولا يقتصر على من أشعلها.

الفتنة في التاريخ الإسلامي

شهد التاريخ الإسلامي منذ العهد الأول أحداثاً مؤلمة عُرفت في كتب التاريخ بـ"الفتنة الكبرى"، والتي كانت من أصعب المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية، وأدت إلى انقسامات سياسية وفكرية امتدت آثارها عبر القرون. وقد تعامل علماء الأمة مع تلك المرحلة بالدعوة إلى الكف عن إثارة الأحقاد، والترحم على جميع الصحابة رضي الله عنهم، وترك ما شجر بينهم لله تعالى، انطلاقاً من قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 134].

وهذا يؤكد أن استحضار التاريخ ينبغي أن يكون للعبرة واستخلاص الدروس، لا لإحياء الخلافات أو تأجيج الانقسامات.

الفتنة في العصر الرقمي

في العصر الحديث، تغيرت وسائل صناعة الفتنة، لكنها لم تتغير في أهدافها. فبعد أن كانت تعتمد على الإشاعات والخطب، أصبحت تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الأخبار المضللة، وخطابات الكراهية، والمقاطع المجتزأة بسرعة غير مسبوقة.

وقد أثبتت العديد من الدراسات في علم الاجتماع والإعلام أن خوارزميات المنصات الرقمية تعطي انتشاراً أكبر للمحتوى المثير للغضب والاستفزاز، لأنه يحقق تفاعلاً أعلى، مما يجعل بعض صناع المحتوى يستثمرون في نشر الكراهية والإشاعات من أجل الشهرة أو المكاسب المادية، دون اعتبار لما يخلفونه من أضرار اجتماعية ونفسية.

الرياضة بين التقارب والاستغلال

الأصل في الرياضة أنها وسيلة للتعارف والتنافس الشريف، وقد قال النبي ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار"، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].

غير أن بعض المنافسات الرياضية تحولت إلى منصات لإثارة العصبية الوطنية أو القومية، وأصبحت بعض المباريات تُستغل لإشعال الخلافات بين الشعوب، خصوصاً عندما تتدخل الحسابات الوهمية، والإعلام غير المهني، وصناع المحتوى الباحثون عن الإثارة.

ولا ينبغي أن تتحول مباراة لا تتجاوز تسعين دقيقة إلى سبب لعداوات تستمر سنوات، أو إلى مبرر للإساءة إلى شعوب تجمعها روابط الدين والتاريخ والجغرافيا.

المغرب والجزائر... روابط أكبر من الخلاف

يربط الشعبين المغربي والجزائري تاريخ طويل من الأخوة والجوار، ووحدة الدين الإسلامي، واللغة، والهوية الحضارية، والعادات والتقاليد، كما يجمعهما تاريخ مشترك في مقاومة الاستعمار والتضامن في المحطات الكبرى.

ومن المنظور السوسيولوجي، فإن العلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تُختزل في الخلافات السياسية أو في نتائج المنافسات الرياضية، لأن العلاقات الاجتماعية والثقافية والإنسانية أعمق وأكثر رسوخاً من الأحداث العابرة.

حتى داخل الأسرة... تبدأ الفتنة بكلمة

الفتنة لا تقتصر على العلاقات بين الدول أو الشعوب، بل تبدأ أحياناً داخل الأسرة الواحدة، وبين الإخوة والأقارب والأصدقاء، بسبب كلمة منقولة، أو إشاعة، أو سوء فهم، أو تحريض من طرف ثالث.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10]، فجعل الإصلاح بين الناس عبادة عظيمة تحفظ تماسك المجتمع.

كما قال النبي ﷺ: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين."

مسؤولية الفرد والإعلام

إن مواجهة الفتنة مسؤولية مشتركة بين الفرد، والأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، وصناع المحتوى، وذلك عبر:

التثبت من الأخبار قبل نشرها.

نبذ خطاب الكراهية والتحريض.

ترسيخ ثقافة الحوار والاحترام.

تقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية.

نشر قيم الأخوة والتسامح بين الشعوب.

إن أخطر ما يهدد الأمم ليس اختلاف الآراء، وإنما تحويل الاختلاف إلى عداوة دائمة. فالفتنة لا تنتصر إلا عندما يفقد الناس وعيهم، ويصبحون أدوات في يد من يتاجرون بالأزمات والانقسامات.

وستبقى رسالة الإسلام واضحة وخالدة، تدعو إلى الوحدة والإصلاح، وإلى إطفاء نار الفتن قبل أن تمتد إلى الجميع، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

إن الشعوب الإسلامية والعربية تحتاج اليوم إلى بناء جسور الثقة والمحبة أكثر من حاجتها إلى تأجيج الخلافات، لأن ما يجمعها من دين وتاريخ وحضارة ومصير مشترك أكبر بكثير مما يفرقها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق