الأربعاء، 8 يوليو 2026

رسالة إلى الإعلام والجماهير العربية والإفريقية: كرة القدم تصنعها التفاصيل

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لطالما كانت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة؛ فهي مساحة تلتقي فيها مشاعر الشعوب، وتعكس طموحاتها وآمالها، كما تختزن لحظات الفرح والانكسار في دقائق قد تغيّر مسار بطولة بأكملها. ومن هنا، فإن تقبل الهزيمة في اللحظات الأخيرة يظل من أصعب ما يمكن أن تواجهه الجماهير، خاصة عندما يكون الحلم قريباً من التحقق قبل أن يتبدد في الأنفاس الأخيرة.

لقد عاشت جماهير كوت ديفوار والسنغال، واليوم الجماهير المصرية، هذا الشعور القاسي بعد أن اقتربت منتخباتها من تحقيق إنجاز كبير قبل أن تتغير موازين المباريات في اللحظات الحاسمة. ومثل هذه الخسائر غالباً ما تكون أكثر إيلاماً من الإقصاء الواضح الذي تعرضت له منتخبات عريقة، لأن مرارة ضياع الفرصة تكون أشد وقعاً من الهزيمة الصريحة.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الطبيعي أن ترتفع الأصوات التي تبحث عن تفسيرات للهزيمة، سواء عبر انتقاد التحكيم أو الحديث عن سوء الحظ. والكرة المغربية نفسها عاشت مثل هذه التجارب، حيث لا تزال الذاكرة الرياضية تحتفظ بأحداث أثارت الكثير من الجدل، سواء في مونديال 1998 أو خلال نهائيات كأس العالم بروسيا سنة 2018. غير أن التجارب أثبتت أن أفضل رد على الإحباطات لا يكون بالاستغراق في خطاب المظلومية، بل بالعمل والتطوير، وهو ما جسده المنتخب المغربي عندما عاد ليحقق إنجازاً تاريخياً في مونديال قطر.

كما أن المنتخبات الإفريقية والعربية مطالبة دائماً بالتعامل مع المنافسة بروح رياضية ومسؤولية، بعيداً عن ردود الأفعال الانفعالية أو المواقف التي قد تسيء إلى صورة الرياضة ورسالتها.

وبخصوص المنتخب المصري، فإن التعاطف مع خروجه لا يمنع من الإشارة إلى أن العلاقة بين الجماهير العربية والإفريقية تتأثر أيضاً بالخطاب الإعلامي والتصريحات الرسمية. فقد استقبلت مدينة أكادير، خلال نهائيات كأس إفريقيا، المنتخب المصري بحفاوة كبيرة عكست كرم الشعب المغربي، غير أن بعض التصريحات التي صدرت آنذاك وأُسيء فهمها أو اعتُبرت مسيئة للمغرب ولتنظيمه، خلقت حالة من الاحتقان لدى جزء من الجماهير، وهو ما انعكس لاحقاً على مواقف بعض المتابعين أثناء المنافسات.

ومن هنا، تبرز مسؤولية الإعلام الرياضي في تهدئة الأجواء، وتوجيه النقاش نحو تقييم الأداء الفني بدل تأجيج الانفعالات أو ترسيخ ثقافة البحث الدائم عن شماعات للهزيمة. فالمراجعة الموضوعية هي السبيل الحقيقي للتطور، بينما يبقى تعليق الإخفاق على عوامل خارجية مجرد تأجيل للمشكلات الحقيقية.

ومن الناحية الفنية، فإن كرة القدم الحديثة تُحسم غالباً بالتفاصيل الصغيرة. فبعد التقدم في النتيجة، يصبح حسن إدارة المباراة عاملاً حاسماً، سواء من خلال التغييرات المناسبة أو المحافظة على التوازن التكتيكي. وكثير من المنتخبات دفعت ثمناً باهظاً بسبب قرارات فنية لم تكن موفقة، وهو درس يتكرر باستمرار في البطولات الكبرى.

واليوم، ومع استمرار المنافسة وبقاء المنتخب المغربي ممثلاً للعرب وإفريقيا في البطولة، تتباين مواقف الجماهير بين من يتمنى له مواصلة المشوار وتحقيق إنجاز جديد، وبين من تدفعه المنافسة أو المواقف السابقة إلى تمني خروجه. وهذا أمر يرافق كرة القدم منذ نشأتها، غير أن نتائج المباريات تبقى رهينة بما يقدم داخل المستطيل الأخضر، ولا يمكن الجزم مسبقاً بما ستؤول إليه المنافسة.

لقد أثبت تاريخ كأس العالم أن البطولات لا تُحسم بالأمنيات ولا بنظريات المؤامرة، بل بالتفاصيل الفنية والقرارات الصحيحة واستغلال الفرص. فكم من منتخب كان على بعد ثوانٍ من المجد قبل أن تتغير النتيجة، وكم من بطل كتب تاريخه لأنه عرف كيف يدير اللحظات الحاسمة.

لذلك، فإن الرسالة الموجهة إلى الجماهير والإعلام الرياضي في مختلف الدول العربية والإفريقية، وفي مقدمتها مصر، هي أن الهزيمة يجب أن تتحول إلى فرصة للمراجعة والتطوير، لا إلى مناسبة لتغذية الإحباط أو البحث عن مبررات جاهزة. فالنجاح في كرة القدم أصبح مرتبطاً بمنظومة احترافية متكاملة، تبدأ بالتخطيط العلمي، وتمر بالتكوين والإعداد النفسي والتكتيكي، وتنتهي بحسن تدبير أدق تفاصيل المباريات.

ختاماً، نتقدم بخالص المواساة للجماهير المصرية بعد هذا الإقصاء، مع كامل الاحترام لتاريخ الكرة المصرية ومكانتها في القارة الإفريقية والعالم العربي. كما نتمنى للمنتخب المغربي التوفيق في بقية مشواره، وأن يستفيد من دروس الماضي، وأن يحافظ على تركيزه حتى صافرة النهاية، لأن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يجمع بين الموهبة والانضباط وحسن إدارة التفاصيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق