الأربعاء، 24 يونيو 2026

المذهب المالكي ومكانته في هندسة التشريع الأسري المغربي: قراءة في المرجعيات والامتدادات

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!! يُعد الفقه المالكي أحد أهم المكونات الحضارية والقانونية للمملكة المغربية، حيث ارتبط تاريخياً ببناء الدولة المغربية منذ قيام الدول الإسلامية المتعاقبة على حكم المغرب. وقد شكّل المذهب المالكي المرجعية الأساسية للتشريع والقضاء في مختلف المجالات، ولا سيما في الأحوال الشخصية والأسرة والميراث. ومن ثم فإن دراسة دور الفقه المالكي في تشكيل قانون الأسرة وقانون الميراث المغربي تكشف عن عمق الارتباط بين الهوية الدينية للمجتمع المغربي والمنظومة القانونية المعاصرة. لقد حافظ المشرع المغربي عند صياغة مدونة الأسرة على المرجعية الإسلامية المالكية، مع الاستفادة من الاجتهادات الفقهية الحديثة ومقاصد الشريعة الإسلامية، بما يحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع المغربي. أولاً: مفهوم الفقه المالكي ومكانته في المغرب الفقه المالكي هو المنظومة الفقهية المستمدة من اجتهادات الإمام مالك بن أنس (93-179 هـ)، الذي اعتمد في استنباط الأحكام على القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس والمصلحة المرسلة والعرف وسد الذرائع. وقد انتشر المذهب المالكي في المغرب منذ القرن الثاني الهجري، وأصبح المذهب الرسمي للدولة المغربية، وذلك لعدة أسباب: مرونته وقدرته على مواكبة الواقع. اعتماده على المصلحة العامة. احترامه للأعراف الصحيحة. انسجامه مع خصوصيات المجتمع المغربي. ويؤكد الفصل الثالث من الدستور المغربي أن الإسلام دين الدولة، وهو ما يجعل المرجعية الفقهية الإسلامية حاضرة في التشريع الأسري. ثانياً: الأسس المالكية لقانون الأسرة المغربي تمثل مدونة الأسرة المغربية الصادرة سنة 2004 الإطار القانوني المنظم للعلاقات الأسرية، وقد استمدت معظم أحكامها من الفقه المالكي مع الانفتاح على الاجتهادات المقاصدية. ومن أبرز المجالات التي تأثرت بالفقه المالكي: 1. مؤسسة الزواج عرف الفقه المالكي الزواج بأنه: "عقد يفيد حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع." وقد استمدت مدونة الأسرة هذا التصور، حيث اعتبرت الزواج ميثاقاً شرعياً وقانونياً يقوم على: الرضا المتبادل. الإيجاب والقبول. الأهلية. الإشهاد. الدليل الشرعي قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (الروم: 21) 2. الولاية في الزواج كان الفقه المالكي التقليدي يشترط وجود الولي للمرأة في عقد الزواج. غير أن المشرع المغربي اجتهد في مدونة الأسرة وأقر للمرأة الراشدة حق إبرام عقد زواجها بنفسها مع إمكانية الاستعانة بوليها اختيارياً. ويعد ذلك نموذجاً للاجتهاد داخل المرجعية المالكية بالاعتماد على مقاصد الشريعة ومصلحة المرأة. 3. الحقوق والواجبات المتبادلة استمدت المدونة من الفقه المالكي مبدأ: حسن المعاشرة. التعاون الأسري. النفقة. رعاية الأبناء. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19) 4. الطلاق والتطليق رغم أن الفقه المالكي يجيز الطلاق بإرادة الزوج، فإن المدونة قيدت ممارسته برقابة القضاء. ومن الاجتهادات المالكية التي اعتمدتها المدونة: التطليق للضرر. التطليق لعدم الإنفاق. التطليق للهجر. الشقاق بين الزوجين. وهي حلول مستمدة من اجتهادات فقهاء المالكية الذين أولوا أهمية كبرى لحماية الأسرة من التعسف. 5. الحضانة اعتمد المشرع المغربي قواعد الحضانة المالكية مع تطويرها وفق مصلحة الطفل الفضلى. وتعتبر مصلحة المحضون المعيار الأساسي في منح الحضانة. ثالثاً: دور الفقه المالكي في تنظيم قانون الميراث المغربي يُعتبر نظام الميراث من أكثر المجالات ارتباطاً بالنصوص الشرعية القطعية. وقد استند المشرع المغربي إلى الفقه المالكي في تنظيم أحكام الإرث. 1. الأساس القرآني للميراث قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (النساء: 11) وقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (النساء: 12) وتُعد هذه الآيات المرجع الأساسي لأحكام الإرث. 2. أسباب الإرث في الفقه المالكي حدد الفقه المالكي أسباب الإرث في: أ- النسب مثل: الأبوة. البنوة. الأخوة. ب- الزوجية لقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ ج- الولاء وهو سبب تاريخي كان معمولاً به في بعض الحالات. 3. موانع الإرث اعتمد القانون المغربي ما قرره الفقه المالكي من موانع الإرث: القتل العمد. اختلاف الدين. الرق (وقد انتهى وجوده قانونياً). 4. أصحاب الفروض والعصبات يقسم الفقه المالكي الورثة إلى: أصحاب الفروض مثل: الزوج. الزوجة. الأب. الأم. البنات. العصبات مثل: الأبناء. الإخوة في بعض الحالات. وقد تبنى المشرع المغربي هذه القواعد بالكامل تقريباً. 5. الوصية الواجبة من أهم الاجتهادات الحديثة التي تبناها القانون المغربي. وتقضي باستحقاق أبناء الابن المتوفى قبل جده نصيباً من تركة الجد. وقد استند المشرع إلى اجتهادات فقهية ومقاصدية لتحقيق العدالة الاجتماعية داخل الأسرة. رابعاً: تجليات المرونة والاجتهاد داخل الفقه المالكي من الخصائص التي جعلت الفقه المالكي صالحاً لتأطير التشريع المغربي: 1. المصلحة المرسلة اعتمد الإمام مالك على تحقيق مصالح الناس. ومن تطبيقاتها: توثيق الزواج. إلزامية التسجيل المدني. رقابة القضاء على الطلاق. 2. العرف يعتبر العرف مصدراً معتبراً في الفقه المالكي. ومن تطبيقاته: تقدير النفقة. تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج. بعض الالتزامات الأسرية. 3. سد الذرائع وهو منع الوسائل المؤدية إلى الضرر. وقد انعكس في: حماية حقوق الأطفال. تقييد التعدد بشروط صارمة. مراقبة إجراءات الطلاق. خامساً: التحديات المعاصرة للفقه المالكي في مجال الأسرة والميراث رغم أهمية المرجعية المالكية، تواجه عدة تحديات: 1. التحولات الاجتماعية ارتفاع سن الزواج. خروج المرأة للعمل. تغير بنية الأسرة. 2. قضايا المساواة أثارت بعض المقتضيات المتعلقة: بالإرث. الولاية. النفقة. نقاشات قانونية وحقوقية واسعة. 3. التطورات الدولية تتطلب المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والطفل والمرأة اجتهاداً فقهياً متجدداً يحقق التوازن بين الخصوصية الدينية والانفتاح الحقوقي. سادساً: مقاصد الشريعة والفقه المالكي في الإصلاح التشريعي يعتمد الاجتهاد المغربي المعاصر على مقاصد الشريعة التي تتمثل في: حفظ الدين. حفظ النفس. حفظ العقل. حفظ النسل. حفظ المال. وقد أصبحت هذه المقاصد أساساً لتطوير التشريع الأسري دون الخروج عن المرجعية المالكية. ومن أبرز الأمثلة: توسيع صلاحيات القضاء الأسري. حماية حقوق المرأة والطفل. تنظيم التعدد. تطوير آليات الوساطة الأسرية. يتضح من خلال هذه الدراسة أن الفقه المالكي شكّل الركيزة الأساسية لقانون الأسرة وقانون الميراث المغربي، وأن المشرع المغربي استند إلى أصوله وقواعده في بناء المنظومة القانونية للأسرة. كما أظهر الفقه المالكي قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات الاجتماعية من خلال آليات الاجتهاد والمصلحة والعرف ومقاصد الشريعة. وبذلك يظل الفقه المالكي أحد أهم عناصر الاستقرار التشريعي بالمغرب، ومصدراً أساسياً لتحقيق التوازن بين المحافظة على الهوية الإسلامية للمجتمع المغربي والاستجابة لمتطلبات التطور القانوني والحقوقي المعاصر. أهم المراجع القرآن الكريم. الموطأ. المدونة الكبرى. بداية المجتهد ونهاية المقتصد. مقاصد الشريعة الإسلامية. مدونة الأسرة المغربية. اجتهادات المحاكم المغربية في قضايا الأسرة والميراث.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق