بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش ..
تُعد الأسرة المؤسسة الاجتماعية الأولى التي يتلقى فيها الإنسان مبادئ الحياة وقواعدها، وهي البيئة التي تتشكل فيها ملامح الشخصية الإنسانية منذ سنواتها الأولى. وإذا كانت الأسرة هي الحاضنة الأساسية للتنشئة الاجتماعية، فإن الأم تمثل ركيزتها المحورية، لما تضطلع به من أدوار تربوية ونفسية وأخلاقية لا يمكن الاستغناء عنها في بناء الفرد وإعداد المواطن الصالح.
لقد أثبتت الدراسات في علم الاجتماع وعلم النفس التربوي أن السنوات الأولى من عمر الطفل تعد المرحلة الأكثر تأثيرًا في تكوين منظومته القيمية، حيث يكون أكثر قابلية لاكتساب السلوكيات والاتجاهات من خلال الملاحظة والتقليد والتفاعل اليومي مع الأم، التي تمثل النموذج الأول الذي يحتذي به الطفل في حياته.
أولًا: مفهوم القيم وأهميتها
القيم هي مجموعة المبادئ والمعايير الأخلاقية والاجتماعية والدينية التي توجه سلوك الإنسان، وتمكنه من التمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، والصواب والخطأ. وتمثل القيم الضابط الأساسي للعلاقات الإنسانية، كما تشكل أساس استقرار المجتمعات واستمرارها.
وتشمل القيم:
القيم الدينية.
القيم الأخلاقية.
القيم الاجتماعية.
القيم الوطنية.
القيم الإنسانية.
وكلما ترسخت هذه القيم في شخصية الفرد، أصبح أكثر قدرة على تحمل المسؤولية واحترام الآخرين والإسهام في تنمية المجتمع.
ثانيًا: الأم باعتبارها المدرسة الأولى
يقول الشاعر حافظ إبراهيم:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبًا طيب الأعراق.
ولم يكن هذا الوصف مجرد تعبير أدبي، بل أصبح حقيقة تؤكدها البحوث العلمية؛ فالأم هي أول من يحتضن الطفل، وأول من يسمع صوته، وأول من يغرس في نفسه معاني الرحمة والمحبة والانتماء.
ومن أهم وظائفها:
غرس العقيدة الصحيحة والقيم الدينية.
تعليم الصدق والأمانة والإخلاص.
تنمية الاحترام والتسامح.
تدريب الطفل على تحمل المسؤولية.
ترسيخ قيم النظام والانضباط.
ثالثًا: أساليب الأم في زرع القيم
1. القدوة الحسنة
يعد السلوك العملي للأم أكثر تأثيرًا من التوجيهات اللفظية؛ فالطفل يتعلم بالمشاهدة أكثر مما يتعلم بالكلام.
2. الحوار
الحوار الهادئ يساعد الطفل على فهم أسباب السلوك الصحيح، ويشجعه على التفكير والنقاش واحترام الرأي الآخر.
3. التعزيز الإيجابي
الثناء والتشجيع والمكافأة من الوسائل الفعالة لترسيخ السلوك القيمي الإيجابي.
4. القصص
تعد القصص القرآنية والسيرة النبوية وقصص الصالحين من أهم الوسائل لترسيخ الفضائل والقيم.
5. التربية بالممارسة
تدريب الطفل على الصدقة، ومساعدة المحتاج، واحترام الكبير، والمحافظة على البيئة يجعل القيم تتحول إلى سلوك دائم.
رابعًا: التحديات التي تواجه الأم
في العصر الحديث تواجه الأم تحديات عديدة، من أهمها:
التأثير المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي.
ضعف التواصل الأسري.
انشغال الوالدين بالعمل.
انتشار بعض المحتويات المخالفة للقيم.
تراجع دور المؤسسات التربوية في ترسيخ الأخلاق.
وهذه التحديات تجعل مسؤولية الأم أكثر أهمية، لأنها مطالبة بتوجيه أبنائها نحو الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، وتنمية التفكير النقدي، وترسيخ الهوية الدينية والوطنية.
خامسًا: الأبعاد النفسية والاجتماعية لدور الأم
يرى علماء النفس أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الحب والاحتواء يكتسب الثقة بالنفس والاستقرار الانفعالي، بينما يؤكد علماء الاجتماع أن الأسرة القائمة على القيم تنتج أفرادًا أكثر التزامًا بالقانون وأكثر قدرة على الاندماج الإيجابي داخل المجتمع.
ومن هنا فإن نجاح الأم في التربية القيمية ينعكس على المجتمع بأسره، من خلال انخفاض معدلات الانحراف والجريمة والعنف، وتعزيز روح التعاون والانتماء والمسؤولية.
سادسًا: مسؤولية مشتركة
ورغم المكانة المحورية للأم، فإن غرس القيم مسؤولية تشاركية بين الأب والأم، والمدرسة، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني. غير أن الأم تظل حجر الأساس الذي تبدأ منه عملية البناء الأخلاقي.
إن الأمم لا تبنى بالثروات وحدها، وإنما تبنى بالإنسان الصالح، والإنسان الصالح تصنعه التربية السليمة. وتبقى الأم صاحبة الدور الأبرز في صناعة الأجيال، لأنها تغرس في نفوس أبنائها بذور الإيمان، والأخلاق، والصدق، والانتماء، والمسؤولية. فإذا صلحت التربية داخل الأسرة، صلح المجتمع، وإذا ضعفت منظومة القيم داخل البيت، ظهرت آثار ذلك في مختلف مناحي الحياة.
ومن ثم، فإن الاستثمار الحقيقي لأي أمة يبدأ من الاستثمار في الأم، علمًا وتأهيلًا ودعمًا، لأنها ليست فقط مربية لأبنائها، بل هي صانعة المستقبل وحارسة القيم، وبانية الحضارات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق