بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ليست المجتمعات الراقية هي التي تُكثر من الولائم والمآدب، وإنما هي التي تُحسن آدابها وتحفظ أخلاقها. فالكرم لا يكتمل إلا بحسن استقبال المضيف، كما لا يكتمل إلا بحسن أدب الضيف. وإذا كان الكرم شيمة العرب والمسلمين، فإن العفة والقناعة والحياء هي تاج الضيف وزينته.
ولقد حضرت في الأيام الأخيرة عدداً من المناسبات الاجتماعية والدينية، كالعقائق والولائم والمآدب، فسرّني ما رأيته من مظاهر الكرم والجود التي ما زالت حاضرة في مجتمعنا المغربي، غير أن ما يؤسف له هو ظهور بعض السلوكات التي تُفسد جمال هذه المناسبات، وتسيء إلى روح الضيافة، حتى أصبحت تتكرر بصورة تدعو إلى التنبيه والتقويم.
ومن أكثر تلك المظاهر استفحالاً ما يقع عند تقديم المكسرات والحلويات، كـ"اللوز" و"الكاوكاو" و"الكركاع" وغيرها، حيث يعمد بعض الضيوف إلى ملء أكفهم بها، ثم لا يكتفون بما يأكلون، بل يُخفون الباقي في الجيوب أو الأكياس، وربما جمع بعضهم ما يكفي لأهل بيته جميعاً، دون استئذان من صاحب الدعوة، وكأنهم في سوق للشراء، لا في مجلس أُقيم على المودة والإكرام.
إن هذا السلوك لا يعكس حاجةً بقدر ما يعكس خللاً في التربية، وضعفاً في الوازع الأخلاقي، لأن الكرامة لا تُقاس بما يجمع الإنسان، وإنما بما يترفع عنه. وما أجمل قول العرب: "القناعة كنز لا يفنى"، وقولهم: "الأدب زينة الفقير، وزاد الغني."
وقد ربّى الإسلام المسلم على صيانة حقوق الآخرين، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85].
وقال سبحانه:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
كما قال رسول الله ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.»
وهذا الحديث، وإن كان خطاباً للمضيف، فإنه يحمل في طياته مسؤولية الضيف أيضاً، لأن الكرم لا ينجح إلا إذا قابله الأدب. ولذلك قال ﷺ:
«لا يحل لضيف أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه.» قالوا: وكيف يؤثمه؟ قال: «يقيم عنده وليس عنده ما يقريه.»
فإذا كان الإسلام نهى الضيف عن إحراج مضيفه بطول الإقامة، فمن باب أولى أن ينهى عن كل تصرف يُوقعه في الحرج أو يُعد تعدياً على ما لم يُؤذن بأخذه.
وقد لخّص الأديب الفاضل سيدي محمد إيهوم هذه القضية بأبيات بليغة فقال:
يُمنعُ للضيفِ إذا ما أُطعِما
سرقةُ الطعامِ قال العلماءُ
ووضعُهُ بالكيسِ أو بالجيبِ
حمقٌ وعدوانٌ بدونِ ريبِ
وليس للضيفِ من الطعامِ
غيرُ الذي أكلَ في المقامِ
ولم يكن أسلافنا يعدّون المروءة بكثرة الأخذ، بل بقلة التطلع إلى ما في أيدي الناس. وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله:
إذا المرءُ لا يرعاكَ إلا تكلفاً
فدعه ولا تُكثر عليه التأسفا.
كما قال المتنبي:
وإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسام.
فصاحب النفس الكبيرة لا تمتد يده إلى ما ليس له، ولا يُحرج مضيفه بطمع أو جشع، لأن المروءة تُعرف عند الطعام كما تُعرف عند المال.
والمؤلم في الأمر أن هذه التصرفات قد تصدر أحياناً ممن يُنتظر منهم أن يكونوا قدوة، كحملة القرآن، أو بعض طلبة العلم، أو من يتصدرون المجالس، فيكون وقعها أشد، لأن الناس تتعلم بالأفعال أكثر مما تتعلم بالأقوال. ومن هنا قال الشاعر:
لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلَهُ
عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ.
إننا اليوم لسنا بحاجة إلى كثرة المواعظ بقدر حاجتنا إلى إحياء القيم؛ قيم القناعة، والحياء، والعفة، واحترام الناس، وصيانة مجالسهم. فالضيف الكريم هو الذي يخرج من بيت مضيفه وقد ترك وراءه دعاءً طيباً، لا حديثاً عن طمعه وسوء تصرفه.
فلنحفظ للمجالس هيبتها، وللضيافة قدسيتها، ولأنفسنا كرامتها، فإن الأخلاق هي الثروة التي لا تنفد، وهي الميراث الذي يبقى بعد رحيل الإنسان. وكما قال الشاعر أحمد شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الخلق، وعفة النفس، وجمال الأدب، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق