بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
هذا التحول من "التربية والتعليم" إلى "التعليم لأجل النقطة" هو أحد أعقد الإشكاليات التي تواجه المنظومات التعليمية الحديثة، وتحديداً في قطاع التعليم الخصوصي (الخاص). لقد تحول التعليم في سياقات متعددة من "رسالة تربوية" إلى "سلعة تجارية"، حيث أصبح المعدل الرقمي هو المنتج الذي يشتريه الولي، والنجاح الشكلي هو الخدمة التي تقدمها المؤسسة.
تسليع الوعي وسقوط "التربية": تفكيك البنية التجارية للتعليم الخصوصي وأزمة النقطة المستأجرة
1. الإطار المفاهيمي: من "التربية والتعليم" إلى "الزبونية التربوية"
تاريخياً، ارتبطت فلسفة التعليم ببناء الإنسان. لغوياً واصطلاحياً، تتقدم "التربية" (التي تعني النماء، والتنشئة على القيم والأخلاق) على "التعليم" (شحن الذهن بالمعارف). هذا الترتيب ليس ترفاً لفظياً، بل هو اعتراف بأن المعرفة بلا أخلاق قد تنتج "ذكاءً تدميرياً" أو كائناً آلياً يفتقر للحس الإنساني.
ومع ذلك، تعيش بعض المؤسسات التعليمية الخاصة اليوم ما يسميه علماء الاجتماع بـ "التسليع الكامل للتعليم" (Commodification of Education). في هذا النموذج:
الطالب: يتحول من "متعلم" يُبنى وعيه إلى "منتَج" يجب تلميعه.
الولي: يتحول من "شريك تربوي" إلى "زبون مستهلك" (Consumer).
المؤسسة: تتحول من "فضاء قيمي" إلى "شركة خدمية" تخضع لقانون العرض والطلب.
2. أسباب تحول اهتمام الآباء: سيكولوجية "النقطة المقابلة للمال"
ينطلق الآباء الذين يركزون على النقطة فقط من عدة ضغوطات نفسية واجتماعية:
متلازمة "عقد البيع والشراء": عندما يدفع الأب واجباً شهرياً مرتفعاً، يتولد لديه وعي استهلاكي لا شعوري: "أنا أدفع، إذن ابني يجب أن يحصل على أعلى ميزة". يُصبح التعامل مع الأخلاق والتربية عبئاً ثانوياً، لأن الولي يرى أن الأخلاق مسؤولية البيت أو أنها "لا تشتري مقعداً في كليات الطب والهندسة".
سوسيولوجيا الوجاهة والمظاهر (Social Status): في مجتمعاتنا المعاصرة، أصبحت النقطة المرتفعة أداة للمفاخرة الاجتماعية بين العائلات. إنها تمنح الآباء شعوراً زائفاً بالنجاح في الاستثمار التربوي.
قلق المستقبل وضغط "الامتحانات الإشهادية": يرى الآباء أن سوق الشغل ومعاهد التعليم العالي لا تحاسب الطالب على حسن خلقه، بل على عتبات الانتقاء (Seuils de sélection) والمعدلات الرقمية. هذا الخوف يبرر لديهم الانتهازية التربوية: "النجاح أولاً، والأخلاق لاحقاً".
3. لماذا تخلت المؤسسات الخاصة عن دورها الريادي؟
إن انسحاب بعض مدارس التعليم الخصوصي من الدور التربوي يعود لبنية اقتصادية وتنظيمية صرفة:
ميكانيزمات السوق والرقابة الرأسمالية: تعيش المدارس الخاصة منافسة شرسة. المعيار الوحيد المستقطب للزبائن الجدد هو "نسبة النجاح ونسب الميزات العالية (حسن جداً)". المدرسة التي تطبق انضباطاً أخلاقياً صارماً قد تُغضب "الزبون" (الابن أو الأب)، مما يدفعهم لمغادرتها؛ لذا تختار المدرسة المسالمة وتضخيم النقط (Inflation des notes) للحفاظ على مداخيلها.
هشاشة الوضعية المهنية للمدرسين: في العديد من المؤسسات الخاصة، يفتقر الأساتذة للأمان الوظيفي ويشتغلون بعقود مؤقتة. هذا يجعل الأستاذ حلقة ضعيفة لا يستطيع فرض سلطته التربوية أو تقويم سلوك التلميذ المنحرف خوفاً من شكوى الوالد (الزبون) وإدارة المؤسسة التي قد تضحي بالأستاذ لإرضاء الممول.
غياب الإعداد البيداغوجي للقيم: تركز المناهج في هذه المؤسسات على الحشو المعرفي والتدريب الآلي على الامتحانات، مع إفراغ الزمن المدرسي من الأنشطة الموازية (المسرح، السينما، العمل التطوعي) التي تبني الأخلاق والروح النقدية.
4. المرجعيات والدلائل العلمية والسوسيولوجية
تستند هذه القراءة إلى أدبيات علمية رصينة ناقشت أزمة التعليم المعاصر:
مفهوم "إعادة الإنتاج" (Pierre Bourdieu): يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن التعليم تحول إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي عبر ما يسميه "رأس المال الثقافي والمدرسي". في المدارس الخاصة، تصبح النقطة شكلاً من أشكال الرأسمال الذي يُشترى لتأمين مكانة اجتماعية، بغض النظر عن البناء القيمي.
تسليع التعليم (Henry Giroux): يوضح المفكر الأمريكي هنري جيرو في نظريته حول "البيداغوجيا النقدية" كيف أن النيوليبرالية حوّلت المدارس إلى "مراكز تسوق"، حيث يُقاس النجاح بالأرقام والمردودية الاقتصادية، وتُقبر قيم المواطنة والأخلاق والعدالة الاجتماعية.
تقارير المجلس الأعلى للتربية والتخلق والبحث العلمي (سياقات إقليمية): تؤكد العديد من التقارير الرسمية الوطنية والدولية (مثل تقارير البنك الدولي حول التعليم) على وجود فجوة كبيرة بين "التحصيل العددي الشكلي" وبين "المهارات الحياتية والقيمية" (Soft Skills & Ethics)، مشيرة إلى أن الإفراط في الخصخصة دون دفاتر تحملات صارمة تؤطر الجانب القيمي يؤدي إلى تآكل الوظيفة التربوية للمدرسة.
5. تداعيات الأزمة: "مواطنون بلا بوصلة"
إن إنتاج جيل بمعدلات عالية وأخلاق منخفضة يترتب عنه كوارث مجتمعية بنيوية:
الغش المقنن: عندما يرى الطالب أن والديه والمؤسسة يبررون له كل السبل من أجل النقطة، ينشأ على ثقافة الانتهازية والفساد (الغاية تبرر الوسيلة).
الإنتاجية الجافة: تخرج المدارس كفاءات تقنية (أطباء، مهندسون، محامون) يمتلكون المهارة المعرفية لكنهم يفتقرون للضمير المهني والإنساني، مما يرفع معدلات الرشوة والجشع.
خلاصة واستشراف
إن شعارات وزارات التربية والتعليم ستبقى حبراً على ورق ما لم يتم فصل الفعل التربوي عن المنطق التجاري الربحي. يحتاج التعليم الخصوصي إلى منظومة تقييم خارجية صارمة ومستقلة تمنع "تضخيم النقط المفتعل"، وإلى ترسانة قانونية تحمي كرامة المدرس وسلطته الاعتبارية داخل الفصل، ليعود أستاذاً ومربياً، لا مجرد "مُقدّم خدمة" لزبون يملك المال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق