الاثنين، 22 يونيو 2026

موسم البخاري بتمكروت: تجليات الامتداد الروحي للزاوية الناصرية في ضوء الكتاب والسنة وترسيخ القيم الدينية والحضارية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكل موسم البخاري بتمكروت أحد أهم المواسم الدينية والروحية بالمملكة المغربية، حيث يمثل مناسبة سنوية تتجدد فيها معاني الارتباط بالهوية الإسلامية المغربية القائمة على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني المعتدل وإمارة المؤمنين. ويستمد هذا الموسم مكانته من ارتباطه التاريخي بالزاوية الناصرية بتمكروت، التي أسهمت عبر قرون في نشر العلم الشرعي وتربية النفوس وخدمة المجتمع وتعزيز قيم السلم والتسامح والتكافل.

ويعد الموسم فضاءً دينياً وثقافياً يجمع بين الذكر والعلم والتواصل الاجتماعي والتنمية المحلية، بما يعكس خصوصية النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني والمحافظة على التراث الروحي للأمة.

أولاً: الزاوية الناصرية بتمكروت.. الجذور التاريخية والإشعاع الحضاري

تأسست الزاوية الناصرية خلال القرن السابع عشر الميلادي على يد الشيخ سيدي محمد بن ناصر الدرعي (1603-1674م)، الذي جعل من تمكروت مركزاً للعلم والتربية الروحية وخدمة المجتمع.

وقد تحولت الزاوية في عهد ابنه الشيخ أحمد بن ناصر إلى مؤسسة علمية كبرى امتد إشعاعها إلى مختلف مناطق المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء والحجاز ومصر وبلاد الشام.

ومن أبرز معالم هذا الإشعاع:

نشر العلوم الشرعية واللغوية.

إنشاء الخزائن العلمية وحفظ المخطوطات.

ترسيخ قيم التصوف السني المعتدل.

ربط جسور التواصل العلمي والثقافي بين المغرب والعالم الإسلامي.

الإسهام في التكافل الاجتماعي ورعاية الفقراء وطلبة العلم.

وتحتفظ مكتبة الزاوية الناصرية بآلاف المخطوطات النادرة التي تشهد على الدور الحضاري الذي اضطلعت به هذه المؤسسة العريقة في خدمة المعرفة الإسلامية.

ثانياً: موسم البخاري ودلالته العلمية والروحية

يرتبط الموسم بتقليد علمي عريق يتمثل في قراءة صحيح البخاري وختمه، وهو ما أكسبه اسم "موسم البخاري".

ويعكس هذا التقليد مكانة السنة النبوية باعتبارها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، مصداقاً لقوله تعالى:

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (سورة الحشر: 7)

وقوله سبحانه:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (سورة الأحزاب: 21)

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي».

ومن ثم فإن الاحتفاء بصحيح البخاري لا يقتصر على الجانب الاحتفالي، بل يمثل تأكيداً على مركزية السنة النبوية في بناء الشخصية المسلمة وترسيخ القيم الأخلاقية.

ثالثاً: الارتباط بين الكتاب والسنة في فلسفة الموسم

يقوم موسم البخاري على الجمع بين تلاوة القرآن الكريم ومدارسة الحديث النبوي الشريف، وهو ما يجسد التكامل بين الوحيين.

فالقرآن الكريم يدعو إلى تزكية النفس وإقامة العدل والإحسان، بينما تبين السنة النبوية التطبيق العملي لهذه المبادئ.

قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

ومن هنا يتحول الموسم إلى مدرسة تربوية سنوية لإحياء القيم الإسلامية في نفوس الأفراد والجماعات.

رابعاً: الأبعاد الروحية لموسم البخاري

يمثل الموسم مناسبة لتجديد الصلة بالله تعالى عبر:

حلقات الذكر.

تلاوة القرآن الكريم.

الدعاء الجماعي.

مجالس العلم والإرشاد.

صلة الرحم والتواصل الاجتماعي.

وتنسجم هذه الممارسات مع قول الله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28)

وقوله سبحانه:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (البقرة: 152)

فالذكر في التصور الإسلامي ليس مجرد ممارسة شعائرية، بل هو وسيلة لتزكية النفس وتحقيق السكينة الروحية.

خامساً: القيم الدينية والاجتماعية التي يرسخها الموسم

يسهم الموسم في ترسيخ مجموعة من القيم النبيلة، من أبرزها:

1. قيمة الأخوة والتضامن

قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)

2. قيمة التسامح

قال تعالى:

﴿وَادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: 34)

3. قيمة التعارف والتعايش

قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13)

4. قيمة طلب العلم

قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة».

سادساً: البعد الاقتصادي والثقافي للموسم

لا يقتصر أثر الموسم على الجانب الديني فقط، بل يمتد إلى التنمية المحلية من خلال:

تنشيط الحركة التجارية.

تسويق المنتوجات المحلية.

تشجيع الصناعة التقليدية.

تعزيز السياحة الثقافية والدينية.

التعريف بالتراث المادي واللامادي للمنطقة.

وبذلك يصبح الموسم نموذجاً للتكامل بين التنمية الروحية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

سابعاً: موسم البخاري وتجديد النموذج المغربي للتدين

يجسد الموسم خصوصية التدين المغربي القائم على الوسطية والاعتدال والتسامح، وهو نموذج استطاع عبر التاريخ أن يحافظ على وحدة المجتمع المغربي ويحصنه من الغلو والتطرف.

فالزاوية الناصرية ظلت مدرسة لتربية الإنسان على قيم المحبة والإخلاص وخدمة الوطن والتمسك بالثوابت الدينية للمملكة المغربية.

يظل موسم البخاري بتمكروت أكثر من مجرد مناسبة دينية سنوية؛ فهو مؤسسة تربوية وروحية متجددة، تستحضر تاريخ الزاوية الناصرية العريق وتؤكد استمرار رسالتها في نشر العلم الشرعي وترسيخ قيم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. كما يمثل فضاءً لتجديد الروابط الاجتماعية وتعزيز التنمية المحلية وإبراز الدور الحضاري للمغرب في خدمة الإسلام الوسطي المعتدل.

ومن ثم فإن المحافظة على هذا الإرث الروحي والثقافي، وتثمينه علمياً وتنموياً، يعد مسؤولية جماعية تسهم في صون الذاكرة الوطنية وتعزيز إشعاع المغرب الديني والحضاري على المستويين الوطني والدولي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق