الأربعاء، 29 يوليو 2026

المحطة الطرقية باب دكالة بمراكش... حين تتحول الذاكرة إلى وثيقة تاريخية



 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم تكن المحطة الطرقية باب دكالة بمدينة مراكش مجرد فضاء لعبور المسافرين أو محطة لانطلاق الحافلات واستقبالها، بل كانت على امتداد ما يقارب نصف قرن مؤسسة اجتماعية واقتصادية وإنسانية، اختزلت داخل أسوارها تفاصيل الحياة اليومية لآلاف المواطنين، وشكلت فضاءً التقت فيه مختلف الفئات الاجتماعية، من مسافرين ومهنيين وتجار وعمال وباعة متجولين وأرباب المقاهي وأصحاب المحلات، لتصبح مع مرور الزمن جزءاً من الذاكرة الجماعية لمدينة مراكش.

وقد سبق أن تناولنا في عدة مقالات ودراسات مختلف الإشكالات المرتبطة بمشروع إغلاق المحطة، وحذرنا من الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي ستطال مستخدميها، سواء العاملين في القطاع المهيكل أو أولئك الذين ينشطون ضمن القطاع غير المهيكل، كما ناقشنا الجوانب القانونية المرتبطة بهذا الملف، خاصة في موضوع: "المحطة الطرقية بمراكش بين إصرار المجلس الجماعي وتحفظات المعنيين"، الذي سلط الضوء على ضرورة التوفيق بين متطلبات التنمية واحترام الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمتضررين.

وفي هذا السياق صدر كتاب "نقطة النهاية بمقهى الزوار"، ليس باعتباره مجرد عمل أدبي أو سرداً لذكريات شخصية، وإنما بوصفه وثيقة تاريخية واجتماعية وقانونية توثق مرحلة كاملة من تاريخ المحطة الطرقية باب دكالة. فالكتاب يجيب عن العديد من الأسئلة التي يطرحها اليوم المستخدمون والمواطنون، ويستعرض مختلف التحولات التي عرفتها المحطة، كما يناقش عدداً من الإشكالات القانونية والاجتماعية التي ظلت لسنوات محل نقاش، من بينها قضية الأداءات غير القانونية التي كانت تُفرض على بعض الوافدين عند مدخل المحطة، وغيرها من الممارسات التي أثارت جدلاً واسعاً.

ولا يكتفي الكتاب برصد السلبيات، بل ينصف أيضاً كل من ساهم في خدمة المسافرين والحفاظ على استمرارية هذا المرفق لعقود طويلة، حيث يقدم صورة متوازنة عن واقع المحطة، بما حملته من إيجابيات وسلبيات، ومن قصص نجاح وإخفاق، ومن مواقف إنسانية نبيلة وأخرى مؤلمة.

لقد كانت المحطة فضاءً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية بشكل واضح، حتى أصبح القطاع غير المهيكل، في كثير من الأحيان، أكثر حضوراً وتأثيراً من القطاع المهيكل، وهو ما انعكس على طبيعة النشاط التجاري والخدمات المقدمة داخلها. كما عرف بعض التجار ارتفاعاً غير مبرر في الأسعار، وشهدت بعض المرافق ممارسات لم تكن تليق بصورة مدينة سياحية عالمية كمراكش، إضافة إلى وجود حالات فردية لسوء معاملة بعض الزبائن من طرف قلة من العاملين، وهي ممارسات لا يمكن تعميمها على الجميع، لكنها تركت أثراً سلبياً في ذاكرة عدد من المرتفقين.

ومن جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن المحطة الطرقية باب دكالة دون التوقف عند الحوادث الليلية التي كانت تقع بين الفينة والأخرى، والتي شكلت جانباً من الواقع الأمني والاجتماعي للمكان، وهي أحداث وثقها الكتاب باعتبارها جزءاً من التاريخ، بعيداً عن أي رغبة في التشهير أو تصفية الحسابات، وإنما من أجل حفظ الذاكرة الجماعية كما عاشها الناس.

إن التاريخ لا يكتب فقط بما هو جميل، وإنما يكتب أيضاً بما هو مؤلم، لأن الحقيقة لا تكتمل إلا بجمع وجهيها. ولذلك فإن كل من مر من هذا المكان، سواء ترك أثراً إيجابياً أو سلبياً، فقد أصبح جزءاً من ذاكرة المحطة، وستظل بصماته حاضرة في صفحات التاريخ، باعتبارها شاهداً على مرحلة اجتماعية واقتصادية عاشتها مدينة مراكش.

ومن هنا تكتسب قيمة كتاب "نقطة النهاية بمقهى الزوار"، فهو ليس كتاباً عن مقهى أو محطة طرقية فحسب، بل هو شهادة تاريخية توثق نهاية حقبة امتدت لعشرات السنين، وتؤرخ لتحولات عرفها المجتمع المراكشي، وتدعو الباحثين والمهتمين إلى قراءة هذه التجربة بمنهج علمي، لفهم العلاقة بين المرافق العمومية، والاقتصاد المحلي، والتحولات الاجتماعية، والذاكرة الجماعية.

فقد تنتهي البنايات، وتغلق المحطات، وتتغير الخرائط العمرانية، لكن الذاكرة لا تُهدم، والتاريخ لا يُمحى، والشهادات الصادقة تبقى مراجع للأجيال القادمة، يستنطقون من خلالها واقعاً مضى، ويستخلصون منه الدروس والعبر. ومن هذا المنطلق، سيظل كتاب "نقطة النهاية بمقهى الزوار" وثيقة توثق جانباً مهماً من تاريخ المحطة الطرقية باب دكالة، ومن تاريخ مدينة مراكش، ليبقى شاهداً على زمن لن يتكرر، وعلى معلمة اجتماعية واقتصادية تركت بصمتها في وجدان المدينة وسكانها

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق