الأربعاء، 29 يوليو 2026

قراءة في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد

 


بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكل الخطاب الملكي لهذه السنة وثيقة سياسية واستراتيجية ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتقدم تقييماً شاملاً لما تحقق خلال السنوات الماضية، مع تحديد أولويات المستقبل. وقد جاء الخطاب متوازناً بين استعراض المنجزات، وتعزيز الثقة، ورسم التوجهات الكبرى للدولة.

أولاً: خطاب الثقة والاستقرار

افتتح جلالة الملك خطابه بالتأكيد على أن خدمة المواطن هي الغاية الأساسية للحكم، نافياً أي سعي وراء مجد شخصي أو زعامة دولية، وهو ما يعكس فلسفة الحكم القائمة على المسؤولية وخدمة الصالح العام.

كما جعل الخطاب من الأمن والاستقرار الركيزة الأساسية للتنمية، معتبراً أن الاستقرار أصبح رأسمالاً استراتيجياً في عالم يشهد اضطرابات سياسية واقتصادية متزايدة. وهي رسالة تؤكد أن المغرب يعتبر الأمن شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار وتحقيق النمو.

ثانياً: تثمين النموذج التنموي المغربي

استعرض الخطاب مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي تعكس الدينامية التي يعرفها المغرب، من أبرزها:

تحقيق معدل نمو يقارب 4.9%.

ترسيخ مكانة المغرب كأول مصدر للسيارات في إفريقيا.

التطور الكبير في صناعات الطيران.

الانخراط في الصناعات المستقبلية مثل البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر.

تعزيز الأمن الغذائي والطاقي.

تحقيق رقم قياسي في القطاع السياحي باستقبال حوالي 20 مليون سائح.

وهذه المعطيات تعكس انتقال الاقتصاد المغربي من اقتصاد يعتمد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد صناعي وتكنولوجي أكثر تنافسية.

ثالثاً: السيادة الوطنية مفهوم شامل

وسع الخطاب مفهوم السيادة الوطنية، فلم يعد يقتصر على الجانب الأمني والعسكري، بل أصبح يشمل:

السيادة الصناعية.

السيادة الغذائية.

السيادة الدوائية.

السيادة الطاقية.

السيادة الرقمية والأمن السيبراني.

الصناعات الدفاعية.

وهو توجه ينسجم مع التحولات الدولية التي أفرزتها الأزمات العالمية وسلاسل الإمداد.

رابعاً: البعد الاجتماعي حاضر بقوة

رغم الطابع الاقتصادي للخطاب، لم يغفل جلالة الملك الجانب الاجتماعي، حيث أكد على:

مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية.

تحسين ظروف عيش المواطنين.

تحقيق العدالة المجالية.

تنزيل برامج التنمية الترابية.

دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة.

توسيع الولوج إلى التمويل.

وهذا يعكس حرص المؤسسة الملكية على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

خامساً: إشارات سياسية واضحة

من أبرز الرسائل السياسية في الخطاب حديث جلالة الملك عن الانتخابات التشريعية المقبلة، حيث أكد أن المرحلة القادمة يجب أن تشكل دورة جديدة في مسار التنمية، تقوم على:

تحصين المكتسبات.

استمرارية المشاريع الكبرى.

مواصلة الإصلاحات.

ويفهم من ذلك أن الخطاب يدعو مختلف الفاعلين السياسيين إلى جعل التنافس الانتخابي وسيلة لخدمة المشروع التنموي الوطني، بعيداً عن الصراعات الضيقة.

سادساً: مكانة المغرب دولياً

أكد الخطاب أن المغرب أصبح:

شريكاً دولياً موثوقاً.

فاعلاً اقتصادياً مؤثراً.

دولة تنوع شراكاتها.

صاحبة مبادرات إقليمية ودولية.

وهي رسالة تعكس استمرار السياسة الخارجية المغربية القائمة على تنويع الشراكات وتعزيز الحضور الدولي للمملكة.

سابعاً: الإشادة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية

اختتم الخطاب بتجديد التقدير للقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والإدارة الترابية، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، وهو تأكيد على المكانة المحورية لهذه المؤسسات في حماية الوحدة الترابية وضمان الأمن والاستقرار.

خلاصة

يمكن اعتبار هذا الخطاب خطاب مرحلة أكثر من كونه خطاب مناسبة، لأنه جمع بين التقييم والاستشراف. فقد ركز على ثلاثة محاور استراتيجية مترابطة:

ترسيخ الاستقرار باعتباره أساس التنمية.

تعزيز السيادة الوطنية في أبعادها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية.

التحضير لمرحلة سياسية وتنموية جديدة بعد الانتخابات التشريعية، تقوم على استمرارية الإصلاحات وتحصين المكتسبات.

كما يعكس الخطاب رؤية ملكية تعتبر أن مستقبل المغرب يرتكز على الاستثمار في الإنسان، وتقوية الاقتصاد الوطني، وتحديث الصناعة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ مكانة المملكة كقوة إقليمية ذات مصداقية وشريك دولي موثوق.

وعليه، فإن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد لا يقتصر على عرض حصيلة المنجزات، بل يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها "المغرب الصاعد"؛ مرحلة تُبنى على الاستقرار، والسيادة، والتنافسية الاقتصادية، والابتكار، مع الحرص على أن تنعكس ثمار التنمية على مختلف فئات المجتمع ومجالاته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق