بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
لم يعد الحديث عن تشبيب النخب السياسية في المغرب مجرد ترف فكري أو مطلب نخبوي معزول، بل تحول إلى ورش وطني يحظى برعاية وتوجيهات واضحة من أعلى هرم الدولة، كما ورد في عدة خطب لـالملك محمد السادس، التي شددت على ضرورة إدماج الكفاءات الشابة وضخ دماء جديدة في شرايين العمل السياسي. غير أن المتتبع للشأن الحزبي يلاحظ مفارقة صارخة بين الخطاب والممارسة، خاصة عند كل محطة انتخابية، حيث تعود نفس الأسماء، وتُقصى نفس الكفاءات.
تزكيات تُعيد إنتاج نفس النخب
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتحول التزكيات داخل الأحزاب إلى لحظة حاسمة تكشف الكثير من أعطاب البناء الحزبي. بدل أن تكون آلية لفرز الكفاءات، تصبح في كثير من الأحيان أداة لإعادة تدوير الوجوه نفسها، بناءً على اعتبارات الولاء، أو القدرة المالية، أو النفوذ المحلي. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل الأحزاب فعلاً معنية بتجديد نخبها، أم أنها تكتفي برفع الشعار دون إرادة حقيقية للتنزيل؟
بين منطق المنافسة ومنطق التفاهمات الضمنية
في الظاهر، تبدو الساحة الانتخابية مجالاً للتنافس الديمقراطي، لكن في العمق، تبرز مؤشرات على وجود نوع من “التوزيع غير المعلن” للدوائر والنفوذ، حيث تركز بعض الأحزاب على مناطق معينة، وتُضعف حضورها في أخرى، بما يوحي بوجود تفاهمات غير مباشرة. هذه الممارسات، حتى وإن لم تكن مؤطرة رسميًا، تُفرغ العملية الانتخابية من بعدها التنافسي الحقيقي، وتحولها إلى مجرد تدبير توافقي للنتائج.
مراكش: نموذج مصغر لاختلالات أكبر
إذا كانت هذه الظواهر تطبع المشهد الوطني، فإن مراكش تقدم مثالًا دالًا على عمق الإشكال. فالمدينة، رغم زخمها الاقتصادي والثقافي، تعاني من هيمنة منطق الأعيان، حيث تلعب شبكات النفوذ والمال دورًا حاسمًا في تحديد المرشحين. وفي ظل هذا الواقع، تجد الكفاءات الشابة نفسها خارج معادلة التزكيات، ليس لضعف في المؤهلات، بل لغياب أدوات التأثير الانتخابي.
أزمة ثقة أم أزمة بنية؟
ما يحدث اليوم يطرح أكثر من مجرد تساؤل حول نوايا الأحزاب؛ إنه يكشف عن أزمة بنيوية عميقة تتعلق بضعف الديمقراطية الداخلية، وغياب آليات شفافة لاختيار المرشحين، إضافة إلى هشاشة التأطير السياسي للشباب. كما أن استمرار هذه الممارسات يفاقم من أزمة الثقة بين المواطن والعمل الحزبي، ويعزز العزوف السياسي، خاصة في صفوف الفئات الشابة.
نحو تجديد حقيقي أم إعادة إنتاج الأزمة؟
إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في رفع شعارات التشبيب، بل في ترجمتها إلى قرارات جريئة داخل الأحزاب، تعيد الاعتبار للكفاءة، وتفتح المجال أمام الطاقات الجديدة. فبدون إصلاح داخلي حقيقي، ستظل التزكيات مجرد محطة لإعادة إنتاج نفس الخريطة السياسية، مهما تغيرت الشعارات.
في النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل تملك الأحزاب الجرأة الكافية للقطع مع منطق الريع السياسي، والانخراط فعليًا في ورش تجديد النخب؟ أم أن منطق “الاستمرارية الآمنة” سيظل أقوى من كل دعوات الإصلاح؟






