الأحد، 1 مارس 2026

الإخلاص و التطهير الباطني : دراسة في مقاصد التزكية في القرآن و السنة

 


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .المنسق الوطني للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية بالمغرب 

الإخلاص وتزكية النفس: دراسة أكاديمية في المفهوم والأصول والآثار

مقدمة

يُعدّ الإخلاص وتزكية النفس من المفاهيم المركزية في البناء الأخلاقي والروحي في الإسلام. فالإخلاص يمثل البعد الباطني للعمل، بينما تمثل التزكية عملية إصلاح النفس وتنميتها وترقيتها. وقد ارتبط المفهومان ارتباطًا وثيقًا في النصوص الشرعية، حيث لا تتحقق التزكية الحقيقية إلا بإخلاص النية، ولا يثمر الإخلاص إلا في نفسٍ تتربّى وتُهذّب.

تهدف هذه الدراسة إلى بيان مفهوم الإخلاص، ومفهوم تزكية النفس، وأدلتهما من القرآن والسنة، وتحليل العلاقة بينهما، مع عرض لأقوال العلماء وأبعاد الموضوع التربوية.

أولاً: مفهوم الإخلاص

1. الإخلاص لغةً

الإخلاص من مادة (خ ل ص)، وهو الصفاء والنقاء من الشوائب. يقال: خَلُص الشيء إذا صفا وتنقّى.

2. الإخلاص اصطلاحًا

عرّفه الإمام أبو حامد الغزالي بأنه:

"تجريد القصد لله تعالى عن كل شائبة."

وقال الجنيد البغدادي:

"الإخلاص سرٌّ بين العبد وربه، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده."

فالإخلاص إذن هو تصفية النية من الرياء والسمعة وحبّ المدح، وجعل العمل خالصًا لوجه الله تعالى.

ثانياً: مفهوم تزكية النفس

1. التزكية لغةً

الزكاء يعني الطهارة والنماء. فالشيء الزكيّ هو الطاهر النامي.

2. التزكية اصطلاحًا

تزكية النفس تعني: تطهيرها من الرذائل والمعاصي، وتنميتها بالفضائل والطاعات.

قال تعالى:

﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ (الشمس: 9-10)

وقال تعالى:

﴿هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم﴾ (الجمعة: 2)

وقد بيّن الإمام ابن القيم الجوزية أن تزكية النفس تقوم على ركنين:

التخلي عن الأخلاق المذمومة

التحلي بالأخلاق المحمودة

ثالثاً: الإخلاص في القرآن الكريم

جعل القرآن الإخلاص أساس العبادة، ومن ذلك:

﴿وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (البينة: 5)

﴿ألا لله الدين الخالص﴾ (الزمر: 3)

﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ (الأنعام: 162)

وهذه الآيات تدل على أن الإخلاص شرط في صحة العمل وقبوله.

رابعاً: الإخلاص في السنة النبوية

روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»

رواه محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج.

كما قال ﷺ:

«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.»

فالنية والإخلاص هما معيار القبول عند الله.

خامساً: العلاقة بين الإخلاص وتزكية النفس

1. الإخلاص أساس التزكية

لا تتحقق تزكية النفس إلا بإخلاص العمل؛ لأن الرياء والعجب من أعظم أمراض القلوب التي تعيق تطهير النفس.

2. التزكية ثمرة الإخلاص

كلما صفَت النية، زكت النفس وارتقت؛ لأن الإخلاص يدفع صاحبه إلى:

المداومة على الطاعة

تصحيح العيوب

مراقبة الله في السر والعلن

3. الإخلاص يحمي النفس من الانحراف

العمل بغير إخلاص قد يؤدي إلى:

الرياء

طلب الشهرة

حب الظهور

وهذه كلها أمراض تناقض التزكية.

سادساً: وسائل عملية لتحقيق الإخلاص وتزكية النفس

استحضار مراقبة الله

محاسبة النفس دوريًا

إخفاء بعض الطاعات

كثرة الدعاء بطلب الإخلاص

قراءة كتب السلوك والتزكية

صحبة الصالحين

قال سفيان الثوري:

"ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيّتي."

سابعاً: الأبعاد التربوية المعاصرة

يمكن فهم الإخلاص في ضوء مفاهيم حديثة مثل:

الدافعية الداخلية

الاتساق القيمي

الوعي الذاتي

فالإخلاص يجعل الدافع للعمل نابعًا من القناعة الداخلية لا من ضغط المجتمع، مما يعزز الاستقرار النفسي والنمو الأخلاقي.

خاتمة

يتضح أن الإخلاص هو روح العمل، وأن تزكية النفس هي غايته. فالإخلاص يطهّر النية، والتزكية تطهّر السلوك، وكلاهما يشكّلان أساس البناء الإيماني المتوازن. ومن خلال الجمع بين صفاء النية وإصلاح السلوك تتحقق سعادة الإنسان في الدنيا وفلاحه في الآخرة.

السبت، 28 فبراير 2026

رسالة تضامن مع الدول الشقيقة في مواجهة التهديدات الإقليمية

 


باسم المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية، وفي شخص منسقه الوطني : د خليفة مزضوضي، نُعبّر عن كامل تضامننا مع دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومملكة البحرين، ودولة الكويت، والمملكة الأردن، في مواجهة كل ما يمس أمنها واستقرارها وسيادتها الوطنية.

وإذ نتابع بقلق بالغ التطورات التي تشهدها المنطقة، فإننا نؤكد على حق شعوبها في الأمن والسلام، ورفض كل أشكال التصعيد أو التدخل التي من شأنها زعزعة الاستقرار أو تهديد وحدة الدول وسلامة أراضيها.

كما ندعو إلى تغليب منطق الحكمة والحوار، وتعزيز التعاون الإقليمي القائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بما يضمن أمن المنطقة واستقرارها ويحقق تطلعات شعوبها في التنمية والازدهار.

حرر بـمراكش المملكة المغربية في : 10 رمضان1447 الموفق 28 فبراير 2026 

د : خليفة مزضوضي

المنسق الوطني

الثلاثاء، 24 فبراير 2026

الشيخ المكي الناصري عالم مصلح ورائد من رواد الحركة الوطنية المغربية



بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية .

 الشيخ المكي الناصري عالمٌ مصلح ورجل دولة في سياق الحركة الوطنية المغربية

مقدمة

يُعدّ الشيخ المكي الناصري (24 شوال 1324هـ / 11 دجنبر 1906 – 29 ذو القعدة 1414هـ / 10 ماي 1994) من أبرز رموز الإصلاح الديني والحركة الوطنية المغربية في القرن العشرين. جمع بين التكوين الشرعي العميق، والانفتاح على الفكر العربي الحديث، والتفاعل مع الثقافة الغربية، فشكّل نموذجاً للمثقف العضوي الذي أسهم في معركة التحرر الوطني وبناء الدولة المغربية الحديثة. وتتنوع إسهاماته بين الدعوة السلفية الإصلاحية، والعمل السياسي الوطني، والتأليف، والعمل الحكومي والدبلوماسي.

أولاً: السياق التاريخي والفكري

عاش الشيخ في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، تميزت بفرض نظام الحماية الفرنسية سنة 1912، وما رافقه من تحولات سياسية وثقافية عميقة. وقد برزت في تلك المرحلة حركة إصلاحية متأثرة بمدرسة السلفية الإصلاحية في المشرق، خاصة بأفكار:

محمد عبده

رشيد رضا

وقد كان للمغرب رواده الإصلاحيون الذين سعوا إلى مقاومة الاستعمار ثقافياً ودينياً، عبر إصلاح التعليم ومحاربة البدع والخرافات، وربط النهضة الدينية بالتحرر السياسي.

ثانياً: النشأة والتكوين العلمي

وُلد الشيخ بالرباط في بيت علم ودين، ونشأ في بيئة محافظة مشبعة بروح الوطنية. تلقى تعليمه الأولي على أيدي علماء المغرب، ومن أبرز شيوخه:

الحافظ أبو شعيب الدكالي

محمد المدني بن الحسني

الحاج محمد الناصري

محمد بن عبد السلام السائح

كما انفتح على الفكر العربي الحديث، فتتلمذ على علماء من المشرق العربي مثل:

مصطفى عبد الرازق

عبد الوهاب عزام

يوسف كرم

ولم يقتصر تكوينه على الدائرة الإسلامية، بل احتك بعدد من المستشرقين والفلاسفة الغربيين، منهم:

كارلو ألفونسو نللينو

إغناسيو جويدي

أندريه لالاند

وهذا التكوين المتنوع منح الشيخ قدرة على الحوار الحضاري، وجعله يتبنى خطاباً إصلاحياً عقلانياً يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

ثالثاً: النشاط الإصلاحي والفكري

بدأ نشاطه الفكري مبكراً، فألّف سنة 1922 كتابه الأول «إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة»، الذي دعا فيه إلى تنقية العقيدة من الخرافات والبدع، في إطار توجه سلفي إصلاحي معتدل.

وكان من مؤسسي:

«الرابطة المغربية» (1920) – كأول تنظيم سري لمقاومة الاحتلال

«جمعية أنصار الحقيقة» (1925)

مثّلت هذه المبادرات انتقالاً من الإصلاح الديني البحت إلى الإصلاح الوطني السياسي، حيث رأى أن تحرير الإنسان فكرياً شرط لتحرير الوطن سياسياً.

رابعاً: دوره في الحركة الوطنية

يُعد الشيخ من رجالات الحركة الوطنية الأوائل، وقد ساهم في بلورة الوعي السياسي الوطني. ومن أبرز محطاته:

الدفاع عن استقلال المغرب في المحافل الدولية.

الترافع عن القضية المغربية في أوروبا.

المشاركة في تقديم شكاية المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 1952 ضد سلطات الحماية.

وقد ترتب عن نشاطه نفيه ومنعه من دخول المناطق المغربية، وظل في المنفى أكثر من أربع سنوات إلى حين عودة السلطان الشرعي:

محمد الخامس

وتُظهر هذه المرحلة تلازم الدعوة والإصلاح مع النضال السياسي في مشروعه الفكري.

خامساً: العمل الحكومي والدبلوماسي

بعد الاستقلال، أسندت إليه مناصب سامية، منها:

سفير المغرب بليبيا

وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية

وزير الثقافة

رئيس المجلس العلمي بولاية الرباط وسلا

وقد أسهم في تنظيم الحقل الديني، وتأطير المؤسسات العلمية، وتعزيز حضور الثقافة الإسلامية في السياسات العمومية.

سادساً: منهجه في التفسير والدعوة

كان الشيخ مفسراً للقرآن الكريم، واعتمد في منهجه على:

الجمع بين التفسير بالمأثور والنظر العقلي.

ربط النص القرآني بقضايا المجتمع المعاصر.

إبراز القيم الإصلاحية والاجتماعية في القرآن.

وقد كان خطابه يتسم بالاعتدال، بعيداً عن الغلو، مع التركيز على التربية والإصلاح المجتمعي.

سابعاً: تقييم أكاديمي لشخصيته وإرثه

يمكن تحليل شخصية الشيخ المكي الناصري من خلال ثلاث دوائر متكاملة:

1. دائرة الإصلاح الديني

امتداد لمدرسة السلفية الوطنية المغربية التي جمعت بين العقيدة الأشعرية والفقه المالكي وروح التجديد.

2. دائرة النضال الوطني

نموذج للمثقف المناضل الذي لم يفصل بين الدين والوطن.

3. دائرة بناء الدولة

مساهم في هندسة السياسة الدينية والثقافية للدولة المغربية بعد الاستقلال.

خاتمة

إن الشيخ المكي الناصري يمثل نموذجاً فريداً للعالم المصلح الذي عاش همّ الأمة ديناً ووطنًا. جمع بين العلم والعمل، والدعوة والنضال، والفكر والسياسة. وقد ترك أثراً عميقاً في مسار الحركة الوطنية المغربية، وفي بناء المرجعية الدينية الرسمية للمغرب المعاصر.

رحم الله الشيخ المكي الناصري، وجزاه عن وطنه ودينه خير الجزاء.

الأحد، 22 فبراير 2026

البلاء والإبتلاء في الفكر الإسلامي : دراسة في البعد الوجودي والتربوي للمعاناة الإنساانية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .المنسق الوطني للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية.

مقدمة

يُعدّ موضوع البلاء والابتلاء من القضايا المركزية في البناء العقدي والتربوي في الإسلام، لما له من ارتباط وثيق بمفهوم الإيمان، والقدر، والحكمة الإلهية، وسير الإنسان نحو الكمال الروحي والأخلاقي. فالبلاء ليس مجرد حدث عارض في حياة الإنسان، بل هو سنّة كونية إلهية جارية في الخلق كافة، أفرادًا وجماعات. ويهدف هذا البحث إلى تقديم معالجة أكاديمية موسعة لمفهوم البلاء والابتلاء، من حيث دلالتهما اللغوية والاصطلاحية، وأبعادهما العقدية، وأنواعهما، وحِكمهما، وآثارهما التربوية والاجتماعية، مدعومًا بالنصوص القرآنية والحديثية وأقوال العلماء.

أولاً: المفهوم اللغوي والاصطلاحي

1. البلاء في اللغة

البلاء مشتق من الفعل "بلا" بمعنى اختبر وامتحن. جاء في لسان العرب: "بلاه الله بلاءً أي اختبره وامتحنه". والبلاء قد يكون بالخير أو بالشر.

2. البلاء في الاصطلاح الشرعي

البلاء هو: ما يقدّره الله تعالى على عباده من خير أو شر بقصد الاختبار والتمحيص ورفع الدرجات أو التكفير عن السيئات.

وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى:

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾

(سورة الأنبياء: 35)

فدلّ النص على أن الابتلاء يشمل النعمة كما يشمل المصيبة.

ثانياً: الابتلاء سنة كونية عامة

الابتلاء قانون إلهي شامل لا يستثني أحدًا، حتى الأنبياء عليهم السلام، بل هم أشد الناس ابتلاءً.

1. ابتلاء الأنبياء

أيوب: ابتُلي في جسده وماله وأهله، فكان مثالًا للصبر.

قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ (ص: 44).

إبراهيم: ابتُلي في عقيدته، وولده، ووطنه، وماله.

قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: 124).

محمد ﷺ: تعرّض للأذى والاضطهاد والحروب وفقد الأحبة.

قال ﷺ:

«أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» (رواه الترمذي).

ثالثاً: أنواع البلاء

1. البلاء بالشر (المحن والمصائب)

كالفقر، المرض، الخوف، فقدان الأحبة.

قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ...﴾ (البقرة: 155)

2. البلاء بالخير (النعم)

كالمال، السلطة، الصحة، الجاه.

قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ (الفجر: 15)

وهذا النوع أشد خطورة؛ لأنه قد يؤدي إلى الغرور والطغيان إن لم يُقابل بالشكر.

رابعاً: الحكم والمقاصد من الابتلاء

1. تحقيق العبودية الخالصة

الابتلاء يكشف حقيقة الإيمان ويميز الصادق من المدّعي.

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2)

2. تمحيص الذنوب وتكفير السيئات

قال ﷺ:

«ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب... حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه» (متفق عليه).

3. رفع الدرجات

قد يبتلي الله عبده ليبلغه منزلة لا يصلها بعمله فقط.

4. التربية الروحية

البلاء يربي النفس على:

الصبر

التوكل

الرضا

الزهد في الدنيا

خامساً: الفرق بين البلاء والعقوبة

ليس كل بلاء عقوبة.

الضابط في ذلك:

إن قاد البلاء إلى التوبة والرجوع إلى الله فهو رحمة.

وإن قاد إلى التمادي في الغفلة فهو استدراج.

قال تعالى:

﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 182)

سادساً: الموقف الشرعي من البلاء

1. الصبر

قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10)

2. الرضا بالقضاء

وهو مرتبة أعلى من الصبر.

3. الدعاء والأخذ بالأسباب

لا يتعارض الصبر مع طلب العلاج أو السعي لتغيير الواقع.

سابعاً: الأبعاد الاجتماعية للبلاء

تقوية روح التكافل

تنمية التعاطف المجتمعي

إعادة ترتيب الأولويات

اختبار صلابة الأمم

وقد شهد التاريخ الإسلامي ابتلاءات جماعية (كالمجاعات والحروب) كانت سببًا في نهضة روحية وفكرية.

ثامناً: البلاء في ضوء الفكر الإسلامي المقارن

يرى علماء العقيدة مثل أبو حامد الغزالي أن البلاء يحمل في باطنه أسرارًا تربوية قد لا يدركها العقل الجزئي.

كما ناقش ابن تيمية مفهوم الابتلاء باعتباره من لوازم العبودية وتمام المحبة لله، واعتبر أن المصيبة قد تكون نعمة في حقيقتها.

تاسعاً: البلاء بين القضاء والقدر

الإيمان بالابتلاء مرتبط بالإيمان بالقضاء والقدر، وهو أحد أركان الإيمان الستة.

فالإنسان مأمور بالسعي والعمل، مع التسليم بأن النتائج بيد الله.

عاشراً: خاتمة

يتضح من خلال هذا العرض أن البلاء والابتلاء ليسا مظاهر عبثية في الحياة، بل هما جزء من نظام إلهي دقيق يهدف إلى تهذيب النفس، وتمحيص الإيمان، ورفع الدرجات، وإعداد الإنسان لدوره الاستخلافي في الأرض. فالبلاء مدرسة إيمانية عميقة، به تتمايز النفوس، وتترقى الأرواح، وتتحقق العبودية الحقة لله تعالى.

أهم النتائج

البلاء يشمل الخير والشر معًا.

الابتلاء سنة إلهية عامة تشمل الأنبياء والصالحين.

البلاء ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون رحمة.

الموقف الصحيح من البلاء هو الصبر والرضا مع الأخذ بالأسباب.

للبلاء أبعاد فردية واجتماعية وحضارية .

الخميس، 12 فبراير 2026

مفاوضات مدريد قراءة سياسية إستشرافية في إنتقال أدوات حسم نزاع الصحراء المغربية وتنزيل الحكم الذاتي.


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

تندرج اليوم مفاوضات مدريد ضمن مسار إستراتيجي دقيق وعميق، مسار جديد ينقل ملف الصحراء من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة حسم موازينها التي أكدها القرار 2797. فالنزاع المفتعل لم يعد قابلا للتدوير الدبلوماسي أو الإختباء وراء صيغ مفاهيمية مستهلكة، ولا حتى التأطير داخل سردية ما سمي بتصفية الاستعمار، والتي استهلكت دوليا وفقدت قدرتها على الإجماع و الإقناع. فالجلوس على طاولة واحدة و تحت رعاية أمريكية مباشرة وبحضور الأمم المتحدة، يؤسس لتحول نوعي في تعريف أطراف النزاع وحدود أدوارهم، وينقل الجزائر من موقع الإدعاء السياسي إلى موقع المساءلة القانونية، ويسقط وبشكل عملي فرضية "الغير معني" أو "الطرف الملاحظ" التي تمسكت بها لسنوات.


إن التحول الجوهري الذي كرسه لقاء مدريد يتمثل بالأساس في إنتقال النقاش من صراع حول المرجعيات إلى تدبير تقني للحل. فقبول الوثيقة المغربية حول التنزيل العملي لمقترح الحكم الذاتيو بصيغتها المحينة، كأساس وحيد للنقاش يشكل قطعا نهائيا مع منطق تعدد المقترحات الذي أستخدم في مراحل سابقة لإطالة أمد النزاع. فلم يعد السؤال المطروح هو مشروعية الحكم الذاتي من عدمها، بل كيفية تنزيله داخل إطار السيادة المغربية، وهو إنتقال من المجال الإيديولوجي إلى المجال التنفيذي الواقعي، حيث يمتلك المغرب مقومات التفوق المؤسساتي و القانوني الواضح والصريح، مقومات مدعومة بتراكمات دبلوماسية طويلة وشرعية ميدانية لا ينازعها أحد، والتي يكتسي فيها القرار الأممي 2797 دلالة إستشرافية خاصة، لأن قرار 31 أكتوبر 2025، لا يراهن فقط على إدارة الوقت بقدر ما يختبر الإرادات السياسية الحقيقية للأطراف المعنية بالنزاع. الجزائر التي تجد نفسها اليوم أمام معادلة غير مسبوقة، فإما أن تنخرط بشكل جدي في مسار تفاوضي واقعي يقود إلى حل سياسي نهائي، أو تتحمل تكلفة التعطيل في سياق دولي لم يعد يتسامح مع بؤر التوتر المصطنعة والمفتعلة، خاصة في منطقة شمال إفريقيا والساحل، والتي أضحت تتطلب العمل على إستقرارها كشرطا استراتيجي دولي لمعادلات أمنية وإقتصادية كبرى.

إن إحداث لجنة تقنية دائمة بإشراف أمريكي و أممي لا يمكن إعتباره مجرد إجراء إجرائي محايد، بل أنها تمثل ذلك الإنتقال التدريجي من منطق الوساطة الأممية التقليدية والتي إستنفدت جميع أدواتها، إلى منطق الرعاية السياسية الأمريكية. هذا التطور الذي يعكس قناعة واشنطن بأن إدارة النزاع عبر آليات أممية فضفاضة لم تعد مجدية، للانتقال من موقع الداعم إلى موقع الضامن، بما يرفع كلفة المناورة والتراجع، خصوصا بالنسبة للجزائر التي بنت إستراتيجيتها لعقود على كسب الوقت وإعادة إنتاج الجمود.

 و الأهم في مخرجات مدريد يتمثل في الاتفاق الإجرائي على خارطة طريق مدريد واشنطن 2026، بما تتضمنه من أفق زمني للتوقيع على اتفاق إطار سياسي و لأول مرة يؤطر زمن مسار التفاوض تحت رعاية القوة الولايات المتحدة الأمريكية، لا ضمن مسار أممي مفتوح على التأجيل والتمطيط. هذا التطور الذي يحد من هوامش التعطيل التي مافتأت الجزائر تدفع بها، ويحول أي محاولة للعرقلة إلى عبئ سياسي مباشر على الطرف الذي يفتقر إلى بدائل واقعية. فمشهد مدريد يحمل في طياته رسائل عميقة و في أدق تفاصيلها البروتوكولية والتي حملت رسائل سياسية عميقة من خلال رفض الصورة الجماعية التي لم تكن مجرد إجراء شكلي، بل تعبير عن قلق جزائري من دلالاتها الرمزية السياسية، وإدراك منها بأن أي صورة مشتركة ستقرأ دوليا بأنها إعتراف ضمني بمركزية المغرب في الحل، وبإنتقال الجزائر من موقع الداعم الخارجي إلى موقع الطرف المعني بالنزاع. وهو هروب بصري من صورة جماعية هو بالأساس هروب من واقع سياسي يتكرس داخل قاعة التفاوض مهما تم إنكاره خارجها.

إن معركة المصطلحات التي أنهتها طاولة مدريد وخاصة حول مفهوم تقرير المصير تؤكد أن الجزائر تخوض اليوم معركة لغوية أكثر منها سياسية حين يحاصر مفهوم تجاوزه قرار مجلس الأمن 2797 داخل أفق الحكم الذاتي، لينهي تلك الصيغة الكلاسيكية التي تتمسك بها الجزائر، ولتتحول إلى شعار مستهلك بلا آليات تنفيذية واقعية، و في عالم لم يعد يتعامل مع النزاعات بمنطق الشعارات، بل بمنطق الإستقرار والنجاعة.

في المقابل تقف المملكة المغربية داخل هذا المسار الجديد كقوة هادئة لا تقوم على الإستعراض، بل على تثبيت المرجعية وفرض الإطار العام للحل ،المغرب الذي لم يعد في حاجة إلى تقديم أي تنازلات جديدة ،والذي حول المفاوضات من نقاش حول السيادة إلى نقاش حول كيفية تدبيرها، الأمر الذي منحه هامش مناورة ديبلوماسية واسعة، ليجعل أي فشل محتمل للمحادث عبئا سياسيا على الطرف الآخر. 

و مع كل ماسبق حول مفاوضات مدريد فإن أي قراءة إستشرافية لها تفرض منا حيزا من الحذر السياسي ، فالإنتقال من منطق التصعيد إلى منطق التفاوض لا يعني بالضرورة وجود تحول عميق في العقيدة السياسية الجزائرية، فقد نشهد محاولات لإفراغ الحوار من محتواه لإعادة إنتاج التعنت داخل قاعة المفاوضات. غير أن هذا السيناريو و حتى إن أمكن له التحقق، لا يغير من حقيقة أساسية وهي أن مجرد إنعقاد لقاء مدريد يؤسس لسابقة سياسية يصعب التراجع عنها، ويكرس أن الحل لم يعد ممكنا إلا عبر الجزائر وبموافقتها الصريحة على إنهاء النزاع.

ختاما، مفاوضات مدريد ليست محطة الحسم النهائي لكنها لحظة كاشفة بامتياز و لحظة سقوط آخر الأقنعة وبداية مرحلة جديدة تدار فيها قضية الصحراء بمنطق الوقائع لا الأوهام والأساطير، بداية مفاوضات تدار بميزان القوى لا بشعارات السبعينيات. من هذه المنطلق لم تعد السيادة المغربية موضوع تفاوض بل أصبحت الإطار الذي تدار داخله المفاوضات نفسها، وما عدا ذلك ليس سوى مجرد تفاصيل في طريق إغلاق أحد أطول النزاعات المفتعلة في المنطقة، مع ميل واضح لميزان التحول الإستراتيجي لصالح الطرح المغربي ودخول الجزائر مرحلة دقيقة تتقلص فيها هوامش المناورة وتتسع فيها كلفة الرفض.

الأحد، 8 فبراير 2026

الانفعال في السياسة المعاصرة : البكاء كخطاب وهمي غير لغوي داخل التنظيمات الحزبية



بقلم :  خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

هل أصبح بكاء السياسيين في الاجتماعات فِطرة؟

بين البعد الإنساني، والخوف الوجودي، والبكاء على السلطة والمناصب

مقدّمة

عرف الحقل السياسي، تاريخيًا، ارتباطه بالعقلانية، والحسابات الباردة، وضبط الانفعال، باعتبار السياسة مجالًا لإدارة الصراع والمصلحة والقوة. غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا لافتًا في المشهد السياسي العالمي والعربي، تمثّل في ظهور البكاء كفعل سياسي علني داخل الاجتماعات والملتقيات الحزبية والرسمية.

هذا التحوّل يطرح إشكالًا مركزيًا:

هل نحن أمام عودة “الفطرة الإنسانية” إلى الفعل السياسي؟

أم أمام بكاءٍ وظيفيٍّ مرتبط بالخوف من فقدان السلطة والمكانة؟

أم أنّه تعبير عن قلق وجودي عميق في زمن اهتزاز اليقين السياسي؟

أولًا: البكاء في السياسة – من السلوك الإنساني إلى الفعل الرمزي

من منظور أنثروبولوجي، يُعدّ البكاء استجابة إنسانية فطرية للضغط، الفقد، الخوف، أو العجز. غير أنّ انتقاله إلى المجال السياسي يحوّله من فعل تلقائي إلى سلوك دلالي مشحون بالرمزية.

في السياسة، لا يُقرأ البكاء بوصفه دموعًا فقط، بل بوصفه:

رسالة إلى القاعدة الحزبية

تعبيرًا عن أزمة قيادة

أو محاولة لاستدرار التعاطف وإعادة الشرعية

وهنا يصبح البكاء خطابًا غير لغوي، يخضع للتأويل مثل الخطب والبيانات.

ثانيًا: بكاء على الكراسي والمناصب – خوف النخب من السقوط

يرتبط جزء كبير من بكاء السياسيين المعاصرين بما يسميه علماء السياسة: “قلق فقدان الامتياز” (Anxiety of Power Loss)

1. السلطة كهوية

بالنسبة لكثير من السياسيين، لم تعد السلطة وظيفة مؤقتة، بل:

مصدرًا للهوية

ضمانًا اجتماعيًا

أداة نفوذ رمزي ومادي

وعليه، فإن التهديد بفقدان المنصب يُترجم نفسيًا إلى:

إحساس بالفراغ

خوف من التهميش

انهيار صورة الذات السياسية

في هذه الحالة، يكون البكاء بكاءً على الذات السلطوية أكثر منه على الوطن أو المشروع السياسي.

2. هشاشة الشرعية

حين تضعف الشرعية الانتخابية أو الأخلاقية، يلجأ السياسي إلى:

العاطفة بدل البرنامج

الدموع بدل الرؤية

الاستعطاف بدل الإقناع

فيتحول البكاء إلى آلية دفاع سياسي في لحظة العجز.

ثالثًا: البكاء كخوف مما هو آتٍ – السياسة في زمن اللايقين

لا يمكن فصل ظاهرة بكاء السياسيين عن السياق العالمي العام، الموسوم بـ:

الأزمات الاقتصادية

تصاعد الاحتجاجات

تآكل الثقة في الأحزاب

صعود الشعبوية

في هذا السياق، يظهر ما يسميه زيغمونت باومان: “الخوف السائل”

وهو خوف غير محدد المصدر، لكنه دائم الحضور.

1. الخوف من المحاسبة

في كثير من الحالات، يكون البكاء تعبيرًا غير مباشر عن:

خوف من المساءلة التاريخية

قلق من المحاكمات السياسية أو الأخلاقية

إدراك متأخر لفشل المشروع أو الخطاب

2. نهاية اليقين الحزبي

لم تعد الأحزاب فضاءات أمان كما كانت، بل:

كيانات متآكلة

هويات متصدعة

تنظيمات مهددة بالانقسام

فيبكي السياسي لا لأنه ضعيف، بل لأنه يدرك أن المستقبل لم يعد مضمونًا.

رابعًا: البكاء بين الصدق والتوظيف الشعبوي

من المهم التمييز بين نوعين من البكاء السياسي:

1. بكاء صادق (نادر)

نابع من صدمة أخلاقية حقيقية

مرتبط بلحظات اعتراف أو مراجعة

لا يُستثمر إعلاميًا بشكل فجّ

2. بكاء مُوظَّف (الأغلب)

يحدث أمام الكاميرات

يُعاد تدويره إعلاميًا

يُستثمر انتخابيًا أو تنظيميًا

هذا النوع الأخير يندرج ضمن ما يسمى: “شعبوية العاطفة”

حيث تُستبدل البرامج السياسية بالمشاعر الجياشة.

خامسًا: هل أصبح البكاء فطرة سياسية جديدة؟

لا يمكن القول إن البكاء أصبح “فطرة” بالمعنى الطبيعي، لكنه تحوّل إلى:

أداة سياسية مشروعة

وسلوك مقبول داخل الحقل السياسي

ولغة جديدة في زمن أزمة الخطاب العقلاني

إنه مؤشر على:

تراجع السياسة كفنّ للتدبير

صعود السياسة كدراما عاطفية

وانزياح المجال العام من العقل إلى الانفعال

خاتمة

إن بكاء السياسيين في الاجتماعات ليس ظاهرة بريئة ولا عرضية، بل هو:

مرآة لأزمة السلطة

ودليل على خوف النخب من فقدان الامتياز

وتعبير عن قلق عميق تجاه مستقبل غير قابل للتحكم

هو بكاء ليس على الوطن بقدر ما هو على الموقع،

وليس على الفكرة بقدر ما هو على الكرسي،

وفي كثير من الأحيان، ليس شجاعة إنسانية… بل اعتراف غير معلن بنهاية مرحلة.

السبت، 7 فبراير 2026

من البر إلى العقوق : تحولات القيم الأسرية في المجتمع المعاصر من منظور فقهي اجتماعي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

إن بر الوالدين من أعظم الأعمال في الإسلام، وقد خصَّه الله تعالى بذكر كريم في كتابه، وحثَّ عليه النبي ﷺ في سنته وأوصى به في أحاديثه. ومع ذلك فقد لوحظ في المجتمعات المعاصرة ضعف في احترام الوالدين وتنامٍ في حالات العنف والإساءة، سواء كانت لفظية أو جسدية، ما يثير قلق العلماء والمربين حول الآثار الاجتماعية والأخلاقية لهذه الظاهرة.

أولًا: مفهوم بر الوالدين في الشريعة الإسلامية

1. تعريف البر:

البرُّ في اللغة: الإحسان.

وفي الشريعة: إعطاء كل ذي حق حقه من طاعة، واحترام، ومودة، وإكرام.

2. الدلائل الشرعية على فضل بر الوالدين

أ‌. في القرآن الكريم

قوله تعالى:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23).

ويلي هذه الآية تهديد بالعقوق:

﴿إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 24).

دلائل: الإحسان، وعدم قول “أف”، وعدم التنهد عليهم، والقول الكريم.

قوله تعالى:

﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (لقمان: 14).

ب‌. في السنة النبوية

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:

سُئل رسول الله ﷺ عن أكثر الناس برًّا لوالديه؟ قال: «أكثرهم برًّا: أبرُّهم بأميهما.»

(رواه البخاري ومسلم)

الدلالة: التشديد على بر الوالدين والإحسان إليهما مهما كانت حالتهما.

عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال:

جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك.

(أخرجه البخاري ومسلم)

الدلالة: تعظيم حق الأم قبل الأب.

3. العقوبة في الدنيا والآخرة للعاقّ

وعد الله بالعذاب:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا... وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 14).

ولم يذكر الله بعد الإحسان بالمعصية.

النبي ﷺ قال:

لا يدخل الجنة قاطع.

(رواه البخاري ومسلم)

القول الفقهي: قاطع الرحم يشمل من يقطع صلة الوالدين، ولو بالقلب.

ثانيًا: مظاهر تراجع بر الوالدين وتنامي العنف في العصر المعاصر

1. مظاهر العنف والإساءة

العنف اللفظي: استخدام الألفاظ الجارحة، القذف، السخرية.

العنف الجسدي: الضرب أو الإهمال.

العنف النفسي: التجاهل، التحقير، التهديد.

كل هذه سلوكيات محرَّمة شرعًا وتنافي الإحسان.

2. مظاهر التراجع في البر

العصيان في المنزل.

عدم أداء الحقوق: مبيت الوظيفة والمال دون مشاركة مع الوالدين.

تجاهل نصائحهما.

مقارنة الأبوين بالغير بطريقة تحقيرية.

ثالثًا: أسباب هذه الظاهرة من المنظور الفقهي والتربوي والاجتماعي

1. ضعف التربية الدينية

تدني الوازع الإيماني.

ضعف التربية على الأخلاق منذ الصغر.

غياب القدوة الحسنة في الأسرة.

2. التغيُّرات الثقافية والاجتماعية

النزعة الفردية وتغليب الذات.

الانفتاح غير المحكوم على ثقافات خارجية تُقلل من قيمة الأسرة.

3. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

نشر محتوى يقلِّل من احترام الآباء.

تمجيد العصيان والتمرد على القيم.

4. عوامل نفسية

مشكلات نفسية لدى الأبناء غير معالجَة.

توتر العلاقات نتيجة ضغوط الحياة.

رابعًا: تحليل فقهي للسلوك العاصي تجاه الوالدين

1. حالة العصيان المطلق

إذا كان الوالدان يأمران بمعصية، الشرع ينهى عن طاعتهما في ذلك، مع الإحسان إليهما في غير المعصية.

دلائل: قوله تعالى:

﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي... فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 14).

2. العنف ضد الوالدين

كل سلوك مؤذٍ تجاه الوالدين مخالف لقواعد العدل والإحسان في الشريعة.

الفقهاء أجمعوا على تحريم الإيذاء، وأنه من الكبائر.

خامسًا: الأثر الاجتماعي والنفسي لتراجع بر الوالدين

1. على الأسرة

تفتت العلاقات.

ضعف التراحم داخل البيت.

زيادة النزاعات الأسرية.

2. على المجتمع

انتشار العدوانية.

ضعف التضامن الأسري.

3. على الأبناء أنفسهم

اضطرابات نفسية لاحقة.

نقص في الاحترام والتقدير تجاه الكبار بشكل عام.

سادسًا: الحلول المقترحة من منظور فقهي وتربوي

1. التثقيف الديني

دروس مساجد حول فضل بر الوالدين.

خطب جمعة تركز على أخلاق الأسرة.

2. التربية الأسرية

حوارات بين الآباء والأبناء.

حضور دورات في إدارة الغضب وحل النزاعات.

3. تقنين سلوك وسائل التواصل

تنقية المحتوى.

تشجيع المحتوى الذي يدعو إلى الاحترام والبر.

4. الدعم النفسي

استشارة متخصصين في حال وجود مشكلات نفسية.

5. نظام وقائي في المجتمع

برامج مدرسيّة تربوية.

إشراك الفقهاء والمربين في نشر الوعي بالقيم.

خاتمة

إن بر الوالدين واجبٌ شرعي وأخلاقي ثابت بالنصوص من القرآن والسنة، وقد حذر الشرع من العقوق والعنف تجاههما. وما نشهده من تراجع في البر وتنامٍ في العنف يرجع إلى أسباب متعددة اجتماعية وثقافية ونفسية، ويتطلب مواجهة عملية تشمل التثقيف الديني، والتربية المتوازنة، ودعم الأسرة والمجتمع. بهذا النهج يمكن أن نعيد إلى العلاقات بين الأبناء وذويهم ما يرضي الله ويحقِّق السكينة الأسرية.