الأربعاء، 14 يناير 2026

شهادة : الشاعر إسماعيل زويريق: التجربة الشعرية بين الوجدان الإنساني والالتزام الثقافي


 من مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي...!!

شهادة في حق الشاعر إسماعيل زويريق.

مقدمة

تُعدّ التجارب الشعرية الأصيلة رافعة أساسية للوعي الثقافي العربي، لما تحمله من قدرة على التعبير عن التحولات الوجدانية والاجتماعية والفكرية التي يعيشها الإنسان العربي في سياقات متغيرة. وفي هذا الإطار، تبرز تجربة الشاعر إسماعيل زويريق بوصفها تجربة شعرية متماسكة، تجمع بين الحس الإنساني العميق والالتزام الثقافي الواعي، وتؤسس لصوت شعري له خصوصيته داخل المشهد الأدبي العربي المعاصر.

أولاً: السياق العام للتجربة الشعرية

ينتمي الشاعر إسماعيل زويريق إلى جيل من الشعراء الذين وعوا إشكاليات المرحلة، وما تفرضه من أسئلة الهوية، والذات، والحرية، والانتماء. وقد جاءت تجربته الشعرية متفاعلة مع هذا السياق، لا على مستوى المضمون فحسب، بل على مستوى البناء الجمالي واللغوي، حيث تتداخل الرؤية الذاتية مع الهمّ الجمعي في نسق تعبيري متوازن.

ثانياً: البنية الفنية والخصائص الأسلوبية

تعتمد قصيدة إسماعيل زويريق على لغة شعرية موحية، تتسم بالاقتصاد الدلالي والعمق الرمزي، مع قدرة لافتة على توظيف الصورة الشعرية بوصفها أداة معرفية، لا مجرد عنصر زخرفي.

وتتجلى الخصائص الأسلوبية في:

الانزياح الدلالي الذي يمنح النص كثافة تأويلية.

التكثيف الوجداني الذي يجعل القصيدة مشحونة بطاقة شعورية عالية.

التوازن بين الإيقاع والمعنى، سواء في الأشكال العمودية أو التفعيلية أو النصوص المفتوحة.

ثالثاً: البعد الإنساني والوجداني

يمثل البعد الإنساني أحد المرتكزات الأساسية في شعر إسماعيل زويريق، حيث تتحول التجربة الذاتية إلى مرآة للوجع الإنساني العام. إن القيم الكونية مثل الحب، والكرامة، والأمل، والحنين، تشكل نواة دلالية تتكرر بصيغ مختلفة، ما يمنح النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

رابعاً: الالتزام الثقافي والوظيفة الاجتماعية للشعر

لا ينفصل الشعر عند إسماعيل زويريق عن قضايا المجتمع والإنسان، إذ يتجلى الالتزام الثقافي في موقفه من الواقع، وفي انحيازه للقيم النبيلة دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية. فالشاعر يقدّم رؤية نقدية للواقع من داخل الشعر، مستثمرًا الرمز والإيحاء بوصفهما آليتين فنيتين للتعبير عن الرفض أو الأمل.

خامساً: موقع الشاعر في المشهد الثقافي العربي

يُسهم إسماعيل زويريق في إثراء المشهد الشعري العربي من خلال نصوصه التي تجمع بين الأصالة والتجديد، وتحافظ على صلة واعية بالتراث، دون أن ترتهن له. وتؤهله هذه الخصائص ليكون أحد الأصوات الشعرية التي تستحق المتابعة النقدية والدراسة الأكاديمية الجادة.

خاتمة : 

إن تجربة الشاعر إسماعيل زويريق تمثل نموذجًا للشعر الذي ينهل من الوجدان الإنساني، ويتفاعل مع قضايا عصره بوعي فني وثقافي عميق. ومن موقعنا في اكاديميه الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي ، نثمّن هذه التجربة، ونؤكد أهمية دعمها، ودعوة الباحثين والنقاد إلى مقاربتها ضمن الدراسات الأدبية المعاصرة، لما تحمله من قيمة جمالية وفكرية تسهم في ترسيخ دور الشعر في بناء الوعي الثقافي العربي.

د: خليفة مزضوضي المدير العام لأكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي

الأحد، 11 يناير 2026

مشروع الملك..لدولة ولي العهد.. 2/1- هل يشكل المستقلون القوة السياسية الصاعدة

 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!

منذ اللحظة التي اتخذ فيها الملك محمد السادس قراره بإيفاد فؤاد عالي الهمة إلى قلب الساحة السياسية سنة 2007، بدا واضحا أن المغرب يدخل طورا جديدا من تدبير الحياة الحزبية والانتخابية، على قاعدة "مشروع الملك"، إذ أن خروج الهمة من القصر كان أبعد من أن يكون خطوة شخصية أو "تجريبا" لدور سياسي جديد، فقد كان، منذ البداية، مبعوثا سياسيا للملك، مكلفا بمهمة صريحة: من جهة، إعادة ترتيب الحقل السياسي، الذي تراكمت فيه الأعطاب، وأصابه الترهل والاهتراء وتآكل الشرعية الاجتماعية، وتعذر إصلاحه من الداخل... ومن جهة ثانية، إطلاق دينامية سياسية جديدة تعطي للعمل الحزبي حدا أدنى من التأهيل والفعالية والجدية...

وهكذا، حين دخل الهمة إلى البرلمان بدون انتماء حزبي، في أعقاب انتخابات 2007، وتمكن من جمع فريق كبير من الرُحّل يتكون من 45 نائبا، أغلبهم (27 نائبا) ينتمون إلى الأحزاب السبعة التي سيُشّكّل منها الحزب لاحقا، كان ذلك تعبيرا عن ثقة ملكية في قدرة ذراعه اليمنى على تفكيك الجمود المتحجر داخل الحقل الحزبي، وبناء نواة سياسية صاعدة يمكن أن تقود عملية إعادة الهيكلة. لقد كان تشكيل فريقه البرلماني المستقل الذي أطلق عليه إسم "الأصالة والمعاصرة"، في أكتوبر 2007، أول خطوة عملية في مشروع أكبر يتكفل "مبعوث الملك" بتنزيله الميداني، في ما اعتُبرت، حينها، خطوة سياسية جريئة قلبت حسابات التوازنات التقليدية في البرلمان، قبل أن تتعزز هذه الخطوة، في 17 يناير 2008، عندما أسس الهمة حركة سياسية وفكرية مفتوحة، حملت اسم "حركة لكل الديمقراطيين"، وضمت أطيافا سياسية متعددة، اجتمعت على أرضية الدفاع عن الخيار الديمقراطي والحداثي، الذي اختاره الملك، وترسيخ أسسه في مواجهة الفقر والهشاشة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، وفي رفع تحديات التنمية البشرية. 

الحركة لم تكن حزبا، لكنها كانت خطة سياسية شاملة مهمتها سد الفراغ، الذي خلفه فشل الأحزاب في النهوض بمهامها الدستورية، وكان الهدف الأساسي هو دفع هذه الأحزاب لمراجعة أوضاعها المنكسرة، وتجديد نخبها، وبناء برامجها وفق تفاعل إيجابي مع التطورات، التي تعرفها البلاد، حتى لا تُرمى إلى هامش التحولات المجتمعية، وتصبح أحزابا خاوية على عروشها. لكن مقاومة بعض النافذين داخل تلك الأحزاب لأوراش الإصلاح، التي دعت حركة لكل الديمقراطيين إلى فتحها ومباشرة مهامها، دفعت الهمة إلى الانتقال إلى مرحلة تأسيس حزب جديد، حمل إسم فريقه النيابي "الأصالة والمعاصرة" في 7 غشت 2008، استنادًا إلى ركيزتين مؤسستين: تقرير الخمسينية وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، أي نفس القاعدة الفكرية التي يقوم عليها المشروع الإصلاحي للملكية في عهد محمد السادس...

منذ تلك اللحظة، بدأت تظهر حدود العمل الحزبي التقليدي، وبدأ يتأكد أن الأزمة الحقيقية في المغرب هي أزمة أحزاب. ولهذا السبب بالذات، لوحظ أن الجالس على العرش يتقصد، في عدد من الخطب والرسائل، توجيه انتقادات واضحة وصريحة للحياة الحزبية، معتبرا أن الأحزاب في حاجة إلى "تأهيل وتجديد نخبها"، وأن الساحة السياسية لا يمكن أن تستمر في الدوران في نفس الحلقة المفرغة بنفس الوجوه والسياسات الرتيبة. ولنفس السبب، يمكن أن نفهم مغزى وأبعاد بلاغ القصر في 7 غشت 2007، الذي أعلن موافقة الملك على خروج الهمة لممارسة العمل السياسي، وتوج هذا الخروج بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، الذي قوبل بردود فعل تراوحت بين التفهم والتأييد، وبين الرفض الغاضب والهجوم والتخويف من تهديده المباشر للأحزاب التقليدية...

وبدا جليا أن مقاومة هذه الدينامية كانت قوية، فقد خرجت حملة واسعة من الأحزاب المتضررة تتحدث عن "الوافد الجديد"، وابتكر بعض "الخبراء والمحللين" حكاية "حزب الدولة"، وأطلق بعض الإعلاميين تكهنات حول فوز "حزب صديق الملك"، في انتخابات 2009، بأغلبية الأصوات والمقاعد في البرلمان، وتوقّعوا تعيين الهمة وزيرا أول، قبل أن يكذبهم الزمن. 

وما زلت أذكر تحولات الوجوه والمواقف والسلوكات في تلك المرحلة، التي عشت وعايشت مختلف محطاتها السياسية والتنظيمية، كان الهمة يتلقى الضربات من تحت الحزام، وكان يتنقل هنا وهناك، في المدن والقرى، مبشرا بالدفاع عن "مشروع جلالة الملك"، وحدد دعائم المشروع في محاربة الفقر وفتح أوراش التنمية البشرية، قبل أن تشتد الضربات، وتتنامى الانحرافات، وتتضاعف الاختلالات في السلوكات والتوجهات، وكان واضحا أن مشروع الهمة أضحى يصطدم بشتى المعوقات، ما دعا "صديق الملك" إلى أن ينفض يديه من الحزب متبرما من "غدر" من أسماهم الهمة، آنذاك، بـ"العشرة المبشرين"، وعلى رأسهم إلياس العمري ومحمد الحموتي وصلاح الوديع، الذين كانوا قد أصدروا رسالة على شكل "بلاغ"، أيام اشتدّ وطيس حركة 20 فبراير، يقولون فيها ما "يفهم منه" أن تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة كان "خطيئة"، ويطلبون مراجعة جذرية، فرد عليهم الهمة برسالة حامية الوطيس، وجهها للأمين العام للحزب آنذاك محمد الشيخ بيد الله، يوم 14 ماي 2011، وقام بـ"تقريعهم"، معلنا تذمره مما يجري داخل قيادة الحزب من "صراعات جانبية، وانقسامات غير مبررة، والرغبة في تعطيل عمل اللجن التي تم التوافق على تركيبتها، وصلاحيتها، ورئاستها"، قبل أن يقول بوضوح إن "المشروع السياسي، الذي على أساسه تم بناء الحزب، قد تعرض لانحرافات كثيرة"، مشددا على أن الجو السائد في الحزب "يجر تجربتنا إلى وضع المأزق، مما يشكل انهيارا للآمال المعلقة عليها في لحظة سياسية دقيقة تمر منها بلادنا..."، وكان ذلك سببا في تجميد عضويته بكل مؤسسات الحزب إلى أن غادر الهمة البام لشغل منصب مستشار للملك محمد السادس، بعد أن تبين أن مشروع الملك قد تعرض للتعطيل...

انسحاب الهمة من الواجهة الحزبية والعودة إلى القصر كان، في ما أرى وأعتقد، بمثابة إعادة تموضع داخل الهندسة الملكية، بعد أن أتم المرحلة، التي بُعث من أجلها: إطلاق دينامية جديدة، وكسر الجمود، ووضع حجر الأساس لتطور سياسي مختلف. لقد كان انتقاله إلى الديوان الملكي هو عودته إلى مكانه الطبيعي، واستئناف وظيفته الأصلية باعتباره أحد صناع الرؤية الملكية للإصلاح.

وهنا، نصل إلى المغزى من استعادة هذه المحطات السياسية التاريخية، وهو طرح السؤال الكبير: هل تسمح الظرفية المجتمعية اليوم للمشروع المُعطّل والمؤجّل لسنة 2011 أن يعود إلى الحياة عبر انتخابات 2026؟

لا نتحدث هنا عن حزب الأصالة والمعاصرة الذي خذل قياديوه مؤسسه، بل نطرح هذا السؤال بناء على الفكرة الجوهرية، التي كان الهمة قد أتى بها واشتغل عليها لتكون هي البنية الأساسية للانتخابات التشريعية والجماعية، بعد فشل حملة "دابه 2007" لدفع الشباب للانخراط فالحياة السياسية، وفشل فكرة الحزب العمالي، فعندما شكل الهمة "فريق بدون انتماء سياسي" بمجلس النواب من اتجاهات متعددة، وعندما أسس "حركة لكل الديمقراطيين" من حساسيات متنوعة، بدا جليا أن "مبعوث الملك" كانت له قدرة ملحوظة على تشكيل فريق برلماني كبير وبناء أكبر كتلة برلمانية كان بإمكانها إسقاط حكومة عباس الفاسي لو أرادت، وهي قدرة لا تتوفر اليوم لأي تنظيم حزبي ولأي فاعل سياسي، كما عمل الهمة، بعد تأسيس هيئته الحزبية، على تحصين الانتخابات أنداك من شتى الانحرافات، وتوطيد البعد السياسي للعمل الانتخابي من خلال اشتراط التزكية الحزبية لكل تمثيلية "رئاسة الجماعات" ولكل مسؤولية ب"التصويت العلني"، وطرد "الخبّاطة"، الأمر الذي استعملته الأحزاب، بعد ذلك، لتصبح التزكيات ساحة للبيع والشراء، خصوصا بعد تضييق الخناق على ترشح المستقلين أو اللامنتمين، وهو ما تصدى له الملك اليوم، بفتح أبواب الانتخابات أمامهم وبالخصوص أمام الشباب، حيث يمكن القول إن التعديلات المقترحة على القوانين الانتخابية، التي شدّد عليها الملك، ستكون منعطفا حاسما في تخليق الفضاء الحزبي والانتخابي، عبر تحصين المؤسسات المنتخبة من أي اختراق للفساد والمفسدين، وفي تأمين الشروط الضرورية لتجديد النخب السياسية، من خلال استقطاب الشباب دون 35 سنة وتحفيزهم على ولوج العمل السياسي، وتخصيص دعم مالي لهم لتغطية 75 في المائة من مصاريف حملاتهم الانتخابية، إلى جانب تخصيص الدوائر الجهوية للنساء...

بمعنى آخر، هل يمكن القول إن العودة المرتقبة للمستقلين، التي أعادت الاعتبار لترشح اللامنتمين، هي شكل من عودة الروح للمشروع الملكي، الذي تعطّل قبل خمسة عشر عاما؟ هذا ما تؤشر إليه التعديلات الجديدة، التي تفتح الباب، كما سبق أن ذكرنا، لثلاثة تحولات كبرى:

أولا، تجفيف منابع الفساد السياسي عبر ضرب اقتصاد التزكيات والمال الانتخابي الذي دمر السياسة وجعل الأحزاب تتحول إلى متاجر للتوظيف الانتخابي.

ثانيا، إعادة موقع الأحزاب إلى وضعها الطبيعي ودورها الدستوري، بعدما تحولت أغلبها إلى هياكل خاوية عاجزة عن إنتاج برامج أو نخب أو مواقف مبنية على إدراك عميق للتحولات الحاصلة والمحتملة.

ثالثا، تجديد جيلي شامل يتماشى مع متطلبات "المغرب الصاعد"، كما حدده الملك في النموذج التنموي الجديد.

إن فتح الباب للمستقلين هو جزء من تصور ملكي شامل لإعادة هيكلة الدولة ذاتها. فالدولة، منذ سنوات، دخلت مرحلة إعادة الضبط الاستراتيجي ببرنامج ملكي خالص:

- إطلاق أكبر أوراش البنى التحتية في إفريقيا.

- التموقع الجديد للمغرب في العمق الإفريقي والإقليمي وفي المحيط الدولي.

- المشاريع الصناعية الكبرى مثل الهيدروجين الأخضر وصناعة السيارات.

- الدبلوماسية الهجومية التي أعادت التوازن للقضية الوطنية.

- النموذج التنموي الجديد الذي أعطى بوصلة واضحة للدولة، أساسها المرور للدولة الاجتماعية.

كل هذه الأوراش تتطلب طبقة سياسية جديدة، لأن المؤسسات لا يمكن أن تشتغل بفعالية بينما تظل الأحزاب مريضة ومتهالكة. ومن هنا نفهم أن إصلاح المنظومة الانتخابية هو إصلاح دولة قبل أن يكون إصلاح أحزاب. 

فهل سيستطيع المستقلون، غدا، النجاح في تشكيل أكبر قوة سياسية، والتحرك لفرض توجهاتهم الجديدة، المواكبة لتحولات الدولة والمجتمع، من خلال تشكيل قوة سياسية مؤهلة، إما عبر الانخراط الواسع في الأحزاب والهيمنة على تركيبتها وتوجهاتها، وإما عبر تشكيل هيئة حزبية جديدة تعكس تطورات "المغرب الصاعد"، الذي بشر به الملك محمد السادس؟

يتبع..

الخميس، 1 يناير 2026

تنامي ظاهرة السِّحاق (العلاقات المثلية بين النساء) في بعض المجتمعات العربية: قراءة اجتماعية وثقافية .

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
مقدمة
تشهد المجتمعات العربية في العقود الأخيرة تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، بفعل العولمة، وانتشار وسائل التواصل الحديثة، وتغيّر أنماط العيش والقيم. ومن بين الظواهر التي بدأ يُتداول الحديث عنها – وإن ظل في نطاق الحرج والكتمان – ما يُعرف بـ السِّحاق أو العلاقات العاطفية والجنسية بين النساء. ورغم أن هذه الظاهرة ليست جديدة تاريخيًا، فإن الجدل حول تناميها وظهورها العلني النسبي يفرض مقاربة علمية هادئة بعيدة عن التهويل أو التبرير.
أولاً: مفهوم السِّحاق
السِّحاق في الاصطلاح هو إقامة علاقة عاطفية أو جنسية بين امرأتين. وقد عُرفت هذه الظاهرة في مجتمعات مختلفة عبر التاريخ، لكنها ظلت في المجتمعات العربية والإسلامية محرّمة دينيًا ومرفوضة اجتماعيًا، وتُمارَس – إن وُجدت – في نطاق السرية.
ثانيًا: أسباب الحديث عن تنامي الظاهرة
1. التحولات الثقافية والعولمة
ساهم الانفتاح الإعلامي العالمي، والأفلام، والمنصات الرقمية، في نقل أنماط سلوكية وقيم جديدة، بعضها يتعارض مع المنظومة الأخلاقية العربية، مما أدى إلى تطبيع الخطاب حول المثلية في بعض الفضاءات الافتراضية.
2. وسائل التواصل الاجتماعي
وفّرت هذه الوسائل:
فضاءات مغلقة للتعارف والتواصل
شعورًا زائفًا بالأمان والقبول
مجموعات تشجع على تبني هويات وسلوكيات غير مألوفة مجتمعيًا
3. التفكك الأسري وضعف الرقابة التربوية
غياب الحوار داخل الأسرة، وضعف التوجيه الديني والنفسي، قد يدفع بعض الفتيات إلى البحث عن القبول العاطفي في علاقات بديلة.
4. صدمات نفسية وتجارب مؤلمة
تشير بعض الدراسات النفسية إلى أن:
الاعتداءات الجنسية
الإهمال العاطفي
التجارب العاطفية الفاشلة مع الرجال
قد تكون عوامل مساهمة، دون أن تكون سببًا وحيدًا أو حتميًا.
5. الخلط بين الصداقة والعلاقة العاطفية
في البيئات النسوية المغلقة (المدارس الداخلية، السجون، بعض أماكن العمل)، قد يحدث التباس بين:
التقارب العاطفي الطبيعي
والتعلّق المرضي الذي يتجاوز حدوده السوية
ثالثًا: الموقف الديني والاجتماعي
من المنظور الإسلامي:
السِّحاق محرم شرعًا لأنه خروج عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
يُنظر إليه كـ سلوك وليس هوية ثابتة، ما يفتح باب التوبة والإصلاح.
أما اجتماعيًا:
لا يزال مرفوضًا بشدة
يُنظر إليه كتهديد لبنية الأسرة واستقرار المجتمع
لكنه يُناقش اليوم بصوت أعلى بسبب الإعلام والفضاء الرقمي
رابعًا: آثار الظاهرة على الفرد والمجتمع
على الفرد
اضطرابات نفسية (القلق، الاكتئاب، الصراع الداخلي)
عزلة اجتماعية
صعوبة الاندماج الأسري والزوجي لاحقًا
على المجتمع
إضعاف مؤسسة الأسرة
تشويش المرجعيات القيمية
صراع بين الأجيال حول الهوية والمعايير الأخلاقية
خامسًا: سبل المعالجة والوقاية
1. تعزيز التربية الدينية المتوازنة
تربية تقوم على:
الفهم لا التخويف
الرحمة لا الإقصاء
الجمع بين القيم والواقع
2. فتح قنوات الحوار الأسري
الاستماع للفتيات، ومناقشة تساؤلاتهن دون عنف أو استهزاء.
3. التأطير النفسي والتربوي
توفير مختصين نفسيين مؤهلين يعالجون الحالات بحكمة، بعيدًا عن الوصم.
4. ترشيد المحتوى الإعلامي
والحد من الترويج غير الواعي لسلوكيات دخيلة على المجتمعات العربية.
خاتمة
إن الحديث عن تنامي ظاهرة السِّحاق في المجتمعات العربية يجب أن يتم بمنهج علمي وإنساني، يوازن بين الثوابت الدينية، والواقع الاجتماعي، والحاجات النفسية للأفراد. فالمعالجة الحقيقية لا تكون بالإنكار المطلق ولا بالتطبيع الكامل، وإنما بالفهم، والوقاية، والإصلاح، حفاظًا على الفرد والأسرة والمجتمع.

تنامي ظاهرة العنف الرمزي عبر الصور واللغة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

أضحى العنف في المجتمعات المعاصرة لا يقتصر على أشكاله المادية المباشرة، بل برزت أنماط جديدة أكثر خفاءً وتأثيراً، من أبرزها العنف الرمزي الذي يُمارَس عبر الصور واللغة والخطاب. ويُعد هذا النوع من العنف أخطر من العنف الجسدي، لأنه يتسلل إلى الوعي الجمعي ويُنتج القبول والاستسلام دون وعي الضحايا بطبيعته القهرية.

أولاً: مفهوم العنف الرمزي

يرجع مفهوم العنف الرمزي إلى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، ويقصد به ذلك العنف غير المرئي الذي يُمارَس من خلال الرموز الثقافية واللغوية، ويؤدي إلى فرض أنماط تفكير وقيم ومعايير اجتماعية تخدم فئة مهيمنة، بينما تتقبلها الفئات المُهيمَن عليها باعتبارها طبيعية أو شرعية.

ويتميز العنف الرمزي بـ:

كونه غير مباشر وغير محسوس.

اعتماده على الإقناع لا الإكراه.

اشتغاله عبر اللغة، الصورة، التعليم، الإعلام، والعادات الاجتماعية.

ثانياً: العنف الرمزي عبر اللغة

تلعب اللغة دوراً مركزياً في إنتاج العنف الرمزي، إذ تُستخدم كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعية.

مظاهر العنف اللغوي الرمزي:

الخطاب التمييزي: استعمال ألفاظ تحقيرية تجاه فئات معينة (النساء، الأقليات، الفقراء).

التطبيع مع الإقصاء: استخدام عبارات تُشرعن التهميش مثل "هذا وضع طبيعي".

الهيمنة اللغوية: فرض لغة معينة باعتبارها أرقى من غيرها، مما يُنتج شعوراً بالدونية.

الوصم الاجتماعي: ربط فئات اجتماعية بصفات سلبية متداولة لغوياً.

وتُسهم هذه الممارسات في ترسيخ اللامساواة دون حاجة إلى عنف مادي مباشر.

ثالثاً: العنف الرمزي عبر الصور

أصبحت الصورة في العصر الرقمي أداة قوية لإنتاج المعنى والتأثير، وهو ما جعلها وسيلة فعالة لممارسة العنف الرمزي.

مظاهر العنف الرمزي في الصور:

الصور النمطية: تقديم المرأة أو الطفل أو الفقير بصورة دونية متكررة.

التلاعب البصري: توجيه المتلقي عبر زوايا تصوير وانتقاء مشاهد تخدم خطاباً معيناً.

الإقصاء البصري: تغييب فئات اجتماعية كاملة من التمثيل الإعلامي.

تطبيع العنف: عرض مشاهد عنف أو إذلال بشكل اعتيادي يضعف الحس النقدي لدى المتلقي.

رابعاً: وسائل الإعلام والفضاء الرقمي

ساهمت وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي في تضخيم العنف الرمزي من خلال:

سرعة تداول الصور والخطابات.

غياب الرقابة الأخلاقية في كثير من الأحيان.

خوارزميات تُفضل المحتوى الصادم والمثير.

انتشار التنمر الإلكتروني وخطاب الكراهية.

وأصبح المتلقي في كثير من الأحيان شريكاً غير واعٍ في إعادة إنتاج هذا العنف عبر المشاركة والتعليق.

خامساً: الآثار الاجتماعية والنفسية

يؤدي العنف الرمزي إلى:

تدمير الثقة بالنفس لدى الأفراد.

تكريس اللامساواة الاجتماعية.

إعادة إنتاج علاقات الهيمنة.

تشويه الوعي الجمعي والقيم الثقافية.

خلق قبول اجتماعي بالظلم والتهميش.

سادساً: آليات المواجهة

لمواجهة تنامي العنف الرمزي، يمكن اعتماد:

التربية الإعلامية: تنمية الوعي النقدي تجاه الصور والخطابات.

إصلاح الخطاب الإعلامي: اعتماد لغة مسؤولة وغير إقصائية.

التشريع القانوني: سن قوانين تجرّم خطاب الكراهية.

تعزيز الثقافة الحقوقية: نشر قيم المساواة والكرامة الإنسانية.

دور المؤسسات التعليمية: تفكيك الصور النمطية وتعليم التفكير النقدي.

خاتمة

يمثل العنف الرمزي عبر الصور واللغة شكلاً معقداً من أشكال الهيمنة الحديثة، تتطلب مواجهته وعياً نقدياً جماعياً وإصلاحاً ثقافياً عميقاً. فالتصدي لهذا النوع من العنف لا يكون بالقوة، بل بتفكيك الخطابات والرموز التي تُنتجه، وبناء ثقافة تحترم الإنسان وكرامته.

ظاهرة الميمز الرقمية: مقاربة سوسيولوجية وثقافية وإعلامية

 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!

مقدم
شهد الفضاء الرقمي في العقود الأخيرة تحولات عميقة في أنماط التواصل والتعبير، كان من أبرز مظاهرها بروز الميمز الرقمية (Internet Memes) كوسيلة تعبيرية جديدة تجمع بين الصورة والنص والسخرية. لم تعد الميمز مجرد مواد ترفيهية عابرة، بل تحولت إلى خطاب ثقافي واجتماعي يعكس القيم والاتجاهات والاحتجاجات وحتى الصراعات السياسية داخل المجتمعات الرقمية. يهدف هذا البحث إلى دراسة ظاهرة الميمز من منظور أكاديمي شامل، يبرز جذورها النظرية، وأبعادها الاجتماعية والثقافية، ووظائفها الإعلامية.
أولًا: الإطار المفاهيمي لظاهرة الميمز
1. تعريف الميم
يعود مصطلح Meme إلى عالم الأحياء البريطاني ريتشارد دوكنز (Richard Dawkins) في كتابه The Selfish Gene (1976)، حيث عرّفه بوصفه وحدة ثقافية تنتقل من فرد إلى آخر عبر التقليد، تمامًا كما تنتقل الجينات بيولوجيًا.
أما في السياق الرقمي، فيُقصد بالميم:
“محتوى بصري أو لغوي مختصر، ينتشر بسرعة عبر الإنترنت، ويحمل دلالات ساخرة أو نقدية قابلة لإعادة التوظيف.”
2. خصائص الميمز الرقمية
الاختصار والكثافة الدلالية
قابلية التعديل وإعادة الإنتاج
الانتشار الفيروسي السريع
الطابع الساخر أو النقدي
الاعتماد على السياق الثقافي المشترك
ثانيًا: نشأة الميمز وتطورها في الفضاء الرقمي
ظهرت الميمز مع بدايات المنتديات الإلكترونية (4chan، Reddit)، ثم انتقلت إلى منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، تويتر، إنستغرام وتيك توك. ومع تطور تقنيات التصميم والذكاء الاصطناعي، أصبحت الميمز أكثر تعقيدًا وتأثيرًا.
ثالثًا: الأبعاد السوسيولوجية لظاهرة الميمز
1. الميمز والهوية الجماعية
تسهم الميمز في تشكيل هويات رقمية مشتركة، حيث يشعر الأفراد بالانتماء إلى جماعة تفهم الرمز والسخرية ذاتها.
2. الميمز كأداة نقد اجتماعي
تُستخدم الميمز للتعبير عن:
السخط الاجتماعي
نقد السلطة
السخرية من الظواهر الاقتصادية والتعليمية
كشف التناقضات القيمية
3. الميمز والشباب
تشكل الميمز لغة شبابية بديلة، تتجاوز القيود اللغوية الرسمية، وتعتمد على الرموز المختزلة والمرجعيات الشعبية.
رابعًا: الميمز والخطاب الإعلامي
1. الميمز كوسيلة اتصال جماهيري
أصبحت الميمز منافسًا حقيقيًا للخطاب الإعلامي التقليدي، لما تمتلكه من سرعة وتأثير وانتشار واسع.
2. الميمز والتلاعب بالرأي العام
في بعض السياقات، تُوظَّف الميمز في:
الدعاية السياسية
التضليل الإعلامي
تبسيط القضايا المعقدة بشكل مخل
خامسًا: الأبعاد النفسية والتواصلية للميمز
التنفيس النفسي والضحك الجماعي
تقليل التوتر والقلق الاجتماعي
تعزيز التفاعل والمشاركة
تسهيل إيصال الرسائل الحساسة بطريقة غير مباشرة
سادسًا: الميمز في السياق العربي
في المجتمعات العربية، اكتسبت الميمز طابعًا خاصًا، حيث:
تمزج بين الفصحى واللهجات المحلية
تعكس الواقع السياسي والاجتماعي
تتجاوز الرقابة أحيانًا عبر الرمزية والسخرية
سابعًا: الإشكالات الأخلاقية والقانونية
انتهاك الخصوصية
السخرية من الفئات الهشة
خطاب الكراهية
التعدي على حقوق الملكية الفكرية
ثامنًا: الميمز بين الثقافة الشعبية والمعرفة
رغم بساطتها، تؤدي الميمز دورًا معرفيًا عبر:
تبسيط المفاهيم
نشر الوعي
خلق نقاشات عامة حول قضايا مهمة
خاتمة
تؤكد الدراسة أن الميمز لم تعد ظاهرة هامشية، بل أصبحت أداة ثقافية وإعلامية ذات تأثير بالغ في تشكيل الوعي الجمعي. فهي مرآة تعكس تحولات المجتمع الرقمي، وتستدعي مزيدًا من البحث الأكاديمي لفهم أبعادها وآثارها المستقبلية.
مراجع مقترحة
Dawkins, R. (1976). The Selfish Gene. Oxford University Press.
Shifman, L. (2014). Memes in Digital Culture. MIT Press.
Jenkins, H. (2006). Convergence Culture. NYU Press.

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

النقد البناء : كأداة للتطوير والنقد الهدام : كأداة للإحباط

 


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

يُعدّ النقد من أهم الوسائل الفكرية والاجتماعية التي تسهم في تقويم السلوك الإنساني وتطوير الأداء الفردي والمؤسسي. غير أن النقد ليس نمطًا واحدًا؛ إذ ينقسم إلى نوعين رئيسيين هما النقد البنّاء والنقد الهدّام. ويكمن الفرق الجوهري بينهما في الهدف والأسلوب والأثر. تهدف هذه الدراسة إلى توضيح مفهوم كل نوع، وبيان خصائصه، وآثاره، والفروق بينهما، مع تقديم ضوابط علمية وأخلاقية للنقد الإيجابي.

أولًا: مفهوم النقد

لغويًا، يُقصد بالنقد التمييز بين الجيد والرديء.

أما اصطلاحًا، فهو: تحليل الأفكار أو السلوكيات أو الأعمال بهدف تقييمها، إما للتقويم والتطوير أو للإضعاف والتشويه.

ثانيًا: النقد البنّاء

1. تعريف النقد البنّاء

النقد البنّاء هو أسلوب موضوعي يهدف إلى تصحيح الأخطاء وتحسين الأداء، من خلال عرض الملاحظات بطريقة محترمة ومدعومة بالأدلة، مع اقتراح حلول عملية.

2. خصائص النقد البنّاء

الموضوعية والحياد

التركيز على الفعل لا على الشخص

الاستناد إلى أدلة ومنطق

استخدام لغة محترمة

تقديم بدائل وحلول

مراعاة التوقيت والحال النفسية للمنقود

3. أهداف النقد البنّاء

تطوير الفرد والمؤسسة

تحسين جودة العمل

تعزيز ثقافة الحوار

تصحيح الأخطاء دون إيذاء

دعم الثقة المتبادلة

4. آثار النقد البنّاء

رفع مستوى الأداء والكفاءة

زيادة الوعي الذاتي

تعزيز الدافعية

تقوية العلاقات الاجتماعية

نشر ثقافة الإصلاح

ثالثًا: النقد الهدّام

1. تعريف النقد الهدّام

النقد الهدّام هو أسلوب سلبي يهدف إلى التقليل من شأن الآخر أو إحباطه، دون تقديم حلول، وغالبًا ما يكون مدفوعًا بالتحامل أو الغضب أو الرغبة في السيطرة.

2. خصائص النقد الهدّام

الشخصنة والتركيز على العيوب الشخصية

استخدام السخرية أو الإهانة

غياب الأدلة والحجج

التعميم المفرط

تجاهل الجوانب الإيجابية

عدم تقديم حلول

3. دوافع النقد الهدّام

الحسد أو الغيرة

ضعف الثقة بالنفس

الرغبة في التقليل من الآخرين

الجهل بأساليب الحوار

الغضب والانفعال

4. آثار النقد الهدّام

الإحباط وفقدان الثقة

تراجع الأداء

خلق العداوة والتوتر

تعطيل الإبداع

تفكك العلاقات الاجتماعية

رابعًا: الفروق الجوهرية بين النقد البنّاء والنقد الهدّام

وجه المقارنة

النقد البنّاء

النقد الهدّام

الهدف

الإصلاح والتطوير

الإهانة أو الإحباط

الأسلوب

هادئ ومحترم

قاسٍ وساخر

التركيز

الفعل أو الفكرة

الشخص

النتائج

إيجابية وبنّاءة

سلبية ومحبطة

الحلول

موجودة وواضحة

غائبة

خامسًا: ضوابط النقد البنّاء (أكاديميًا وأخلاقيًا)

الإخلاص في النية

العلم بالموضوع المنقود

احترام الآخر

استخدام لغة علمية

تجنب التعميم

التوازن بين الإيجابيات والسلبيات

اختيار الوقت والمكان المناسبين

سادسًا: النقد في المنظور الإسلامي

حثّ الإسلام على النصح البناء، قال النبي ﷺ:

"الدين النصيحة"

كما نهى عن السخرية والتجريح، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: 11]

مما يدل على أن النقد المشروع هو ما كان إصلاحًا ورحمة لا إيذاءً وفضيحة.

خاتمة

يتضح أن النقد سلاح ذو حدّين؛ فإن أُحسن استخدامه كان وسيلة فعالة للإصلاح والتطوير، وإن أسيء استخدامه تحوّل إلى أداة للهدم والإحباط. وعليه، فإن تبنّي النقد البنّاء يمثل ضرورة أخلاقية وعلمية لبناء أفراد واعين ومجتمعات متقدمة.

علم المقاصد في حماية حقوق الفرد والمجتمع

 


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة : 

يمثل علم المقاصد أحد أهم الأسس التي يقوم عليها الفقه الإسلامي المعاصر، إذ يقدّم إطاراً منهجياً لفهم الغاية من التشريعات وتوجيهها نحو تحقيق مصالح الفرد والمجتمع. ومع تنامي الاهتمام بالحقوق الإنسانية، أصبح علم المقاصد مرجعاً أساسياً في تفسير النصوص وتوجيه الاجتهاد بما يضمن حماية الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانية في ضوء الشريعة.

أولاً: مفهوم علم المقاصد ومنهج الاشتغال به

علم المقاصد هو العلم الذي يدرس الغايات الكبرى والأهداف العليا التي قصدها الشارع الحكيم من تشريع الأحكام. وهو يقوم على مبدأ أن كل حكم شرعي إنما وضع لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة.

وقد تطور هذا العلم ليصبح أساساً لفهم التشريع بصورة تتجاوز ظاهر النص إلى معناه وروحه، مما يعزز حماية الحقوق ويجعل الشريعة قادرة على مواكبة التطورات.

ثانياً: المقاصد الشرعية العليا وحقوق الإنسان

أجمع العلماء على أن الشريعة جاءت لحفظ خمسة حقوق كبرى تُعد أساس كل الحقوق المعاصرة:

1. حفظ الدين

ضمان حرية الاعتقاد في إطار عدم الاعتداء.

حماية الفرد من الإكراه الديني.

تعزيز قيم التسامح بين أفراد المجتمع.

2. حفظ النفس : 

تجريم الاعتداء على حق الحياة.

توفير الأمن الجسدي والصحي.

تشريع القصاص والديات لردع الاعتداء.

3. حفظ العقل

تحريم كل ما يؤثر على سلامة التفكير مثل المخدرات والخمر.

تشجيع التعليم والمعرفة والبحث العلمي.

صيانة حرية الفكر ضمن الضوابط الأخلاقية.

4. حفظ النسل والأسرة

حماية الأسرة باعتبارها أساس المجتمع.

تنظيم العلاقات الزوجية والحقوق المتبادلة.

حماية الأطفال وضمان حقوقهم.

5. حفظ المال

حماية الملكية الفردية.

محاربة السرقة والغش والاحتيال والربا.

تنظيم المعاملات الاقتصادية بما يضمن العدل والاستقرار.

هذه المقاصد ليست منفصلة، بل تكوّن شبكة حقوقية متكاملة تصون الفرد والمجتمع.

ثالثاً: علم المقاصد ودوره في حماية حقوق الفرد

1. صيانة كرامة الإنسان

الشريعة تؤكد أن الإنسان مكرم، وعلم المقاصد يجعل الكرامة محوراً لكل التشريعات.

ومن أمثلة ذلك:

منع التعذيب والإيذاء.

حماية خصوصية الفرد.

تحريم الاستهزاء والغيبة والقذف.

2. ضمان العدالة الفردية

علم المقاصد يجعل العدل قيمة مركزية:

> "لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ"

ويتجلى ذلك في:

استقلالية القضاء.

ضمان حق الدفاع.

عدم العقاب بدون بيّنة.

3. الحرية المسؤولة

يوازن علم المقاصد بين حرية الفرد والمصلحة العامة، فيضمن:

حرية التعبير المنضبطة.

حرية التملك والعمل.

حرية التفكير دون اعتداء أو فوضى.

رابعاً: حماية حقوق المجتمع في إطار المقاصد .

1. حفظ النظام العام

تجريم الإفساد في الأرض.

تنظيم العلاقات العامة.

منع نشر الفوضى أو التحريض أو العنف.

2. حماية الهوية الجماعية

المقاصد تحمي القيم الأخلاقية والروحية التي تشكل انسجام المجتمع، مثل:

حفظ الأخلاق العامة.

تعزيز التضامن الاجتماعي.

حماية الروابط الأسرية.

3. تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات

علم المقاصد يرى أن المجتمع المتوازن يقوم على:

حماية الحقوق (ما للفرد).

تكريس الواجبات (ما على الفرد).

فلا حقوق بلا مسؤولية.

خامساً: التطبيقات المعاصرة لعلم المقاصد في حماية الحقوق

1. في التشريع الحديث

أصبح علم المقاصد أساساً للعديد من القوانين المعاصرة المتعلقة بـ:

مكافحة العنف ضد النساء.

حماية الطفولة.

محاربة الفساد المالي.

ضمان الحق في التعليم والصحة.


2. في الفتاوى والقضايا المستجدة

مثل:

حكم التعامل الإلكتروني.

حماية البيانات الشخصية.

حقوق المرضى.

قضايا البيئة والطاقة.

3. في المجال الاجتماعي

يُستخدم علم المقاصد لدعم:

مبادئ التضامن الأسري.

العدالة الاجتماعية.

احترام الخصوصيات الثقافية والروحية.

سادساً: التحديات التي تواجه توظيف المقاصد في حماية الحقوق

1. سوء الفهم الذي يؤدي إلى استعمال المقاصد لتجاوز النصوص.

2. الخلط بين المصلحة الحقيقية والمصلحة المتوهمة.

3. الحاجة إلى مجتهدين مؤهلين يجمعون بين الفقه والواقع.

4. الصراع بين الحقوق الفردية والمصلحة العامة في بعض القضايا.

خاتمة :  

يمثّل علم المقاصد إطاراً حضارياً يعزز حماية حقوق الفرد والمجتمع في الشريعة الإسلامية. فهو يربط بين نصوص الوحي ومتطلبات العصر، ويؤكد أن الإسلام جاء ليحقق العدل والرحمة والحرية المسؤولة وصيانة الكرامة الإنسانية. ومع التحديات المتسارعة، يظل هذا العلم ضرورة أساسية لضبط الاجتهاد وبناء مجتمع متوازن يحترم الإنسان ويصون مصالح الأمة.