السبت، 8 أغسطس 2026

الدلاقشية والفراقشية والقلالشية... ثلاثية المشهد السياسي المغربي

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في القاموس الشعبي المغربي، وبالأخص في الذاكرة المراكشية، توجد كلمات لا تحتاج إلى قاموس أكاديمي لفهم دلالاتها؛ يكفي أن تنصت إلى الشارع لتدرك معناها.

فـالدلاقشية هم أولئك الذين يكثرون الكلام ويقلّ عندهم الفعل، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، بينما المواطن لا يرى من وعودهم إلا صدى الكلمات.

أما الفراقشية، ففي الاستعمال الشعبي المغربي، وخصوصاً في بعض الأوساط المرتبطة بالحديث عن ذوي السوابق، فهي تسمية تطلق على محترفي سرقة المواشي.

وأما القلالشية، فهم أهل الصنعة الذين يصنعون القلوشة الفخارية التي تطهى فيها الطنجية، أو تحفظ فيها مواد مثل السمن والعسل.

لكن ماذا لو نقلنا هذه المصطلحات من قاموس الحياة الشعبية إلى قاموس السياسة؟

هنا تبدأ الحكاية.

الدلاقشية السياسية: كلام كثير وفعل قليل

في الحياة السياسية المغربية اليوم، يبدو أن الدلاقشية أصبحوا أكثر حضوراً من أي وقت مضى.

سياسي يخرج بتصريح، ووزير يظهر في ندوة، وبرلماني يطل علينا من شاشة، ومسؤول حزبي يطلق وعداً جديداً؛ ثم تتكاثر الكلمات حتى يصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين البرنامج الانتخابي والبرنامج التلفزيوني.

المشكلة ليست في أن يتحدث السياسي.

المشكلة أن يتحول الكلام إلى بديل عن الإنجاز.

وعندما يسمع المواطن تصريحات عن فرص شغل بأجر يومي يصل إلى 400 درهم، أو وعوداً بأن الدولة تفتح أبواب العمل والكرامة أمام الشباب، فإنه لا يسأل عن البلاغة السياسية، وإنما يسأل سؤالاً بسيطاً:

أين هي هذه الفرص؟ وكيف يمكن للشاب المغربي أن يصل إليها؟ ومن يراقب تنفيذ هذه الوعود؟

وحين تخرج مسؤولة حكومية بتصريحات كبيرة حول استفادة الشباب من السكن، أو تسوية ملفات المتضررين من زلزال الحوز، فإن السؤال الصحفي المشروع لا ينبغي أن يكون: هل التصريح جميل؟

بل:

كم ملفاً تمت تسويته فعلاً؟ وكم شاباً استفاد فعلاً؟ وما عدد الأسر التي عادت إلى مساكنها؟ وما هي الأرقام الرسمية؟ وأين يمكن للمواطن أن يتحقق منها؟

فالسياسة الحديثة لا تُقاس بعدد التصريحات، وإنما بعدد النتائج.

والمواطن المغربي لم يعد يريد حكومة تتحدث كثيراً؛ بل يريد حكومة تُنجز كثيراً.

الدلاقشية داخل البرلمان

وليس الوزراء وحدهم معنيين بهذه التسمية الرمزية.

فكم من برلماني حفظ قاموس المعارضة، وأتقن فن رفع الصوت، وأصبح يتحدث عن الفساد والريع والبطالة والغلاء، ثم ينتهي الخطاب بمجرد انتهاء البث المباشر؟

وكم من نائب أصبح متخصصاً في إطلاق النار السياسي من بعيد، دون أن يقدم للمغاربة جواباً عن السؤال الأهم:

ماذا فعلت أنت، من موقعك، لمعالجة المشكلة؟

المواطن لا يحتاج إلى سياسي يجيد وصف المرض.

إنه يحتاج إلى سياسي يعرف كيف يعالجه.

القلالشية السياسية: حين تصبح السياسة صناعة للامتيازات

أما القلالشية في استعارتنا السياسية، فهم أخطر من مجرد أصحاب الكلام.

القلالشية هم الذين يحولون السياسة إلى وعاء تُطبخ داخله المصالح، وتختلط فيه السلطة بالمال، والقرار الاقتصادي بالنفوذ السياسي، والمصلحة العامة بالحسابات الخاصة.

وهنا تبرز قضية تضارب المصالح.

ليس المقصود اتهام شخص بعينه بالفساد لمجرد وجود علاقة بين السياسة والاقتصاد؛ فهذا يحتاج إلى إثبات ومؤسسات رقابية وقضائية.

لكن السؤال السياسي المشروع هو:

كيف يمكن للمواطن أن يثق في مسؤول سياسي إذا وجد أن السياسة والاقتصاد والمصالح الخاصة تتحرك داخل الدائرة نفسها؟

الدولة الحديثة لا تُبنى على الثقة العمياء في الأشخاص، وإنما على قواعد تمنع تضارب المصالح، وتفرض الشفافية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالمغربي لا يريد أن يعرف فقط من يملك المال.

بل يريد أن يعرف:

كيف صنع المال؟ ومن استفاد من القرار العمومي؟ وهل استفادت منه الدولة والمجتمع أم استفاد منه أصحاب النفوذ؟

وهنا تصبح لغة المال أخطر من لغة السياسة.

لأن السياسة عندما تتحول إلى وسيلة للاغتناء، تفقد معناها الأخلاقي قبل أن تفقد معناها الديمقراطي.

الفراقشية السياسية: حين يصبح الدعم العمومي باباً للريع

أما الفراقشية السياسية، في استعارتنا، فهم الذين لا يسرقون "الحولي" من الزريبة، وإنما يحاولون ـ في الصورة الرمزية ـ الاستفادة من منظومات الدعم العمومي بطريقة تجعل المواطن يشعر بأن الثروة العمومية أصبحت مجالاً للامتيازات.

ولنأخذ قطاع المواشي مثالاً.

الدولة المغربية خصصت برامج مهمة لدعم إعادة تكوين القطيع الوطني، كما شملت الإجراءات دعم الأعلاف ودعماً مباشراً للمربين، ووضع آليات للمراقبة والتتبع. كما أعلنت الحكومة سنة 2026 عن تدابير لتنظيم تسويق وبيع أضاحي العيد ومحاربة الممارسات التي قد تؤدي إلى ارتفاع غير مبرر للأسعار.

وهذا الدعم، من حيث المبدأ، ليس جريمة ولا ريعاً؛ بل قد يكون ضرورة لحماية القطيع الوطني والفلاح والقدرة الشرائية.

لكن السؤال الحقيقي هو:

هل يصل الدعم إلى مستحقيه؟ وهل ينعكس على الأسعار التي يدفعها المواطن؟ ومن يراقب سلسلة الإنتاج والاستيراد والتوزيع والبيع؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تطرحها الصحافة والبرلمان وأجهزة الرقابة.

فإذا كانت الدولة تدعم العلف، وتدعم المربي، وتقدم مساعدات لإعادة تكوين القطيع، ثم يجد المواطن نفسه أمام أسعار لا تتناسب مع قدرته الشرائية، فمن حقه أن يسأل:

أين اختفى أثر الدعم؟

وقد أعلنت الحكومة أن كلفة دعم استيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024 بلغت 437 مليون درهم، وهو رقم يجعل سؤال تقييم الأثر والنجاعة والمراقبة مشروعاً تماماً.

المطلوب هنا ليس اتهام كل مستفيد من الدعم، وإنما فتح دفتر الحسابات أمام الرأي العام.

فالدعم العمومي مال الشعب.

ومن حق الشعب أن يعرف أين ذهب.

من "محاربة الفساد" إلى السؤال: أي فساد؟

المثير للسخرية السياسية أن بعض الأصوات بدأت تعود إلينا بشعارات كبيرة:

محاربة الفساد... محاربة الريع... حماية كرامة المواطن... تشغيل الشباب... الدفاع عن الطبقة المتوسطة...

وكلها عناوين نبيلة.

لكن المواطن المغربي أصبح أكثر ذكاءً من أن يكتفي بالعناوين.

إنه يسأل:

أي فساد؟ ومن المسؤول عنه؟ وما هي الملفات التي تمت معالجتها؟ وكم من مسؤول تمت محاسبته؟ وما هي الأموال التي استرجعت؟

لأن محاربة الفساد لا تكون باللافتات ولا بالشعارات.

محاربة الفساد تبدأ عندما يصبح القانون أقوى من النفوذ، والمعلومة أقوى من الإشاعة، والمحاسبة أقوى من الحماية السياسية.

حكومة الوعود في زمن فقدان الثقة

المشكلة الأكبر التي تواجه الطبقة السياسية المغربية ليست فقط البطالة أو الغلاء أو السكن أو الصحة أو التعليم.

إنها أزمة الثقة.

المواطن يسمع الوعود قبل الانتخابات، ثم ينتظر تنفيذها بعد الانتخابات.

وحين تمر السنوات ولا يرى النتائج التي كان ينتظرها، تبدأ المسافة بينه وبين السياسة في الاتساع.

وهنا تكمن الخطورة.

فالديمقراطية لا تموت دائماً بانقلاب عسكري.

قد تموت ببطء عندما يفقد المواطن ثقته في الأحزاب، وفي المؤسسات المنتخبة، وفي الخطاب السياسي.

وقد يموت الاهتمام السياسي عندما يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئاً في حياته اليومية.

وهذا أخطر من المعارضة.

إنه اللامبالاة السياسية.

الشعب لا يريد دلاقشية ولا قلالشية ولا فراقشية

المغربي اليوم لا يريد حكومة دلاقشية تملأ الفضاء بالتصريحات.

ولا يريد قلالشية يجعلون من السياسة مطبخاً للمصالح.

ولا يريد فراقشية، بالمفهوم السياسي الرمزي، يحولون المال العام وبرامج الدعم إلى مجال للامتيازات.

المغربي يريد ببساطة:

مسؤولاً صادقاً، وبرنامجاً واضحاً، ورقماً قابلاً للقياس، ومحاسبة حقيقية.

يريد مدرسة محترمة.

ومستشفى يحفظ كرامته.

وشغلاً يوفر له حياة كريمة.

وسكناً لا يحوله إلى أسير للقروض.

ويريد سوقاً لا يشعر فيه أن الأسعار تسبقه إلى جيبه.

ويريد إدارة تحترمه.

ويريد برلماناً لا يتحول إلى مسرح للخطابات.

وحين يفشل السياسي... أين يتجه المواطن؟

في ظل هذا المشهد، يصبح من الطبيعي أن يبحث المواطن عن مرجعية يثق بها.

وفي الحالة المغربية، تظل المؤسسة الملكية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع مركزاً للاستقرار والتحكيم، وهو ما يجعل أي نقاش حول مستقبل الحكومة مرتبطاً أيضاً بالسؤال عن قدرة المؤسسات السياسية المنتخبة على استعادة ثقة المواطن.

ومن هنا يمكن طرح فكرة الحكومة التكنوقراطية للنقاش العام، لا باعتبارها حلاً سحرياً، ولا باعتبارها إلغاءً للأحزاب، وإنما كخيار سياسي يمكن أن يطرح عندما تصبح الحاجة إلى الكفاءة والخبرة وتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة أولوية وطنية.

لكن حتى الحكومة التكنوقراطية تحتاج إلى شيء واحد:

المحاسبة.

فالتكنوقراط ليسوا ملائكة، والسياسيون ليسوا شياطين.

المعيار الحقيقي هو:

الكفاءة، والنزاهة، والشفافية، والنتائج.

إنقاذ السياسة قبل أن تفقد السياسة معناها

المغرب لا يحتاج إلى مزيد من السياسيين الذين يجيدون صناعة الضجيج.

يحتاج إلى سياسيين يصنعون النتائج.

ولا يحتاج إلى مزيد من الوعود الانتخابية.

يحتاج إلى عقود واضحة بين الدولة والمواطن، تقوم على مؤشرات يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين عليها.

فإذا وعد المسؤول بتشغيل مليون شاب، فليقدم للمغاربة الأرقام.

وإذا وعد بالسكن، فليقدم عدد المستفيدين.

وإذا وعد بإصلاح الصحة، فليقدم نتائج ملموسة.

وإذا أعلن الحرب على الفساد، فليقدم الملفات التي تمت معالجتها، لا مجرد الخطب.

وإذا تحدث عن كرامة المواطن، فليبدأ من الإدارة والمستشفى والمدرسة وسوق الشغل.

لقد انتهى زمن السياسة التي تعيش على الكلام وحده.

لقد أصبح المواطن يريد أن يرى الفعل قبل القول.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح اليوم ليس:

من هو الدلاقشي؟ ومن هو القلالشي؟ ومن هو الفراقشي؟

بل:

هل تستطيع الحياة السياسية المغربية أن تنتقل من ثقافة الكلام إلى ثقافة الإنجاز، ومن منطق الامتياز إلى منطق الاستحقاق، ومن الوعود إلى المحاسبة؟

فالمغرب لا تنقصه الكفاءات.

ولا تنقصه الطاقات.

ولا تنقصه الموارد.

إنما يحتاج إلى سياسة تستعيد ثقة المواطن، ومسؤولية سياسية لا تخاف من المحاسبة، وحكومة تقاس بما أنجزت لا بما قالت.

أما المواطن المغربي، فقد أصبح يعرف جيداً الفرق بين من يتحدث كثيراً، ومن يعمل كثيراً، ومن يستفيد كثيراً.

وهذه، في حد ذاتها، بداية الوعي السياسي.

 

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

الاستقطاب النفسي والفكري للشباب في عصر شبكات التواصل الاجتماعي. الجزء الاول

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

شهدت شبكات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة تحولاً من مجرد منصات للتواصل وتبادل المعلومات إلى فضاءات مؤثرة في تشكيل الوعي والسلوك والقيم، خصوصاً لدى فئة الشباب والناشئة التي تُعد الأكثر استخداماً لهذه الوسائل. وقد استغلت بعض الجهات والأفراد هذه المنصات لتوظيف أساليب الإغواء النفسي والغرور الاجتماعي بهدف التأثير في أفكار الشباب وسلوكهم، وتحقيق مكاسب مادية أو فكرية أو أيديولوجية.

تعتمد هذه الأساليب على صناعة صورة زائفة للحياة تقوم على المظاهر والثراء السريع والشهرة السهلة، حيث يتم الترويج لأنماط حياة تبدو مثالية تخفي وراءها الكثير من التضليل والتزييف. ويُدفع الشباب إلى مقارنة أنفسهم بهذه الصور المصطنعة، مما يولد لديهم الشعور بالنقص وعدم الرضا عن حياتهم الواقعية.

كما تلجأ بعض الحسابات إلى استغلال الحاجة الطبيعية لدى الشباب إلى الاعتراف الاجتماعي والانتماء، فتستخدم عبارات المديح والإعجاب المبالغ فيها، وتغريهم بعدد المتابعين والإعجابات، حتى يصبح التفاعل الرقمي معياراً لتقدير الذات، وهو ما قد يقود إلى الإدمان الرقمي والبحث المستمر عن الشهرة بأي وسيلة.

ولا يقتصر الأمر على الجانب النفسي، بل يمتد إلى محاولات الاستقطاب الفكري والديني والسياسي، حيث تُستخدم تقنيات التأثير العاطفي ونشر الأخبار المضللة والمحتويات المثيرة لاستقطاب الفئات الشابة وتوجيهها نحو أفكار أو سلوكيات قد تتعارض مع قيم المجتمع أو مصالحه.

ومن أخطر وسائل الإغواء أيضاً استغلال المؤثرين الذين يقدمون أنفسهم كنماذج للنجاح، بينما يخفون حقيقة الإعلانات الممولة أو الممارسات غير الأخلاقية التي تقف خلف هذا النجاح الظاهري، مما يرسخ لدى الشباب مفاهيم خاطئة حول العمل والنجاح والقيم.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمنع فقط، بل ببناء وعي رقمي حقيقي يقوم على التربية الإعلامية، وتعزيز التفكير النقدي، وتمكين الشباب من التحقق من المعلومات، وفهم آليات عمل الخوارزميات التي تعرض المحتوى وفقاً لمصالح تجارية أكثر من مراعاتها للمصلحة التربوية أو الأخلاقية.

كما تتحمل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني مسؤولية مشتركة في توجيه الناشئة نحو الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وترسيخ قيم الثقة بالنفس والعمل الجاد والنجاح الحقيقي القائم على العلم والاجتهاد، بدلاً من الانجراف وراء أوهام الشهرة السريعة والمظاهر الخادعة.

وفي النهاية، فإن شبكات التواصل الاجتماعي ليست شراً مطلقاً، بل هي أدوات يمكن أن تكون وسيلة للبناء والمعرفة والإبداع إذا استُخدمت بوعي، كما يمكن أن تتحول إلى وسائل للإغواء والتضليل عندما يغيب الوعي وتضعف الرقابة الذاتية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع مجتمعي متكامل لحماية الشباب والناشئة، يجمع بين التربية والإعلام والتشريع، ويُعزز ثقافة الاستخدام المسؤول للفضاء الرقمي، حفاظاً على الأفراد واستقرار المجتمع.

الاثنين، 3 أغسطس 2026

الهجرة الإسبانية( شعب بورقعة) إلى شمال المغرب خلال فترة الحماية: قراءة في سياق تاريخي واجتماعي

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
يكشف التاريخ عن محطات قد تبدو اليوم غير مألوفة، لكنها تعكس التحولات العميقة التي تعرفها الأمم عبر الزمن. ومن بين هذه المحطات، الهجرة الإسبانية نحو شمال المغرب خلال العقود الأولى من القرن العشرين، وهي صفحة تاريخية توثق لمرحلة كان فيها المغرب، ولا سيما المنطقة الخليفية الخاضعة للحماية الإسبانية منذ سنة 1912، يستقبل أعدادًا من المهاجرين الإسبان الباحثين عن فرص العيش والعمل.
وتشير العديد من الروايات التاريخية والشهادات الشفوية إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي عرفتها إسبانيا آنذاك، من فقر وبطالة وأزمات اجتماعية، دفعت آلاف الإسبان إلى الهجرة نحو مدن شمال المغرب، حيث اشتغلوا في مجالات متعددة، منها البناء والزراعة والموانئ والأشغال المرتبطة بالإدارة الاستعمارية.
وفي الذاكرة الشعبية المغربية، ارتبط بعض هؤلاء المهاجرين بلقب "بورقعة"، وهو وصف متداول آنذاك يُنسب إلى من كانت تبدو على ثيابه آثار الرقع نتيجة ضيق الحال، في تعبير يعكس ملاحظة اجتماعية سادت في تلك الفترة، دون أن يشكل وصفًا عامًا لكل الإسبان أو حكمًا عليهم.
ولا تقتصر هذه المعطيات على الرواية الشفوية، بل تدعمها وثائق تاريخية ومراسلات تعود إلى شخصيات وطنية بارزة، من بينها الحاج عبد السلام بنونة، إضافة إلى وثائق الحكومة الخليفية، التي تناولت مسألة تزايد هجرة الإسبان الفقراء إلى المنطقة، وما نتج عنها من تحديات اجتماعية واقتصادية، مع توجيه مطالب إلى حكومة مدريد لمعالجة هذه الظاهرة.
وتبرز هذه الصفحة من التاريخ أن الهجرة ظاهرة إنسانية ارتبطت على الدوام بالتحولات الاقتصادية والسياسية، وأن اتجاهاتها تتغير بتغير الظروف. فإسبانيا، التي كانت في مطلع القرن العشرين بلدًا يهاجر منه الآلاف بحثًا عن الرزق، أصبحت بعد عقود، خاصة إثر انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي سنة 1986 وما رافقه من إصلاحات وتنمية اقتصادية، إحدى أبرز الوجهات الأوروبية للهجرة والعمل.
إن استحضار هذه الوقائع التاريخية لا يراد منه الانتقاص من أي شعب أو استحضار الماضي بروح المفاضلة، وإنما يهدف إلى إبراز حقيقة تاريخية مفادها أن أوضاع الدول ليست ثابتة، وأن التنمية والاستقرار وحسن التدبير قادرة على تغيير مسار الأمم. فالتاريخ يعلمنا أن ازدهار الشعوب أو تعثرها ليس قدرًا دائمًا، بل نتيجة لمسارات اقتصادية واجتماعية وسياسية تتبدل مع مرور الزمن.

الأحد، 2 أغسطس 2026

رسالة مفتوحة إلى كل السياسيين، والمسؤولين، والمرشحين للانتخابات المقبلة

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

أكتب إليكم بصفتي مواطنًا مغربيًا، ومتتبعًا للشأن المحلي والوطني والدولي، وأتحمل كامل المسؤولية عن آرائي وما أعبر عنه.

إن المسؤولية السياسية ليست مجرد منصب أو امتياز، بل هي أمانة ثقيلة أمام الله، ثم أمام الوطن والتاريخ والمواطنين. ومن هذا المنطلق، أرى أن المنتخبين والمسؤولين، كلٌّ من موقعه، مطالبون بتحمل مسؤولياتهم بكل صدق ونزاهة، وعدم الاكتفاء بأدوار شكلية لا تحقق انتظارات المواطنين ولا تستجيب لتحديات المرحلة.

إن التاريخ لا يرحم، وسيبقى شاهدًا على مواقف الرجال والنساء الذين تقلدوا المسؤوليات. وسيحاسب كل مسؤول، أولًا أمام الله تعالى، ثم أمام ضميره، وأمام أبناء هذا الوطن، على ما قدمه من خدمة للصالح العام، أو ما فرط فيه من واجبات.

وأوجه كذلك رسالتي إلى كل من يتنافس اليوم على المناصب الانتخابية، سواء على مستوى الجماعات الترابية أو البرلمان أو غيرها من المؤسسات، وأقول: اجعلوا خدمة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار، ولا تجعلوا المناصب غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لخدمة الصالح العام وتحقيق التنمية والعدالة.

إن المواطنين يتطلعون إلى مسؤولين يتحلون بالكفاءة، والنزاهة، والجرأة في اتخاذ القرار، والقدرة على الوفاء بالالتزامات، بعيدًا عن الوعود الانتخابية التي تنتهي بانتهاء الحملات.

وإن ما يجري في هذا الوطن يعلمه الكثيرون، والحقيقة تبقى ثابتة مهما طال الزمن، والمسؤولية السياسية والأخلاقية لا تسقط بالتقادم، بل تظل ملازمة لكل من تحمل الأمانة.

إن مستقبل المغرب الذي نطمح إليه هو مستقبل يقوم على دولة المؤسسات، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والحرية المسؤولة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن خدمة جميع المواطنين دون تمييز.

حفظ الله المغرب، وأدام عليه الأمن والاستقرار، ووفق كل من يعمل بإخلاص من أجل مصلحة الوطن والمواطن.

الخميس، 30 يوليو 2026

حرية التنقل للمواطن المغربي نحو سبتة ومليلية: قراءة قانونية في ضوء الدستور المغربي والالتزامات الدولية والموقف الرسمي للدولة

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تُعد قضية سبتة ومليلية من أكثر القضايا القانونية والسياسية تعقيدًا في العلاقات المغربية الإسبانية، بالنظر إلى تداخل الاعتبارات التاريخية والسيادية والدبلوماسية مع الجوانب الدستورية والحقوقية. وبينما يؤكد المغرب، في مختلف المحافل الدولية، أن المدينتين جزء لا يتجزأ من ترابه الوطني، تبرز في المقابل إشكالات قانونية مرتبطة بحرية تنقل المواطنين المغاربة نحوهما أو العودة منهما، ومدى انسجام الممارسات الإدارية مع المقتضيات الدستورية والمواقف الرسمية للدولة.

وتستند هذه الإشكالية إلى أربعة مرتكزات قانونية رئيسية.

أولًا، ينص الفصل 24 من الدستور المغربي على أن حرية التنقل داخل التراب الوطني والخروج منه والعودة إليه حقوق مكفولة وفق القانون، وهو ما يجعل حرية التنقل من الحقوق الدستورية الأساسية التي لا يجوز تقييدها إلا بمقتضى نص قانوني صريح يحترم مبادئ الشرعية والتناسب.

ثانيًا، يتمسك المغرب رسميًا بمغربية سبتة ومليلية، وهو ما عبر عنه في إعلاناته ومذكراته المودعة لدى الأمم المتحدة، حيث يعتبر المدينتين جزءًا من التراب الوطني، ولا يعترف بسيادة إسبانيا عليهما، باعتبارهما من الأقاليم التي لا تزال خاضعة للاحتلال.

ثالثًا، أكدت السلطات المغربية، في مراسلاتها الرسمية مع آليات الأمم المتحدة، أن المملكة لا تعتبر نفسها متوفرة على حدود برية مشتركة مع إسبانيا، وهو موقف ينسجم مع رؤيتها القانونية والسيادية بشأن وضعية سبتة ومليلية.

رابعًا، تنص المادة 37 من اتفاق الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي على أن بعض أحكام الاتفاق المتعلقة بإقليم تطبيقه لا تشمل سبتة ومليلية، بما يعكس خصوصية الوضع القانوني لهاتين المدينتين داخل إطار العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

وانطلاقًا من هذه المرتكزات، تثار إشكالية قانونية مفادها: إلى أي مدى ينسجم تقييد تنقل المواطنين المغاربة نحو سبتة ومليلية أو العودة منهما مع أحكام الدستور والموقف الرسمي للمملكة؟ وهل تستند هذه القيود إلى أساس قانوني صريح، أم أنها تندرج ضمن تدابير إدارية تفرضها اعتبارات أخرى مرتبطة بتدبير الحدود والعلاقات الدولية؟

لا يهدف هذا المقال إلى إصدار أحكام قطعية، وإنما إلى تقديم قراءة قانونية تحليلية للنصوص الدستورية والاتفاقيات الدولية والمواقف الرسمية المغربية، مع إبراز أوجه الالتقاء والاختلاف بين المقتضيات القانونية والممارسة العملية، بما يفتح المجال لنقاش علمي موضوعي حول إحدى القضايا ذات الأهمية الدستورية والسيادية والحقوقية.

.

الأربعاء، 29 يوليو 2026

قراءة في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد

 


بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكل الخطاب الملكي لهذه السنة وثيقة سياسية واستراتيجية ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتقدم تقييماً شاملاً لما تحقق خلال السنوات الماضية، مع تحديد أولويات المستقبل. وقد جاء الخطاب متوازناً بين استعراض المنجزات، وتعزيز الثقة، ورسم التوجهات الكبرى للدولة.

أولاً: خطاب الثقة والاستقرار

افتتح جلالة الملك خطابه بالتأكيد على أن خدمة المواطن هي الغاية الأساسية للحكم، نافياً أي سعي وراء مجد شخصي أو زعامة دولية، وهو ما يعكس فلسفة الحكم القائمة على المسؤولية وخدمة الصالح العام.

كما جعل الخطاب من الأمن والاستقرار الركيزة الأساسية للتنمية، معتبراً أن الاستقرار أصبح رأسمالاً استراتيجياً في عالم يشهد اضطرابات سياسية واقتصادية متزايدة. وهي رسالة تؤكد أن المغرب يعتبر الأمن شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار وتحقيق النمو.

ثانياً: تثمين النموذج التنموي المغربي

استعرض الخطاب مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي تعكس الدينامية التي يعرفها المغرب، من أبرزها:

تحقيق معدل نمو يقارب 4.9%.

ترسيخ مكانة المغرب كأول مصدر للسيارات في إفريقيا.

التطور الكبير في صناعات الطيران.

الانخراط في الصناعات المستقبلية مثل البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر.

تعزيز الأمن الغذائي والطاقي.

تحقيق رقم قياسي في القطاع السياحي باستقبال حوالي 20 مليون سائح.

وهذه المعطيات تعكس انتقال الاقتصاد المغربي من اقتصاد يعتمد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد صناعي وتكنولوجي أكثر تنافسية.

ثالثاً: السيادة الوطنية مفهوم شامل

وسع الخطاب مفهوم السيادة الوطنية، فلم يعد يقتصر على الجانب الأمني والعسكري، بل أصبح يشمل:

السيادة الصناعية.

السيادة الغذائية.

السيادة الدوائية.

السيادة الطاقية.

السيادة الرقمية والأمن السيبراني.

الصناعات الدفاعية.

وهو توجه ينسجم مع التحولات الدولية التي أفرزتها الأزمات العالمية وسلاسل الإمداد.

رابعاً: البعد الاجتماعي حاضر بقوة

رغم الطابع الاقتصادي للخطاب، لم يغفل جلالة الملك الجانب الاجتماعي، حيث أكد على:

مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية.

تحسين ظروف عيش المواطنين.

تحقيق العدالة المجالية.

تنزيل برامج التنمية الترابية.

دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة.

توسيع الولوج إلى التمويل.

وهذا يعكس حرص المؤسسة الملكية على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

خامساً: إشارات سياسية واضحة

من أبرز الرسائل السياسية في الخطاب حديث جلالة الملك عن الانتخابات التشريعية المقبلة، حيث أكد أن المرحلة القادمة يجب أن تشكل دورة جديدة في مسار التنمية، تقوم على:

تحصين المكتسبات.

استمرارية المشاريع الكبرى.

مواصلة الإصلاحات.

ويفهم من ذلك أن الخطاب يدعو مختلف الفاعلين السياسيين إلى جعل التنافس الانتخابي وسيلة لخدمة المشروع التنموي الوطني، بعيداً عن الصراعات الضيقة.

سادساً: مكانة المغرب دولياً

أكد الخطاب أن المغرب أصبح:

شريكاً دولياً موثوقاً.

فاعلاً اقتصادياً مؤثراً.

دولة تنوع شراكاتها.

صاحبة مبادرات إقليمية ودولية.

وهي رسالة تعكس استمرار السياسة الخارجية المغربية القائمة على تنويع الشراكات وتعزيز الحضور الدولي للمملكة.

سابعاً: الإشادة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية

اختتم الخطاب بتجديد التقدير للقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والإدارة الترابية، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، وهو تأكيد على المكانة المحورية لهذه المؤسسات في حماية الوحدة الترابية وضمان الأمن والاستقرار.

خلاصة

يمكن اعتبار هذا الخطاب خطاب مرحلة أكثر من كونه خطاب مناسبة، لأنه جمع بين التقييم والاستشراف. فقد ركز على ثلاثة محاور استراتيجية مترابطة:

ترسيخ الاستقرار باعتباره أساس التنمية.

تعزيز السيادة الوطنية في أبعادها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية.

التحضير لمرحلة سياسية وتنموية جديدة بعد الانتخابات التشريعية، تقوم على استمرارية الإصلاحات وتحصين المكتسبات.

كما يعكس الخطاب رؤية ملكية تعتبر أن مستقبل المغرب يرتكز على الاستثمار في الإنسان، وتقوية الاقتصاد الوطني، وتحديث الصناعة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ مكانة المملكة كقوة إقليمية ذات مصداقية وشريك دولي موثوق.

وعليه، فإن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد لا يقتصر على عرض حصيلة المنجزات، بل يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها "المغرب الصاعد"؛ مرحلة تُبنى على الاستقرار، والسيادة، والتنافسية الاقتصادية، والابتكار، مع الحرص على أن تنعكس ثمار التنمية على مختلف فئات المجتمع ومجالاته.

المحطة الطرقية باب دكالة بمراكش... حين تتحول الذاكرة إلى وثيقة تاريخية



 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم تكن المحطة الطرقية باب دكالة بمدينة مراكش مجرد فضاء لعبور المسافرين أو محطة لانطلاق الحافلات واستقبالها، بل كانت على امتداد ما يقارب نصف قرن مؤسسة اجتماعية واقتصادية وإنسانية، اختزلت داخل أسوارها تفاصيل الحياة اليومية لآلاف المواطنين، وشكلت فضاءً التقت فيه مختلف الفئات الاجتماعية، من مسافرين ومهنيين وتجار وعمال وباعة متجولين وأرباب المقاهي وأصحاب المحلات، لتصبح مع مرور الزمن جزءاً من الذاكرة الجماعية لمدينة مراكش.

وقد سبق أن تناولنا في عدة مقالات ودراسات مختلف الإشكالات المرتبطة بمشروع إغلاق المحطة، وحذرنا من الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي ستطال مستخدميها، سواء العاملين في القطاع المهيكل أو أولئك الذين ينشطون ضمن القطاع غير المهيكل، كما ناقشنا الجوانب القانونية المرتبطة بهذا الملف، خاصة في موضوع: "المحطة الطرقية بمراكش بين إصرار المجلس الجماعي وتحفظات المعنيين"، الذي سلط الضوء على ضرورة التوفيق بين متطلبات التنمية واحترام الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمتضررين.

وفي هذا السياق صدر كتاب "نقطة النهاية بمقهى الزوار"، ليس باعتباره مجرد عمل أدبي أو سرداً لذكريات شخصية، وإنما بوصفه وثيقة تاريخية واجتماعية وقانونية توثق مرحلة كاملة من تاريخ المحطة الطرقية باب دكالة. فالكتاب يجيب عن العديد من الأسئلة التي يطرحها اليوم المستخدمون والمواطنون، ويستعرض مختلف التحولات التي عرفتها المحطة، كما يناقش عدداً من الإشكالات القانونية والاجتماعية التي ظلت لسنوات محل نقاش، من بينها قضية الأداءات غير القانونية التي كانت تُفرض على بعض الوافدين عند مدخل المحطة، وغيرها من الممارسات التي أثارت جدلاً واسعاً.

ولا يكتفي الكتاب برصد السلبيات، بل ينصف أيضاً كل من ساهم في خدمة المسافرين والحفاظ على استمرارية هذا المرفق لعقود طويلة، حيث يقدم صورة متوازنة عن واقع المحطة، بما حملته من إيجابيات وسلبيات، ومن قصص نجاح وإخفاق، ومن مواقف إنسانية نبيلة وأخرى مؤلمة.

لقد كانت المحطة فضاءً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية بشكل واضح، حتى أصبح القطاع غير المهيكل، في كثير من الأحيان، أكثر حضوراً وتأثيراً من القطاع المهيكل، وهو ما انعكس على طبيعة النشاط التجاري والخدمات المقدمة داخلها. كما عرف بعض التجار ارتفاعاً غير مبرر في الأسعار، وشهدت بعض المرافق ممارسات لم تكن تليق بصورة مدينة سياحية عالمية كمراكش، إضافة إلى وجود حالات فردية لسوء معاملة بعض الزبائن من طرف قلة من العاملين، وهي ممارسات لا يمكن تعميمها على الجميع، لكنها تركت أثراً سلبياً في ذاكرة عدد من المرتفقين.

ومن جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن المحطة الطرقية باب دكالة دون التوقف عند الحوادث الليلية التي كانت تقع بين الفينة والأخرى، والتي شكلت جانباً من الواقع الأمني والاجتماعي للمكان، وهي أحداث وثقها الكتاب باعتبارها جزءاً من التاريخ، بعيداً عن أي رغبة في التشهير أو تصفية الحسابات، وإنما من أجل حفظ الذاكرة الجماعية كما عاشها الناس.

إن التاريخ لا يكتب فقط بما هو جميل، وإنما يكتب أيضاً بما هو مؤلم، لأن الحقيقة لا تكتمل إلا بجمع وجهيها. ولذلك فإن كل من مر من هذا المكان، سواء ترك أثراً إيجابياً أو سلبياً، فقد أصبح جزءاً من ذاكرة المحطة، وستظل بصماته حاضرة في صفحات التاريخ، باعتبارها شاهداً على مرحلة اجتماعية واقتصادية عاشتها مدينة مراكش.

ومن هنا تكتسب قيمة كتاب "نقطة النهاية بمقهى الزوار"، فهو ليس كتاباً عن مقهى أو محطة طرقية فحسب، بل هو شهادة تاريخية توثق نهاية حقبة امتدت لعشرات السنين، وتؤرخ لتحولات عرفها المجتمع المراكشي، وتدعو الباحثين والمهتمين إلى قراءة هذه التجربة بمنهج علمي، لفهم العلاقة بين المرافق العمومية، والاقتصاد المحلي، والتحولات الاجتماعية، والذاكرة الجماعية.

فقد تنتهي البنايات، وتغلق المحطات، وتتغير الخرائط العمرانية، لكن الذاكرة لا تُهدم، والتاريخ لا يُمحى، والشهادات الصادقة تبقى مراجع للأجيال القادمة، يستنطقون من خلالها واقعاً مضى، ويستخلصون منه الدروس والعبر. ومن هذا المنطلق، سيظل كتاب "نقطة النهاية بمقهى الزوار" وثيقة توثق جانباً مهماً من تاريخ المحطة الطرقية باب دكالة، ومن تاريخ مدينة مراكش، ليبقى شاهداً على زمن لن يتكرر، وعلى معلمة اجتماعية واقتصادية تركت بصمتها في وجدان المدينة وسكانها