السبت، 8 أغسطس 2026

الدلاقشية والفراقشية والقلالشية... ثلاثية المشهد السياسي المغربي

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في القاموس الشعبي المغربي، وبالأخص في الذاكرة المراكشية، توجد كلمات لا تحتاج إلى قاموس أكاديمي لفهم دلالاتها؛ يكفي أن تنصت إلى الشارع لتدرك معناها.

فـالدلاقشية هم أولئك الذين يكثرون الكلام ويقلّ عندهم الفعل، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، بينما المواطن لا يرى من وعودهم إلا صدى الكلمات.

أما الفراقشية، ففي الاستعمال الشعبي المغربي، وخصوصاً في بعض الأوساط المرتبطة بالحديث عن ذوي السوابق، فهي تسمية تطلق على محترفي سرقة المواشي.

وأما القلالشية، فهم أهل الصنعة الذين يصنعون القلوشة الفخارية التي تطهى فيها الطنجية، أو تحفظ فيها مواد مثل السمن والعسل.

لكن ماذا لو نقلنا هذه المصطلحات من قاموس الحياة الشعبية إلى قاموس السياسة؟

هنا تبدأ الحكاية.

الدلاقشية السياسية: كلام كثير وفعل قليل

في الحياة السياسية المغربية اليوم، يبدو أن الدلاقشية أصبحوا أكثر حضوراً من أي وقت مضى.

سياسي يخرج بتصريح، ووزير يظهر في ندوة، وبرلماني يطل علينا من شاشة، ومسؤول حزبي يطلق وعداً جديداً؛ ثم تتكاثر الكلمات حتى يصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين البرنامج الانتخابي والبرنامج التلفزيوني.

المشكلة ليست في أن يتحدث السياسي.

المشكلة أن يتحول الكلام إلى بديل عن الإنجاز.

وعندما يسمع المواطن تصريحات عن فرص شغل بأجر يومي يصل إلى 400 درهم، أو وعوداً بأن الدولة تفتح أبواب العمل والكرامة أمام الشباب، فإنه لا يسأل عن البلاغة السياسية، وإنما يسأل سؤالاً بسيطاً:

أين هي هذه الفرص؟ وكيف يمكن للشاب المغربي أن يصل إليها؟ ومن يراقب تنفيذ هذه الوعود؟

وحين تخرج مسؤولة حكومية بتصريحات كبيرة حول استفادة الشباب من السكن، أو تسوية ملفات المتضررين من زلزال الحوز، فإن السؤال الصحفي المشروع لا ينبغي أن يكون: هل التصريح جميل؟

بل:

كم ملفاً تمت تسويته فعلاً؟ وكم شاباً استفاد فعلاً؟ وما عدد الأسر التي عادت إلى مساكنها؟ وما هي الأرقام الرسمية؟ وأين يمكن للمواطن أن يتحقق منها؟

فالسياسة الحديثة لا تُقاس بعدد التصريحات، وإنما بعدد النتائج.

والمواطن المغربي لم يعد يريد حكومة تتحدث كثيراً؛ بل يريد حكومة تُنجز كثيراً.

الدلاقشية داخل البرلمان

وليس الوزراء وحدهم معنيين بهذه التسمية الرمزية.

فكم من برلماني حفظ قاموس المعارضة، وأتقن فن رفع الصوت، وأصبح يتحدث عن الفساد والريع والبطالة والغلاء، ثم ينتهي الخطاب بمجرد انتهاء البث المباشر؟

وكم من نائب أصبح متخصصاً في إطلاق النار السياسي من بعيد، دون أن يقدم للمغاربة جواباً عن السؤال الأهم:

ماذا فعلت أنت، من موقعك، لمعالجة المشكلة؟

المواطن لا يحتاج إلى سياسي يجيد وصف المرض.

إنه يحتاج إلى سياسي يعرف كيف يعالجه.

القلالشية السياسية: حين تصبح السياسة صناعة للامتيازات

أما القلالشية في استعارتنا السياسية، فهم أخطر من مجرد أصحاب الكلام.

القلالشية هم الذين يحولون السياسة إلى وعاء تُطبخ داخله المصالح، وتختلط فيه السلطة بالمال، والقرار الاقتصادي بالنفوذ السياسي، والمصلحة العامة بالحسابات الخاصة.

وهنا تبرز قضية تضارب المصالح.

ليس المقصود اتهام شخص بعينه بالفساد لمجرد وجود علاقة بين السياسة والاقتصاد؛ فهذا يحتاج إلى إثبات ومؤسسات رقابية وقضائية.

لكن السؤال السياسي المشروع هو:

كيف يمكن للمواطن أن يثق في مسؤول سياسي إذا وجد أن السياسة والاقتصاد والمصالح الخاصة تتحرك داخل الدائرة نفسها؟

الدولة الحديثة لا تُبنى على الثقة العمياء في الأشخاص، وإنما على قواعد تمنع تضارب المصالح، وتفرض الشفافية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالمغربي لا يريد أن يعرف فقط من يملك المال.

بل يريد أن يعرف:

كيف صنع المال؟ ومن استفاد من القرار العمومي؟ وهل استفادت منه الدولة والمجتمع أم استفاد منه أصحاب النفوذ؟

وهنا تصبح لغة المال أخطر من لغة السياسة.

لأن السياسة عندما تتحول إلى وسيلة للاغتناء، تفقد معناها الأخلاقي قبل أن تفقد معناها الديمقراطي.

الفراقشية السياسية: حين يصبح الدعم العمومي باباً للريع

أما الفراقشية السياسية، في استعارتنا، فهم الذين لا يسرقون "الحولي" من الزريبة، وإنما يحاولون ـ في الصورة الرمزية ـ الاستفادة من منظومات الدعم العمومي بطريقة تجعل المواطن يشعر بأن الثروة العمومية أصبحت مجالاً للامتيازات.

ولنأخذ قطاع المواشي مثالاً.

الدولة المغربية خصصت برامج مهمة لدعم إعادة تكوين القطيع الوطني، كما شملت الإجراءات دعم الأعلاف ودعماً مباشراً للمربين، ووضع آليات للمراقبة والتتبع. كما أعلنت الحكومة سنة 2026 عن تدابير لتنظيم تسويق وبيع أضاحي العيد ومحاربة الممارسات التي قد تؤدي إلى ارتفاع غير مبرر للأسعار.

وهذا الدعم، من حيث المبدأ، ليس جريمة ولا ريعاً؛ بل قد يكون ضرورة لحماية القطيع الوطني والفلاح والقدرة الشرائية.

لكن السؤال الحقيقي هو:

هل يصل الدعم إلى مستحقيه؟ وهل ينعكس على الأسعار التي يدفعها المواطن؟ ومن يراقب سلسلة الإنتاج والاستيراد والتوزيع والبيع؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تطرحها الصحافة والبرلمان وأجهزة الرقابة.

فإذا كانت الدولة تدعم العلف، وتدعم المربي، وتقدم مساعدات لإعادة تكوين القطيع، ثم يجد المواطن نفسه أمام أسعار لا تتناسب مع قدرته الشرائية، فمن حقه أن يسأل:

أين اختفى أثر الدعم؟

وقد أعلنت الحكومة أن كلفة دعم استيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024 بلغت 437 مليون درهم، وهو رقم يجعل سؤال تقييم الأثر والنجاعة والمراقبة مشروعاً تماماً.

المطلوب هنا ليس اتهام كل مستفيد من الدعم، وإنما فتح دفتر الحسابات أمام الرأي العام.

فالدعم العمومي مال الشعب.

ومن حق الشعب أن يعرف أين ذهب.

من "محاربة الفساد" إلى السؤال: أي فساد؟

المثير للسخرية السياسية أن بعض الأصوات بدأت تعود إلينا بشعارات كبيرة:

محاربة الفساد... محاربة الريع... حماية كرامة المواطن... تشغيل الشباب... الدفاع عن الطبقة المتوسطة...

وكلها عناوين نبيلة.

لكن المواطن المغربي أصبح أكثر ذكاءً من أن يكتفي بالعناوين.

إنه يسأل:

أي فساد؟ ومن المسؤول عنه؟ وما هي الملفات التي تمت معالجتها؟ وكم من مسؤول تمت محاسبته؟ وما هي الأموال التي استرجعت؟

لأن محاربة الفساد لا تكون باللافتات ولا بالشعارات.

محاربة الفساد تبدأ عندما يصبح القانون أقوى من النفوذ، والمعلومة أقوى من الإشاعة، والمحاسبة أقوى من الحماية السياسية.

حكومة الوعود في زمن فقدان الثقة

المشكلة الأكبر التي تواجه الطبقة السياسية المغربية ليست فقط البطالة أو الغلاء أو السكن أو الصحة أو التعليم.

إنها أزمة الثقة.

المواطن يسمع الوعود قبل الانتخابات، ثم ينتظر تنفيذها بعد الانتخابات.

وحين تمر السنوات ولا يرى النتائج التي كان ينتظرها، تبدأ المسافة بينه وبين السياسة في الاتساع.

وهنا تكمن الخطورة.

فالديمقراطية لا تموت دائماً بانقلاب عسكري.

قد تموت ببطء عندما يفقد المواطن ثقته في الأحزاب، وفي المؤسسات المنتخبة، وفي الخطاب السياسي.

وقد يموت الاهتمام السياسي عندما يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئاً في حياته اليومية.

وهذا أخطر من المعارضة.

إنه اللامبالاة السياسية.

الشعب لا يريد دلاقشية ولا قلالشية ولا فراقشية

المغربي اليوم لا يريد حكومة دلاقشية تملأ الفضاء بالتصريحات.

ولا يريد قلالشية يجعلون من السياسة مطبخاً للمصالح.

ولا يريد فراقشية، بالمفهوم السياسي الرمزي، يحولون المال العام وبرامج الدعم إلى مجال للامتيازات.

المغربي يريد ببساطة:

مسؤولاً صادقاً، وبرنامجاً واضحاً، ورقماً قابلاً للقياس، ومحاسبة حقيقية.

يريد مدرسة محترمة.

ومستشفى يحفظ كرامته.

وشغلاً يوفر له حياة كريمة.

وسكناً لا يحوله إلى أسير للقروض.

ويريد سوقاً لا يشعر فيه أن الأسعار تسبقه إلى جيبه.

ويريد إدارة تحترمه.

ويريد برلماناً لا يتحول إلى مسرح للخطابات.

وحين يفشل السياسي... أين يتجه المواطن؟

في ظل هذا المشهد، يصبح من الطبيعي أن يبحث المواطن عن مرجعية يثق بها.

وفي الحالة المغربية، تظل المؤسسة الملكية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع مركزاً للاستقرار والتحكيم، وهو ما يجعل أي نقاش حول مستقبل الحكومة مرتبطاً أيضاً بالسؤال عن قدرة المؤسسات السياسية المنتخبة على استعادة ثقة المواطن.

ومن هنا يمكن طرح فكرة الحكومة التكنوقراطية للنقاش العام، لا باعتبارها حلاً سحرياً، ولا باعتبارها إلغاءً للأحزاب، وإنما كخيار سياسي يمكن أن يطرح عندما تصبح الحاجة إلى الكفاءة والخبرة وتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة أولوية وطنية.

لكن حتى الحكومة التكنوقراطية تحتاج إلى شيء واحد:

المحاسبة.

فالتكنوقراط ليسوا ملائكة، والسياسيون ليسوا شياطين.

المعيار الحقيقي هو:

الكفاءة، والنزاهة، والشفافية، والنتائج.

إنقاذ السياسة قبل أن تفقد السياسة معناها

المغرب لا يحتاج إلى مزيد من السياسيين الذين يجيدون صناعة الضجيج.

يحتاج إلى سياسيين يصنعون النتائج.

ولا يحتاج إلى مزيد من الوعود الانتخابية.

يحتاج إلى عقود واضحة بين الدولة والمواطن، تقوم على مؤشرات يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين عليها.

فإذا وعد المسؤول بتشغيل مليون شاب، فليقدم للمغاربة الأرقام.

وإذا وعد بالسكن، فليقدم عدد المستفيدين.

وإذا وعد بإصلاح الصحة، فليقدم نتائج ملموسة.

وإذا أعلن الحرب على الفساد، فليقدم الملفات التي تمت معالجتها، لا مجرد الخطب.

وإذا تحدث عن كرامة المواطن، فليبدأ من الإدارة والمستشفى والمدرسة وسوق الشغل.

لقد انتهى زمن السياسة التي تعيش على الكلام وحده.

لقد أصبح المواطن يريد أن يرى الفعل قبل القول.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح اليوم ليس:

من هو الدلاقشي؟ ومن هو القلالشي؟ ومن هو الفراقشي؟

بل:

هل تستطيع الحياة السياسية المغربية أن تنتقل من ثقافة الكلام إلى ثقافة الإنجاز، ومن منطق الامتياز إلى منطق الاستحقاق، ومن الوعود إلى المحاسبة؟

فالمغرب لا تنقصه الكفاءات.

ولا تنقصه الطاقات.

ولا تنقصه الموارد.

إنما يحتاج إلى سياسة تستعيد ثقة المواطن، ومسؤولية سياسية لا تخاف من المحاسبة، وحكومة تقاس بما أنجزت لا بما قالت.

أما المواطن المغربي، فقد أصبح يعرف جيداً الفرق بين من يتحدث كثيراً، ومن يعمل كثيراً، ومن يستفيد كثيراً.

وهذه، في حد ذاتها، بداية الوعي السياسي.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق