بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي وتطوير القدرات المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
التشرميل السياسي يبدأ مبكراً...
من عرض البرامج الانتخابية إلى الضرب تحت الحزام و«سوق الدلالة» لاستقطاب الأعيان؟
مع انطلاق الحملات الانتخابية التشريعية، يبدو أن بعض الساحات السياسية اختارت منذ الأيام الأولى أن ترفع منسوب المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة، وكأننا أمام مباراة ملاكمة سياسية لا أمام استحقاق ديمقراطي يفترض أن يكون عنوانه الأول هو البرامج، الحصيلة، البدائل، والقدرة على إقناع الناخب المغربي.
فبدل أن يسمع المواطن عن التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار والقدرة الشرائية والإدارة والعدالة الاجتماعية، بدأ يسمع عن الاتهامات، والكلاشات، والردود المضادة، والضرب تحت الحزام، ومن فوق الرأس أحياناً!
والأكثر إثارة أن المواجهة لا تدور فقط بين أحزاب المعارضة والأغلبية، وإنما بدأت تظهر أيضاً داخل مكونات الأغلبية نفسها، بما يطرح سؤالاً كبيراً:
هل نحن أمام منافسة انتخابية حقيقية، أم أمام تصفية حسابات سياسية مؤجلة اختارت صناديق الاقتراع أن تكون مسرحاً لها؟
عندما تتحول الحملة الانتخابية إلى «سوق دلالة» سياسية
ومن بين أكثر المشاهد التي تثير الانتباه في هذه الحملة، الحديث المتزايد عن استقطاب الأعيان والوجوه المحلية والباحثين عن مواقع انتخابية، في مشهد يجعل البعض يتساءل: هل أصبحت الانتخابات سوقاً للمساومة السياسية، يتم فيها البحث عن «الاسم الأقوى» و«الشخص الأكثر تأثيراً» بدل البحث عن المرشح الأكثر كفاءة ونزاهة وقدرة على خدمة المواطنين؟
إن الديمقراطية لا تختزل في عدد الأعيان الذين يستطيع هذا الحزب أو ذاك استقطابهم، ولا في حجم الإمكانات التي يمكن تعبئتها انتخابياً، وإنما في قدرة الأحزاب على تقديم مشروع سياسي واضح، ورؤية قابلة للتنفيذ، ونخب قادرة على تحمل المسؤولية وربطها بالمحاسبة.
الأخطر: اتهامات تتجاوز حدود «الكلاش» الانتخابي
لكن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما تنتقل المواجهة من النقد السياسي إلى إطلاق تصريحات تتضمن اتهامات مرتبطة بسلامة المواطنين والصحة العامة وتداول المواد الغذائية.
ففي تجمع جماهيري، نُسب إلى وزير منتدب ينتمي إلى أحد أحزاب الأغلبية تصريحٌ شديد اللهجة، قال فيه مخاطباً الحاضرين:
«الفراقشي الحقيقي هو داك اللي دخلوه عندهم ويبيع الفرماج فاسد لعباد الله».
إذا كان التصريح قد صدر فعلاً بهذا السياق، وإذا كان المقصود منه اتهام جهة أو شخص بعينه بترويج مواد غذائية فاسدة أو منتهية الصلاحية، فإن المسألة لم تعد مجرد «كلاش» انتخابي أو مناوشة بين الخصوم.
هنا نحن أمام ادعاء خطير يتعلق بالصحة والسلامة العامة، ويحتاج إلى التحقق من الوقائع والأسماء والجهات والمنتجات والظروف التي قيل فيها هذا الكلام.
فالانتخابات تنتهي، لكن صحة المواطنين ليست ورقة انتخابية.
هل حان وقت تدخل المؤسسات المختصة؟
إذا كانت هناك بالفعل معلومات أو أدلة على وجود مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك يتم تسويقها للمواطنين، فإن الطريق الطبيعي ليس المنصات الانتخابية وحدها، وإنما المؤسسات المختصة والسلطات القضائية والإدارية المعنية، كلٌّ في حدود اختصاصه.
وإذا كانت الاتهامات لا تستند إلى وقائع أو أدلة، فإن ذلك يطرح بدوره سؤالاً آخر حول المسؤولية القانونية والسياسية عن إطلاق اتهامات خطيرة أمام جماهير انتخابية.
وهنا تظهر أهمية النيابة العامة والجهات المختصة في التحقق من الوقائع، لا من الانتماءات السياسية.
فالقانون لا ينبغي أن يعرف أغلبية ولا معارضة عندما يتعلق الأمر بحماية صحة المواطنين أو البحث في شبهة جريمة.
«مازال... مازال... مازال العاطي يعطي!»
وإذا كانت هذه مجرد البداية، فإن السؤال المشروع هو:
ماذا سيحدث عندما تقترب الحملة أكثر من يوم الاقتراع؟
هل سنشهد ارتفاعاً أكبر في سقف الاتهامات؟
هل ستخرج ملفات قديمة إلى العلن؟
هل ستتحول المناظرات السياسية إلى تبادل للاتهامات والفضائح؟
هل سيبدأ كل طرف في تفتيش خزائن الطرف الآخر بحثاً عن الملفات؟
وهل يتحول «الكلاش» الانتخابي إلى معركة سياسية مفتوحة بين أطراف يفترض أنها ما زالت تجلس إلى طاولة واحدة داخل الأغلبية؟
ربما نحن أمام مجرد سخونة انتخابية عابرة.
وربما نحن أمام بداية مسلسل طويل.
مازال... مازال... مازال العاطي يعطي!
المواطن يريد برنامجاً... لا حلبة ملاكمة
المواطن المغربي الذي سيذهب إلى صناديق الاقتراع لا يحتاج إلى سماع الشتائم المتبادلة، ولا إلى مشاهدة سياسيين يتبادلون الاتهامات أمام الجماهير.
إنه يريد أن يعرف:
من سيخلق فرص الشغل؟
من سيواجه ارتفاع الأسعار؟
من سيصلح التعليم والصحة؟
من سيعالج مشاكل المدن والقرى؟
من سيحارب الفساد والريع؟
من سيقدم حلولاً واقعية للشباب؟
ومن يتحمل مسؤولية حصيلة السنوات الماضية؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في قلب الحملة الانتخابية.
أما تحويل المهرجانات الخطابية إلى حلبة ملاكمة سياسية، فلن يخدم الديمقراطية، ولن يرفع من مستوى النقاش العمومي.
أم أنها «مسرحية» داخل الأغلبية؟
وهنا يحق للصحافة وللرأي العام أن يطرحا سؤالاً أكثر جرأة:
هل ما يجري مجرد صراع حقيقي بين مكونات الأغلبية؟ أم أن الأمر قد يتحول إلى نوع من «المسرحية السياسية» التي يتبادل فيها بعض الأطراف الأدوار والاتهامات، بينما يبقى المواطن بعيداً عن حقيقة الملفات؟
لا يمكن الجزم بذلك دون أدلة.
لكن من حق المواطن أن يسأل، ومن حق الصحافة أن تراقب، ومن حق المؤسسات أن تتحقق.
فإذا كانت هناك اتهامات حقيقية، فليتم الكشف عن الحقيقة عبر المؤسسات والقانون.
وإذا كانت مجرد اتهامات انتخابية، فليتحمل مطلقوها مسؤولية كلامهم.
المعركة الحقيقية هي معركة الثقة
في النهاية، أخطر ما يمكن أن تخسره الأحزاب السياسية ليس مقعداً انتخابياً، وإنما ثقة المواطن.
والثقة لا تُبنى بالصراخ، ولا بالكلاشات، ولا بتبادل الاتهامات، ولا باستعراض القوة التنظيمية.
الثقة تُبنى بالصدق، والكفاءة، والنزاهة، والإنجاز، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء قبل الحديث عن أخطاء الآخرين.
أما إذا تحولت الحملة الانتخابية إلى معركة لتكسير العظام السياسية، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً:
هل نحن أمام انتخابات تُعرض فيها البرامج لاختيار الأفضل... أم أمام حرب انتخابية مفتوحة، لا سقف لها ولا حدود؟
الأيام المقبلة وحدها ستجيب.
لكن شيئاً واحداً يبدو واضحاً منذ الآن:
المعركة بدأت... ومازال العاطي يعطي!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق