بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
شهدت شبكات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة تحولاً من مجرد منصات للتواصل وتبادل المعلومات إلى فضاءات مؤثرة في تشكيل الوعي والسلوك والقيم، خصوصاً لدى فئة الشباب والناشئة التي تُعد الأكثر استخداماً لهذه الوسائل. وقد استغلت بعض الجهات والأفراد هذه المنصات لتوظيف أساليب الإغواء النفسي والغرور الاجتماعي بهدف التأثير في أفكار الشباب وسلوكهم، وتحقيق مكاسب مادية أو فكرية أو أيديولوجية.
تعتمد هذه الأساليب على صناعة صورة زائفة للحياة تقوم على المظاهر والثراء السريع والشهرة السهلة، حيث يتم الترويج لأنماط حياة تبدو مثالية تخفي وراءها الكثير من التضليل والتزييف. ويُدفع الشباب إلى مقارنة أنفسهم بهذه الصور المصطنعة، مما يولد لديهم الشعور بالنقص وعدم الرضا عن حياتهم الواقعية.
كما تلجأ بعض الحسابات إلى استغلال الحاجة الطبيعية لدى الشباب إلى الاعتراف الاجتماعي والانتماء، فتستخدم عبارات المديح والإعجاب المبالغ فيها، وتغريهم بعدد المتابعين والإعجابات، حتى يصبح التفاعل الرقمي معياراً لتقدير الذات، وهو ما قد يقود إلى الإدمان الرقمي والبحث المستمر عن الشهرة بأي وسيلة.
ولا يقتصر الأمر على الجانب النفسي، بل يمتد إلى محاولات الاستقطاب الفكري والديني والسياسي، حيث تُستخدم تقنيات التأثير العاطفي ونشر الأخبار المضللة والمحتويات المثيرة لاستقطاب الفئات الشابة وتوجيهها نحو أفكار أو سلوكيات قد تتعارض مع قيم المجتمع أو مصالحه.
ومن أخطر وسائل الإغواء أيضاً استغلال المؤثرين الذين يقدمون أنفسهم كنماذج للنجاح، بينما يخفون حقيقة الإعلانات الممولة أو الممارسات غير الأخلاقية التي تقف خلف هذا النجاح الظاهري، مما يرسخ لدى الشباب مفاهيم خاطئة حول العمل والنجاح والقيم.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمنع فقط، بل ببناء وعي رقمي حقيقي يقوم على التربية الإعلامية، وتعزيز التفكير النقدي، وتمكين الشباب من التحقق من المعلومات، وفهم آليات عمل الخوارزميات التي تعرض المحتوى وفقاً لمصالح تجارية أكثر من مراعاتها للمصلحة التربوية أو الأخلاقية.
كما تتحمل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني مسؤولية مشتركة في توجيه الناشئة نحو الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وترسيخ قيم الثقة بالنفس والعمل الجاد والنجاح الحقيقي القائم على العلم والاجتهاد، بدلاً من الانجراف وراء أوهام الشهرة السريعة والمظاهر الخادعة.
وفي النهاية، فإن شبكات التواصل الاجتماعي ليست شراً مطلقاً، بل هي أدوات يمكن أن تكون وسيلة للبناء والمعرفة والإبداع إذا استُخدمت بوعي، كما يمكن أن تتحول إلى وسائل للإغواء والتضليل عندما يغيب الوعي وتضعف الرقابة الذاتية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع مجتمعي متكامل لحماية الشباب والناشئة، يجمع بين التربية والإعلام والتشريع، ويُعزز ثقافة الاستخدام المسؤول للفضاء الرقمي، حفاظاً على الأفراد واستقرار المجتمع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق