الأحد، 2 أغسطس 2026

رسالة مفتوحة إلى كل السياسيين، والمسؤولين، والمرشحين للانتخابات المقبلة

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

أكتب إليكم بصفتي مواطنًا مغربيًا، ومتتبعًا للشأن المحلي والوطني والدولي، وأتحمل كامل المسؤولية عن آرائي وما أعبر عنه.

إن المسؤولية السياسية ليست مجرد منصب أو امتياز، بل هي أمانة ثقيلة أمام الله، ثم أمام الوطن والتاريخ والمواطنين. ومن هذا المنطلق، أرى أن المنتخبين والمسؤولين، كلٌّ من موقعه، مطالبون بتحمل مسؤولياتهم بكل صدق ونزاهة، وعدم الاكتفاء بأدوار شكلية لا تحقق انتظارات المواطنين ولا تستجيب لتحديات المرحلة.

إن التاريخ لا يرحم، وسيبقى شاهدًا على مواقف الرجال والنساء الذين تقلدوا المسؤوليات. وسيحاسب كل مسؤول، أولًا أمام الله تعالى، ثم أمام ضميره، وأمام أبناء هذا الوطن، على ما قدمه من خدمة للصالح العام، أو ما فرط فيه من واجبات.

وأوجه كذلك رسالتي إلى كل من يتنافس اليوم على المناصب الانتخابية، سواء على مستوى الجماعات الترابية أو البرلمان أو غيرها من المؤسسات، وأقول: اجعلوا خدمة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار، ولا تجعلوا المناصب غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لخدمة الصالح العام وتحقيق التنمية والعدالة.

إن المواطنين يتطلعون إلى مسؤولين يتحلون بالكفاءة، والنزاهة، والجرأة في اتخاذ القرار، والقدرة على الوفاء بالالتزامات، بعيدًا عن الوعود الانتخابية التي تنتهي بانتهاء الحملات.

وإن ما يجري في هذا الوطن يعلمه الكثيرون، والحقيقة تبقى ثابتة مهما طال الزمن، والمسؤولية السياسية والأخلاقية لا تسقط بالتقادم، بل تظل ملازمة لكل من تحمل الأمانة.

إن مستقبل المغرب الذي نطمح إليه هو مستقبل يقوم على دولة المؤسسات، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والحرية المسؤولة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن خدمة جميع المواطنين دون تمييز.

حفظ الله المغرب، وأدام عليه الأمن والاستقرار، ووفق كل من يعمل بإخلاص من أجل مصلحة الوطن والمواطن.

الخميس، 30 يوليو 2026

حرية التنقل للمواطن المغربي نحو سبتة ومليلية: قراءة قانونية في ضوء الدستور المغربي والالتزامات الدولية والموقف الرسمي للدولة

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تُعد قضية سبتة ومليلية من أكثر القضايا القانونية والسياسية تعقيدًا في العلاقات المغربية الإسبانية، بالنظر إلى تداخل الاعتبارات التاريخية والسيادية والدبلوماسية مع الجوانب الدستورية والحقوقية. وبينما يؤكد المغرب، في مختلف المحافل الدولية، أن المدينتين جزء لا يتجزأ من ترابه الوطني، تبرز في المقابل إشكالات قانونية مرتبطة بحرية تنقل المواطنين المغاربة نحوهما أو العودة منهما، ومدى انسجام الممارسات الإدارية مع المقتضيات الدستورية والمواقف الرسمية للدولة.

وتستند هذه الإشكالية إلى أربعة مرتكزات قانونية رئيسية.

أولًا، ينص الفصل 24 من الدستور المغربي على أن حرية التنقل داخل التراب الوطني والخروج منه والعودة إليه حقوق مكفولة وفق القانون، وهو ما يجعل حرية التنقل من الحقوق الدستورية الأساسية التي لا يجوز تقييدها إلا بمقتضى نص قانوني صريح يحترم مبادئ الشرعية والتناسب.

ثانيًا، يتمسك المغرب رسميًا بمغربية سبتة ومليلية، وهو ما عبر عنه في إعلاناته ومذكراته المودعة لدى الأمم المتحدة، حيث يعتبر المدينتين جزءًا من التراب الوطني، ولا يعترف بسيادة إسبانيا عليهما، باعتبارهما من الأقاليم التي لا تزال خاضعة للاحتلال.

ثالثًا، أكدت السلطات المغربية، في مراسلاتها الرسمية مع آليات الأمم المتحدة، أن المملكة لا تعتبر نفسها متوفرة على حدود برية مشتركة مع إسبانيا، وهو موقف ينسجم مع رؤيتها القانونية والسيادية بشأن وضعية سبتة ومليلية.

رابعًا، تنص المادة 37 من اتفاق الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي على أن بعض أحكام الاتفاق المتعلقة بإقليم تطبيقه لا تشمل سبتة ومليلية، بما يعكس خصوصية الوضع القانوني لهاتين المدينتين داخل إطار العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

وانطلاقًا من هذه المرتكزات، تثار إشكالية قانونية مفادها: إلى أي مدى ينسجم تقييد تنقل المواطنين المغاربة نحو سبتة ومليلية أو العودة منهما مع أحكام الدستور والموقف الرسمي للمملكة؟ وهل تستند هذه القيود إلى أساس قانوني صريح، أم أنها تندرج ضمن تدابير إدارية تفرضها اعتبارات أخرى مرتبطة بتدبير الحدود والعلاقات الدولية؟

لا يهدف هذا المقال إلى إصدار أحكام قطعية، وإنما إلى تقديم قراءة قانونية تحليلية للنصوص الدستورية والاتفاقيات الدولية والمواقف الرسمية المغربية، مع إبراز أوجه الالتقاء والاختلاف بين المقتضيات القانونية والممارسة العملية، بما يفتح المجال لنقاش علمي موضوعي حول إحدى القضايا ذات الأهمية الدستورية والسيادية والحقوقية.

.

الأربعاء، 29 يوليو 2026

قراءة في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد

 


بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكل الخطاب الملكي لهذه السنة وثيقة سياسية واستراتيجية ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتقدم تقييماً شاملاً لما تحقق خلال السنوات الماضية، مع تحديد أولويات المستقبل. وقد جاء الخطاب متوازناً بين استعراض المنجزات، وتعزيز الثقة، ورسم التوجهات الكبرى للدولة.

أولاً: خطاب الثقة والاستقرار

افتتح جلالة الملك خطابه بالتأكيد على أن خدمة المواطن هي الغاية الأساسية للحكم، نافياً أي سعي وراء مجد شخصي أو زعامة دولية، وهو ما يعكس فلسفة الحكم القائمة على المسؤولية وخدمة الصالح العام.

كما جعل الخطاب من الأمن والاستقرار الركيزة الأساسية للتنمية، معتبراً أن الاستقرار أصبح رأسمالاً استراتيجياً في عالم يشهد اضطرابات سياسية واقتصادية متزايدة. وهي رسالة تؤكد أن المغرب يعتبر الأمن شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار وتحقيق النمو.

ثانياً: تثمين النموذج التنموي المغربي

استعرض الخطاب مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي تعكس الدينامية التي يعرفها المغرب، من أبرزها:

تحقيق معدل نمو يقارب 4.9%.

ترسيخ مكانة المغرب كأول مصدر للسيارات في إفريقيا.

التطور الكبير في صناعات الطيران.

الانخراط في الصناعات المستقبلية مثل البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر.

تعزيز الأمن الغذائي والطاقي.

تحقيق رقم قياسي في القطاع السياحي باستقبال حوالي 20 مليون سائح.

وهذه المعطيات تعكس انتقال الاقتصاد المغربي من اقتصاد يعتمد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد صناعي وتكنولوجي أكثر تنافسية.

ثالثاً: السيادة الوطنية مفهوم شامل

وسع الخطاب مفهوم السيادة الوطنية، فلم يعد يقتصر على الجانب الأمني والعسكري، بل أصبح يشمل:

السيادة الصناعية.

السيادة الغذائية.

السيادة الدوائية.

السيادة الطاقية.

السيادة الرقمية والأمن السيبراني.

الصناعات الدفاعية.

وهو توجه ينسجم مع التحولات الدولية التي أفرزتها الأزمات العالمية وسلاسل الإمداد.

رابعاً: البعد الاجتماعي حاضر بقوة

رغم الطابع الاقتصادي للخطاب، لم يغفل جلالة الملك الجانب الاجتماعي، حيث أكد على:

مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية.

تحسين ظروف عيش المواطنين.

تحقيق العدالة المجالية.

تنزيل برامج التنمية الترابية.

دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة.

توسيع الولوج إلى التمويل.

وهذا يعكس حرص المؤسسة الملكية على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

خامساً: إشارات سياسية واضحة

من أبرز الرسائل السياسية في الخطاب حديث جلالة الملك عن الانتخابات التشريعية المقبلة، حيث أكد أن المرحلة القادمة يجب أن تشكل دورة جديدة في مسار التنمية، تقوم على:

تحصين المكتسبات.

استمرارية المشاريع الكبرى.

مواصلة الإصلاحات.

ويفهم من ذلك أن الخطاب يدعو مختلف الفاعلين السياسيين إلى جعل التنافس الانتخابي وسيلة لخدمة المشروع التنموي الوطني، بعيداً عن الصراعات الضيقة.

سادساً: مكانة المغرب دولياً

أكد الخطاب أن المغرب أصبح:

شريكاً دولياً موثوقاً.

فاعلاً اقتصادياً مؤثراً.

دولة تنوع شراكاتها.

صاحبة مبادرات إقليمية ودولية.

وهي رسالة تعكس استمرار السياسة الخارجية المغربية القائمة على تنويع الشراكات وتعزيز الحضور الدولي للمملكة.

سابعاً: الإشادة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية

اختتم الخطاب بتجديد التقدير للقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والإدارة الترابية، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، وهو تأكيد على المكانة المحورية لهذه المؤسسات في حماية الوحدة الترابية وضمان الأمن والاستقرار.

خلاصة

يمكن اعتبار هذا الخطاب خطاب مرحلة أكثر من كونه خطاب مناسبة، لأنه جمع بين التقييم والاستشراف. فقد ركز على ثلاثة محاور استراتيجية مترابطة:

ترسيخ الاستقرار باعتباره أساس التنمية.

تعزيز السيادة الوطنية في أبعادها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية.

التحضير لمرحلة سياسية وتنموية جديدة بعد الانتخابات التشريعية، تقوم على استمرارية الإصلاحات وتحصين المكتسبات.

كما يعكس الخطاب رؤية ملكية تعتبر أن مستقبل المغرب يرتكز على الاستثمار في الإنسان، وتقوية الاقتصاد الوطني، وتحديث الصناعة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ مكانة المملكة كقوة إقليمية ذات مصداقية وشريك دولي موثوق.

وعليه، فإن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد لا يقتصر على عرض حصيلة المنجزات، بل يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها "المغرب الصاعد"؛ مرحلة تُبنى على الاستقرار، والسيادة، والتنافسية الاقتصادية، والابتكار، مع الحرص على أن تنعكس ثمار التنمية على مختلف فئات المجتمع ومجالاته.

المحطة الطرقية باب دكالة بمراكش... حين تتحول الذاكرة إلى وثيقة تاريخية



 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم تكن المحطة الطرقية باب دكالة بمدينة مراكش مجرد فضاء لعبور المسافرين أو محطة لانطلاق الحافلات واستقبالها، بل كانت على امتداد ما يقارب نصف قرن مؤسسة اجتماعية واقتصادية وإنسانية، اختزلت داخل أسوارها تفاصيل الحياة اليومية لآلاف المواطنين، وشكلت فضاءً التقت فيه مختلف الفئات الاجتماعية، من مسافرين ومهنيين وتجار وعمال وباعة متجولين وأرباب المقاهي وأصحاب المحلات، لتصبح مع مرور الزمن جزءاً من الذاكرة الجماعية لمدينة مراكش.

وقد سبق أن تناولنا في عدة مقالات ودراسات مختلف الإشكالات المرتبطة بمشروع إغلاق المحطة، وحذرنا من الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي ستطال مستخدميها، سواء العاملين في القطاع المهيكل أو أولئك الذين ينشطون ضمن القطاع غير المهيكل، كما ناقشنا الجوانب القانونية المرتبطة بهذا الملف، خاصة في موضوع: "المحطة الطرقية بمراكش بين إصرار المجلس الجماعي وتحفظات المعنيين"، الذي سلط الضوء على ضرورة التوفيق بين متطلبات التنمية واحترام الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمتضررين.

وفي هذا السياق صدر كتاب "نقطة النهاية بمقهى الزوار"، ليس باعتباره مجرد عمل أدبي أو سرداً لذكريات شخصية، وإنما بوصفه وثيقة تاريخية واجتماعية وقانونية توثق مرحلة كاملة من تاريخ المحطة الطرقية باب دكالة. فالكتاب يجيب عن العديد من الأسئلة التي يطرحها اليوم المستخدمون والمواطنون، ويستعرض مختلف التحولات التي عرفتها المحطة، كما يناقش عدداً من الإشكالات القانونية والاجتماعية التي ظلت لسنوات محل نقاش، من بينها قضية الأداءات غير القانونية التي كانت تُفرض على بعض الوافدين عند مدخل المحطة، وغيرها من الممارسات التي أثارت جدلاً واسعاً.

ولا يكتفي الكتاب برصد السلبيات، بل ينصف أيضاً كل من ساهم في خدمة المسافرين والحفاظ على استمرارية هذا المرفق لعقود طويلة، حيث يقدم صورة متوازنة عن واقع المحطة، بما حملته من إيجابيات وسلبيات، ومن قصص نجاح وإخفاق، ومن مواقف إنسانية نبيلة وأخرى مؤلمة.

لقد كانت المحطة فضاءً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية بشكل واضح، حتى أصبح القطاع غير المهيكل، في كثير من الأحيان، أكثر حضوراً وتأثيراً من القطاع المهيكل، وهو ما انعكس على طبيعة النشاط التجاري والخدمات المقدمة داخلها. كما عرف بعض التجار ارتفاعاً غير مبرر في الأسعار، وشهدت بعض المرافق ممارسات لم تكن تليق بصورة مدينة سياحية عالمية كمراكش، إضافة إلى وجود حالات فردية لسوء معاملة بعض الزبائن من طرف قلة من العاملين، وهي ممارسات لا يمكن تعميمها على الجميع، لكنها تركت أثراً سلبياً في ذاكرة عدد من المرتفقين.

ومن جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن المحطة الطرقية باب دكالة دون التوقف عند الحوادث الليلية التي كانت تقع بين الفينة والأخرى، والتي شكلت جانباً من الواقع الأمني والاجتماعي للمكان، وهي أحداث وثقها الكتاب باعتبارها جزءاً من التاريخ، بعيداً عن أي رغبة في التشهير أو تصفية الحسابات، وإنما من أجل حفظ الذاكرة الجماعية كما عاشها الناس.

إن التاريخ لا يكتب فقط بما هو جميل، وإنما يكتب أيضاً بما هو مؤلم، لأن الحقيقة لا تكتمل إلا بجمع وجهيها. ولذلك فإن كل من مر من هذا المكان، سواء ترك أثراً إيجابياً أو سلبياً، فقد أصبح جزءاً من ذاكرة المحطة، وستظل بصماته حاضرة في صفحات التاريخ، باعتبارها شاهداً على مرحلة اجتماعية واقتصادية عاشتها مدينة مراكش.

ومن هنا تكتسب قيمة كتاب "نقطة النهاية بمقهى الزوار"، فهو ليس كتاباً عن مقهى أو محطة طرقية فحسب، بل هو شهادة تاريخية توثق نهاية حقبة امتدت لعشرات السنين، وتؤرخ لتحولات عرفها المجتمع المراكشي، وتدعو الباحثين والمهتمين إلى قراءة هذه التجربة بمنهج علمي، لفهم العلاقة بين المرافق العمومية، والاقتصاد المحلي، والتحولات الاجتماعية، والذاكرة الجماعية.

فقد تنتهي البنايات، وتغلق المحطات، وتتغير الخرائط العمرانية، لكن الذاكرة لا تُهدم، والتاريخ لا يُمحى، والشهادات الصادقة تبقى مراجع للأجيال القادمة، يستنطقون من خلالها واقعاً مضى، ويستخلصون منه الدروس والعبر. ومن هذا المنطلق، سيظل كتاب "نقطة النهاية بمقهى الزوار" وثيقة توثق جانباً مهماً من تاريخ المحطة الطرقية باب دكالة، ومن تاريخ مدينة مراكش، ليبقى شاهداً على زمن لن يتكرر، وعلى معلمة اجتماعية واقتصادية تركت بصمتها في وجدان المدينة وسكانها

 



الأحد، 26 يوليو 2026

الأفكار وصناعة المصير: دراسة في العلاقة بين العمليات المعرفية والسلوك الإنساني والتشكيل الاجتماعي

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تنطلق معظم النظريات المعاصرة في علم النفس المعرفي من أن الفكر يمثل المنطلق الأول للسلوك الإنساني، وأن الكلمات ليست سوى انعكاس للبنية الذهنية التي تشكل الإدراك والوعي. فالأفكار توجه الانفعالات، والانفعالات تؤثر في القرارات، والقرارات تتراكم لتصنع المسار الشخصي والاجتماعي للإنسان.

وفي علم الاجتماع، لا يُنظر إلى الفكر باعتباره نشاطاً فردياً معزولاً، بل باعتباره نتاجاً للتفاعل بين الفرد وبيئته الثقافية والاجتماعية، حيث تتشكل القيم والمعتقدات التي تنعكس في الخطاب والسلوك. ومن هنا يصبح ضبط الأفكار ومراجعتها ممارسة معرفية وأخلاقية تسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على اتخاذ قرارات رشيدة.

إن صناعة المصير لا تبدأ عند لحظة اتخاذ القرار، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ في الكيفية التي يُنتج بها الإنسان أفكاره، ويحلل بها الواقع، ويعيد بناء تصوراته عن ذاته والعالم. لذلك فإن تنمية التفكير النقدي، والوعي بالتحيزات المعرفية، والقدرة على إدارة الحوار الداخلي، تمثل ركائز أساسية في بناء مستقبل الفرد والمجتمع.

وعليه، فإن مراقبة الأفكار ليست مجرد دعوة أخلاقية، بل هي استراتيجية علمية تستند إلى مبادئ علم النفس المعرفي، وعلم الاجتماع، والفلسفة، تؤكد أن جودة الفكر هي الأساس الذي تُبنى عليه جودة الكلمة، وجودة الفعل، ومن ثم جودة 


الجمعة، 24 يوليو 2026

التعليم الخصوصي بين الرسالة التربوية والمنطق التجاري: دراسة سوسيولوجية في أزمة القيم وهيمنة ثقافة النقطة

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

هذا التحول من "التربية والتعليم" إلى "التعليم لأجل النقطة" هو أحد أعقد الإشكاليات التي تواجه المنظومات التعليمية الحديثة، وتحديداً في قطاع التعليم الخصوصي (الخاص). لقد تحول التعليم في سياقات متعددة من "رسالة تربوية" إلى "سلعة تجارية"، حيث أصبح المعدل الرقمي هو المنتج الذي يشتريه الولي، والنجاح الشكلي هو الخدمة التي تقدمها المؤسسة.

​تسليع الوعي وسقوط "التربية": تفكيك البنية التجارية للتعليم الخصوصي وأزمة النقطة المستأجرة

​1. الإطار المفاهيمي: من "التربية والتعليم" إلى "الزبونية التربوية"

​تاريخياً، ارتبطت فلسفة التعليم ببناء الإنسان. لغوياً واصطلاحياً، تتقدم "التربية" (التي تعني النماء، والتنشئة على القيم والأخلاق) على "التعليم" (شحن الذهن بالمعارف). هذا الترتيب ليس ترفاً لفظياً، بل هو اعتراف بأن المعرفة بلا أخلاق قد تنتج "ذكاءً تدميرياً" أو كائناً آلياً يفتقر للحس الإنساني.

​ومع ذلك، تعيش بعض المؤسسات التعليمية الخاصة اليوم ما يسميه علماء الاجتماع بـ "التسليع الكامل للتعليم" (Commodification of Education). في هذا النموذج:

​الطالب: يتحول من "متعلم" يُبنى وعيه إلى "منتَج" يجب تلميعه.

​الولي: يتحول من "شريك تربوي" إلى "زبون مستهلك" (Consumer).

​المؤسسة: تتحول من "فضاء قيمي" إلى "شركة خدمية" تخضع لقانون العرض والطلب.

​2. أسباب تحول اهتمام الآباء: سيكولوجية "النقطة المقابلة للمال"

​ينطلق الآباء الذين يركزون على النقطة فقط من عدة ضغوطات نفسية واجتماعية:

​متلازمة "عقد البيع والشراء": عندما يدفع الأب واجباً شهرياً مرتفعاً، يتولد لديه وعي استهلاكي لا شعوري: "أنا أدفع، إذن ابني يجب أن يحصل على أعلى ميزة". يُصبح التعامل مع الأخلاق والتربية عبئاً ثانوياً، لأن الولي يرى أن الأخلاق مسؤولية البيت أو أنها "لا تشتري مقعداً في كليات الطب والهندسة".

​سوسيولوجيا الوجاهة والمظاهر (Social Status): في مجتمعاتنا المعاصرة، أصبحت النقطة المرتفعة أداة للمفاخرة الاجتماعية بين العائلات. إنها تمنح الآباء شعوراً زائفاً بالنجاح في الاستثمار التربوي.

​قلق المستقبل وضغط "الامتحانات الإشهادية": يرى الآباء أن سوق الشغل ومعاهد التعليم العالي لا تحاسب الطالب على حسن خلقه، بل على عتبات الانتقاء (Seuils de sélection) والمعدلات الرقمية. هذا الخوف يبرر لديهم الانتهازية التربوية: "النجاح أولاً، والأخلاق لاحقاً".

​3. لماذا تخلت المؤسسات الخاصة عن دورها الريادي؟

​إن انسحاب بعض مدارس التعليم الخصوصي من الدور التربوي يعود لبنية اقتصادية وتنظيمية صرفة:

​ميكانيزمات السوق والرقابة الرأسمالية: تعيش المدارس الخاصة منافسة شرسة. المعيار الوحيد المستقطب للزبائن الجدد هو "نسبة النجاح ونسب الميزات العالية (حسن جداً)". المدرسة التي تطبق انضباطاً أخلاقياً صارماً قد تُغضب "الزبون" (الابن أو الأب)، مما يدفعهم لمغادرتها؛ لذا تختار المدرسة المسالمة وتضخيم النقط (Inflation des notes) للحفاظ على مداخيلها.

​هشاشة الوضعية المهنية للمدرسين: في العديد من المؤسسات الخاصة، يفتقر الأساتذة للأمان الوظيفي ويشتغلون بعقود مؤقتة. هذا يجعل الأستاذ حلقة ضعيفة لا يستطيع فرض سلطته التربوية أو تقويم سلوك التلميذ المنحرف خوفاً من شكوى الوالد (الزبون) وإدارة المؤسسة التي قد تضحي بالأستاذ لإرضاء الممول.

​غياب الإعداد البيداغوجي للقيم: تركز المناهج في هذه المؤسسات على الحشو المعرفي والتدريب الآلي على الامتحانات، مع إفراغ الزمن المدرسي من الأنشطة الموازية (المسرح، السينما، العمل التطوعي) التي تبني الأخلاق والروح النقدية.

​4. المرجعيات والدلائل العلمية والسوسيولوجية

​تستند هذه القراءة إلى أدبيات علمية رصينة ناقشت أزمة التعليم المعاصر:

​مفهوم "إعادة الإنتاج" (Pierre Bourdieu): يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن التعليم تحول إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي عبر ما يسميه "رأس المال الثقافي والمدرسي". في المدارس الخاصة، تصبح النقطة شكلاً من أشكال الرأسمال الذي يُشترى لتأمين مكانة اجتماعية، بغض النظر عن البناء القيمي.

​تسليع التعليم (Henry Giroux): يوضح المفكر الأمريكي هنري جيرو في نظريته حول "البيداغوجيا النقدية" كيف أن النيوليبرالية حوّلت المدارس إلى "مراكز تسوق"، حيث يُقاس النجاح بالأرقام والمردودية الاقتصادية، وتُقبر قيم المواطنة والأخلاق والعدالة الاجتماعية.

​تقارير المجلس الأعلى للتربية والتخلق والبحث العلمي (سياقات إقليمية): تؤكد العديد من التقارير الرسمية الوطنية والدولية (مثل تقارير البنك الدولي حول التعليم) على وجود فجوة كبيرة بين "التحصيل العددي الشكلي" وبين "المهارات الحياتية والقيمية" (Soft Skills & Ethics)، مشيرة إلى أن الإفراط في الخصخصة دون دفاتر تحملات صارمة تؤطر الجانب القيمي يؤدي إلى تآكل الوظيفة التربوية للمدرسة.

​5. تداعيات الأزمة: "مواطنون بلا بوصلة"

​إن إنتاج جيل بمعدلات عالية وأخلاق منخفضة يترتب عنه كوارث مجتمعية بنيوية:

​الغش المقنن: عندما يرى الطالب أن والديه والمؤسسة يبررون له كل السبل من أجل النقطة، ينشأ على ثقافة الانتهازية والفساد (الغاية تبرر الوسيلة).

​الإنتاجية الجافة: تخرج المدارس كفاءات تقنية (أطباء، مهندسون، محامون) يمتلكون المهارة المعرفية لكنهم يفتقرون للضمير المهني والإنساني، مما يرفع معدلات الرشوة والجشع.

​خلاصة واستشراف

​إن شعارات وزارات التربية والتعليم ستبقى حبراً على ورق ما لم يتم فصل الفعل التربوي عن المنطق التجاري الربحي. يحتاج التعليم الخصوصي إلى منظومة تقييم خارجية صارمة ومستقلة تمنع "تضخيم النقط المفتعل"، وإلى ترسانة قانونية تحمي كرامة المدرس وسلطته الاعتبارية داخل الفصل، ليعود أستاذاً ومربياً، لا مجرد "مُقدّم خدمة" لزبون يملك المال.

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

دور الأم في زرع القيم: قراءة أكاديمية في التنشئة الأسرية وبناء الشخصية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش ..

تُعد الأسرة المؤسسة الاجتماعية الأولى التي يتلقى فيها الإنسان مبادئ الحياة وقواعدها، وهي البيئة التي تتشكل فيها ملامح الشخصية الإنسانية منذ سنواتها الأولى. وإذا كانت الأسرة هي الحاضنة الأساسية للتنشئة الاجتماعية، فإن الأم تمثل ركيزتها المحورية، لما تضطلع به من أدوار تربوية ونفسية وأخلاقية لا يمكن الاستغناء عنها في بناء الفرد وإعداد المواطن الصالح.

لقد أثبتت الدراسات في علم الاجتماع وعلم النفس التربوي أن السنوات الأولى من عمر الطفل تعد المرحلة الأكثر تأثيرًا في تكوين منظومته القيمية، حيث يكون أكثر قابلية لاكتساب السلوكيات والاتجاهات من خلال الملاحظة والتقليد والتفاعل اليومي مع الأم، التي تمثل النموذج الأول الذي يحتذي به الطفل في حياته.

أولًا: مفهوم القيم وأهميتها

القيم هي مجموعة المبادئ والمعايير الأخلاقية والاجتماعية والدينية التي توجه سلوك الإنسان، وتمكنه من التمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، والصواب والخطأ. وتمثل القيم الضابط الأساسي للعلاقات الإنسانية، كما تشكل أساس استقرار المجتمعات واستمرارها.

وتشمل القيم:

القيم الدينية.

القيم الأخلاقية.

القيم الاجتماعية.

القيم الوطنية.

القيم الإنسانية.

وكلما ترسخت هذه القيم في شخصية الفرد، أصبح أكثر قدرة على تحمل المسؤولية واحترام الآخرين والإسهام في تنمية المجتمع.

ثانيًا: الأم باعتبارها المدرسة الأولى

يقول الشاعر حافظ إبراهيم:

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعبًا طيب الأعراق.

ولم يكن هذا الوصف مجرد تعبير أدبي، بل أصبح حقيقة تؤكدها البحوث العلمية؛ فالأم هي أول من يحتضن الطفل، وأول من يسمع صوته، وأول من يغرس في نفسه معاني الرحمة والمحبة والانتماء.

ومن أهم وظائفها:

غرس العقيدة الصحيحة والقيم الدينية.

تعليم الصدق والأمانة والإخلاص.

تنمية الاحترام والتسامح.

تدريب الطفل على تحمل المسؤولية.

ترسيخ قيم النظام والانضباط.

ثالثًا: أساليب الأم في زرع القيم

1. القدوة الحسنة

يعد السلوك العملي للأم أكثر تأثيرًا من التوجيهات اللفظية؛ فالطفل يتعلم بالمشاهدة أكثر مما يتعلم بالكلام.

2. الحوار

الحوار الهادئ يساعد الطفل على فهم أسباب السلوك الصحيح، ويشجعه على التفكير والنقاش واحترام الرأي الآخر.

3. التعزيز الإيجابي

الثناء والتشجيع والمكافأة من الوسائل الفعالة لترسيخ السلوك القيمي الإيجابي.

4. القصص

تعد القصص القرآنية والسيرة النبوية وقصص الصالحين من أهم الوسائل لترسيخ الفضائل والقيم.

5. التربية بالممارسة

تدريب الطفل على الصدقة، ومساعدة المحتاج، واحترام الكبير، والمحافظة على البيئة يجعل القيم تتحول إلى سلوك دائم.

رابعًا: التحديات التي تواجه الأم

في العصر الحديث تواجه الأم تحديات عديدة، من أهمها:

التأثير المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي.

ضعف التواصل الأسري.

انشغال الوالدين بالعمل.

انتشار بعض المحتويات المخالفة للقيم.

تراجع دور المؤسسات التربوية في ترسيخ الأخلاق.

وهذه التحديات تجعل مسؤولية الأم أكثر أهمية، لأنها مطالبة بتوجيه أبنائها نحو الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، وتنمية التفكير النقدي، وترسيخ الهوية الدينية والوطنية.

خامسًا: الأبعاد النفسية والاجتماعية لدور الأم

يرى علماء النفس أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الحب والاحتواء يكتسب الثقة بالنفس والاستقرار الانفعالي، بينما يؤكد علماء الاجتماع أن الأسرة القائمة على القيم تنتج أفرادًا أكثر التزامًا بالقانون وأكثر قدرة على الاندماج الإيجابي داخل المجتمع.

ومن هنا فإن نجاح الأم في التربية القيمية ينعكس على المجتمع بأسره، من خلال انخفاض معدلات الانحراف والجريمة والعنف، وتعزيز روح التعاون والانتماء والمسؤولية.

سادسًا: مسؤولية مشتركة

ورغم المكانة المحورية للأم، فإن غرس القيم مسؤولية تشاركية بين الأب والأم، والمدرسة، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني. غير أن الأم تظل حجر الأساس الذي تبدأ منه عملية البناء الأخلاقي.

إن الأمم لا تبنى بالثروات وحدها، وإنما تبنى بالإنسان الصالح، والإنسان الصالح تصنعه التربية السليمة. وتبقى الأم صاحبة الدور الأبرز في صناعة الأجيال، لأنها تغرس في نفوس أبنائها بذور الإيمان، والأخلاق، والصدق، والانتماء، والمسؤولية. فإذا صلحت التربية داخل الأسرة، صلح المجتمع، وإذا ضعفت منظومة القيم داخل البيت، ظهرت آثار ذلك في مختلف مناحي الحياة.

ومن ثم، فإن الاستثمار الحقيقي لأي أمة يبدأ من الاستثمار في الأم، علمًا وتأهيلًا ودعمًا، لأنها ليست فقط مربية لأبنائها، بل هي صانعة المستقبل وحارسة القيم، وبانية الحضارات.