الاثنين، 18 مايو 2026

المغرب بين أزمة الثقة واحتقان الشارع.. هل تنجح الدولة في استعادة أمل

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة المغربية بقيادة عزيز أخنوش الحديث عن مؤشرات النمو وبرامج التنمية والإصلاحات الاجتماعية، تتسع في المقابل دائرة القلق داخل الأوساط الشعبية، خاصة وسط فئة الشباب التي أصبحت تعيش حالة متزايدة من الإحباط وفقدان الثقة في الوعود السياسية والاقتصادية المتكررة.
فبين الخطاب الرسمي الذي يروج لتحسن الأوضاع، والواقع اليومي الذي يعيشه ملايين المواطنين، تبدو الفجوة أكبر من أي وقت مضى.
الشباب المغربي، الذي كان يُنظر إليه باعتباره ركيزة المستقبل ومحرك التنمية، يجد نفسه اليوم أمام تحديات قاسية تتعلق بالبطالة وغلاء المعيشة وضعف فرص الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، في ظل شعور متنامٍ بأن السياسات العمومية لم تعد قادرة على الاستجابة لتطلعاته الحقيقية.
وتشير عدة تقارير وطنية ودولية إلى استمرار ارتفاع نسب البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، مقابل انتشار أنماط من العمل الهش والمؤقت الذي لا يوفر الحد الأدنى من الاستقرار أو الكرامة المهنية.
كما أصبحت مشاهد الهجرة السرية ومحاولات الفرار نحو الضفة الأخرى تعكس بوضوح حجم اليأس الذي يدفع عدداً من الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج الوطن، بعدما فقدوا الثقة في إمكانية تحقيق أحلامهم داخله.
وفي مقابل هذه المعاناة، يتزايد الجدل حول ما يعتبره كثير من المواطنين “خطاباً رسمياً منفصلاً عن الواقع”، حيث تستمر الحكومة في الحديث عن نجاحات اقتصادية وبرامج اجتماعية، بينما يواجه المواطن البسيط ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار وتراجعاً حاداً في القدرة الشرائية، إضافة إلى تنامي الإحساس بوجود احتكار اقتصادي وهيمنة لوبيات المال والنفوذ على قطاعات حيوية.
ويرى متابعون للشأن العام أن الأزمة الحالية لم تعد مرتبطة فقط بالجانب الاقتصادي، بل تحولت إلى أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والمؤسسات السياسية.
فكثير من الشباب لم يعد مقتنعاً بجدوى المشاركة السياسية أو بالخطابات الانتخابية التي تتكرر في كل محطة دون أن تنعكس بشكل ملموس على حياته اليومية.
كما أن استمرار الحديث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد دون نتائج واضحة على أرض الواقع، ساهم في تعميق الشعور بالإحباط لدى فئات واسعة من المجتمع، خاصة مع تزايد الإحساس بأن الاستفادة من ثروات البلاد وفرصها الاقتصادية ما تزال محصورة في دائرة ضيقة من المستفيدين والمقربين.
وفي ظل هذا الوضع، ترتفع أصوات شبابية تطالب بإصلاحات عميقة تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتدعو إلى إطلاق نموذج اقتصادي أكثر إنصافاً، قادر على خلق فرص شغل حقيقية وتحسين أوضاع التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
كما يوجه عدد من الشباب نداءات مباشرة إلى محمد السادس من أجل التدخل لإعادة الثقة والأمل، عبر اتخاذ قرارات قوية تضع حداً للفساد والاحتكار، وتعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية الشابة للمشاركة الفعلية في صناعة القرار.
ويؤكد كثير من المتابعين أن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الخطابات والشعارات، بل يحتاج إلى سياسات واقعية تُشعر المواطن بأن الدولة تنصت إلى مطالبه وتتعامل بجدية مع معاناته اليومية.
فالدول القوية لا تُبنى فقط بالمؤسسات والبنيات التحتية، بل أيضاً بالثقة والعدالة والشعور بالكرامة والانتماء.
وعندما يفقد الشباب الأمل في المستقبل، تصبح الحاجة إلى الإصلاح الحقيقي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن المغرب اليوم أمام مرحلة دقيقة تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة السياسية والجرأة في اتخاذ القرارات، لأن استمرار الاحتقان الاجتماعي واتساع فجوة الثقة قد يفرضان تحديات أكبر خلال السنوات المقبلة.
ويبقى الرهان الأساسي هو قدرة الدولة والمؤسسات على تحويل مطالب الشباب من مجرد شعارات مرفوعة في الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي إلى سياسات عملية تعيد الأمل وتؤسس لمغرب أكثر عدلاً وإنصافاً وتوازناً.



السبت، 16 مايو 2026

إدارة الموارد البشرية: ركيزة التنمية المؤسسية وبناء الكفاءات في العصر الحديث


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

أصبحت إدارة الموارد البشرية في العصر الحديث من أهم الركائز الاستراتيجية التي تقوم عليها المؤسسات، سواء كانت حكومية أو خاصة، إنتاجية أو خدمية. فلم يعد العنصر البشري مجرد أداة تنفيذ داخل المؤسسة، بل تحول إلى رأس المال الحقيقي الذي يحدد قدرة المنظمة على الاستمرار، المنافسة، والابتكار. وقد أكدت التجارب الاقتصادية العالمية أن المؤسسات الناجحة هي التي تستثمر في الإنسان قبل استثمارها في التكنولوجيا أو البنية التحتية.

ويُعرّف “Gary Dessler” إدارة الموارد البشرية بأنها:

“مجموعة السياسات والممارسات المرتبطة بتوظيف الأفراد وتدريبهم وتحفيزهم وتقييم أدائهم بما يحقق أهداف المؤسسة.”

كما تؤكد منظمة العمل الدولية أن المورد البشري يمثل “الثروة الأكثر استدامة داخل أي اقتصاد حديث”.

أولًا: مفهوم إدارة الموارد البشرية

التعريف العلمي

إدارة الموارد البشرية هي عملية تخطيط وتنظيم وتوجيه ومراقبة الأنشطة المتعلقة بالأفراد داخل المؤسسة، بهدف تحقيق أعلى درجات الكفاءة والإنتاجية، مع ضمان رضا الموظفين وتطوير قدراتهم.

وتشمل:

التخطيط للموارد البشرية.

الاستقطاب والتوظيف.

التدريب والتطوير.

إدارة الأداء.

التعويضات والمزايا.

العلاقات المهنية.

التحفيز والاحتفاظ بالمواهب.

ثانيًا: أهمية إدارة الموارد البشرية

1. تحقيق أهداف المؤسسة

الموارد البشرية الفعالة تساعد المؤسسة على:

رفع الإنتاجية.

تحسين جودة الخدمات.

تحقيق التنافسية.

تعزيز الابتكار.

وقد أظهرت دراسة لـشركة McKinsey & Company أن المؤسسات التي تستثمر في تطوير موظفيها تحقق أرباحًا أعلى بنسبة تفوق 20% مقارنة بالمؤسسات التقليدية.

2. تنمية رأس المال البشري

يرى الاقتصادي الأمريكي Theodore Schultz أن:

“الاستثمار في الإنسان هو أساس التنمية الاقتصادية.”

فالتكوين المستمر والتدريب يرفعان:

المهارات المهنية.

القدرة على الابتكار.

جودة اتخاذ القرار.

3. تعزيز الاستقرار المؤسسي

كلما كانت إدارة الموارد البشرية ناجحة، كلما انخفضت:

نسبة النزاعات الداخلية.

معدل الاستقالات.

ضعف الأداء الوظيفي.

ثالثًا: وظائف إدارة الموارد البشرية

1. التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية

يهدف إلى:

تحديد احتياجات المؤسسة الحالية والمستقبلية.

دراسة سوق الشغل.

مواءمة الكفاءات مع أهداف المؤسسة.

أهميته:

يساعد على تجنب:

الخصاص في الموارد البشرية.

التوظيف العشوائي.

الهدر المالي.

2. الاستقطاب والاختيار

تُعد عملية استقطاب الكفاءات من أهم وظائف إدارة الموارد البشرية.

مراحل التوظيف:

الإعلان عن الوظيفة.

فرز السير الذاتية.

المقابلات.

الاختبارات المهنية.

اختيار الأنسب.

معايير الاختيار:

الكفاءة.

الخبرة.

القدرة على العمل الجماعي.

الانسجام مع ثقافة المؤسسة.

وقد أثبتت دراسات Harvard Business Review أن سوء التوظيف يكلف المؤسسات خسائر مالية وإدارية كبيرة.

3. التدريب والتطوير

التدريب هو عملية رفع كفاءة الموظفين عبر:

الدورات التكوينية.

التأهيل المستمر.

التدريب الميداني.

تطوير المهارات الرقمية.

أهمية التدريب

يساهم في:

تحسين الأداء.

مواكبة التطورات التكنولوجية.

إعداد القيادات المستقبلية.

مثال عالمي

تعتمد Google سياسة تدريب مستمرة لموظفيها، ما جعلها من أكثر المؤسسات ابتكارًا عالميًا.

4. إدارة الأداء

تقوم على:

وضع أهداف واضحة.

تقييم الإنجاز.

تقديم التغذية الراجعة.

تحفيز الموظفين.

أدوات التقييم:

مؤشرات الأداء KPI.

المقابلات المهنية.

التقارير الدورية.

5. إدارة التعويضات والمزايا

تشمل:

الأجور.

الحوافز.

التأمين الصحي.

الترقيات.

المكافآت.

الهدف:

تحقيق:

العدالة المهنية.

الاستقرار الوظيفي.

جذب الكفاءات.

6. إدارة علاقات الموظفين

تهدف إلى:

خلق بيئة عمل إيجابية.

تعزيز الثقة داخل المؤسسة.

حل النزاعات المهنية.

ويؤكد عالم الإدارة Elton Mayo أن:

“العلاقات الإنسانية الجيدة داخل العمل ترفع الإنتاجية أكثر من الرقابة الصارمة.”

7. الاحتفاظ بالمواهب

أصبحت المنافسة اليوم قائمة على الكفاءات.

وسائل الاحتفاظ بالمواهب:

التحفيز.

فرص الترقية.

بيئة عمل جيدة.

المرونة المهنية.

التقدير المعنوي.

8. تحليل البيانات واتخاذ القرار

دخلت التكنولوجيا بقوة إلى إدارة الموارد البشرية عبر:

الذكاء الاصطناعي.

تحليل البيانات.

أنظمة الموارد البشرية الرقمية HRM.

أهمية التحليل الرقمي:

يساعد في:

قياس الأداء.

توقع الاحتياجات.

تقليل الأخطاء.

اتخاذ قرارات دقيقة.

رابعًا: التحديات المعاصرة لإدارة الموارد البشرية

1. التحول الرقمي

فرضت الثورة الرقمية تحديات جديدة مثل:

العمل عن بعد.

الأمن المعلوماتي.

الأتمتة.

2. هجرة الكفاءات

تعاني العديد من الدول النامية من:

نزيف الأدمغة.

ضعف التحفيز.

قلة فرص التطور.

3. التغيرات الاقتصادية

الأزمات الاقتصادية تؤثر على:

التشغيل.

الاستقرار المهني.

الأجور.

4. الذكاء الاصطناعي

رغم إيجابياته، فإنه يفرض:

إعادة تأهيل الموظفين.

اكتساب مهارات جديدة.

التكيف مع الوظائف الحديثة.

خامسًا: إدارة الموارد البشرية في المغرب

شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بإصلاح الإدارة العمومية وتحديث الموارد البشرية.

من أبرز الإصلاحات:

الرقمنة الإدارية.

اعتماد الحكامة الجيدة.

ربط المسؤولية بالمحاسبة.

التكوين المستمر.

كما أكدت عدة خطب ملكية لصاحب الجلالة محمد السادس على أهمية:

الكفاءة.

تخليق الإدارة.

ربط التنمية بالعنصر البشري.

سادسًا: أثر إدارة الموارد البشرية على التنمية

اقتصاديًا

تساهم في:

رفع الإنتاج.

جذب الاستثمار.

تحسين التنافسية.

اجتماعيًا

تساعد على:

تقليل البطالة.

تحقيق الاستقرار الاجتماعي.

تعزيز العدالة المهنية.

إداريًا

تؤدي إلى:

تحسين الحكامة.

رفع جودة الخدمات.

تعزيز الشفافية.

سابعًا: نماذج عالمية ناجحة

النموذج الياباني

يعتمد على:

الولاء المؤسسي.

العمل الجماعي.

التدريب المستمر.

النموذج الأمريكي

يركز على:

الكفاءة.

الابتكار.

المنافسة.

النموذج الإسكندنافي

يقوم على:

العدالة الاجتماعية.

التوازن بين العمل والحياة.

رفاه الموظفين.

ثامنًا: نظريات علمية داعمة

1. نظرية ماسلو للحاجات

يرى Abraham Maslow أن الإنسان يحتاج إلى:

الحاجات الفيزيولوجية.

الأمن.

الانتماء.

التقدير.

تحقيق الذات.

وتساعد إدارة الموارد البشرية على تلبية هذه الحاجات داخل المؤسسة.

2. نظرية ماكغريغور

قسم Douglas McGregor الموظفين إلى:

نظرية X: الإنسان كسول ويحتاج للرقابة.

نظرية Y: الإنسان مبدع إذا توفرت الظروف المناسبة.

تاسعًا: مؤشرات نجاح إدارة الموارد البشرية

من أهم المؤشرات:

نسبة الإنتاجية.

رضا الموظفين.

انخفاض الاستقالات.

جودة الخدمات.

الابتكار.

تحقيق الأهداف الاستراتيجية.


وفي الختام : إن إدارة الموارد البشرية لم تعد وظيفة إدارية تقليدية، بل أصبحت علمًا استراتيجيًا يحدد مصير المؤسسات والدول. فنجاح أي مشروع تنموي أو اقتصادي يرتبط أساسًا بمدى الاستثمار في الإنسان، باعتباره المحرك الحقيقي للإبداع والإنتاج والتغيير.

وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، فإن المؤسسات التي تراهن على الكفاءة، التكوين، والتحفيز، ستكون الأكثر قدرة على الاستمرار والمنافسة. لذلك، فإن بناء إدارة موارد بشرية حديثة وفعالة يشكل مدخلًا أساسيًا لتحقيق التنمية المستدامة والحكامة الجيدة.

“الموارد البشرية ليست تكلفة داخل المؤسسة، بل هي الاستثمار الأكثر ربحًا على المدى البعيد.”


ذكرى 16 ماي 2003.. حين انتصر المغرب على الإرهاب بوحدة شعبه

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

كلمة بمناسبة الذكرى الأليمة لأحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء : تحلّ علينا ذكرى السادس عشر من ماي 2003، تلك الذكرى الأليمة التي ستظل محفورة في الذاكرة الوطنية للمملكة المغربية، حين امتدت يد الغدر والإرهاب لتستهدف أمن الوطن واستقراره بمدينة الدار البيضاء، مخلفةً شهداء أبرياء وجرحًا عميقًا في وجدان كل المغاربة.
لقد شكّلت تلك الأحداث الإرهابية لحظة صعبة ومؤلمة في تاريخ المغرب الحديث، لكنها في المقابل أظهرت قوة تلاحم الشعب المغربي خلف العرش العلوي المجيد، ووحدة الأمة المغربية في مواجهة كل أشكال التطرف والكراهية والعنف.
وفي هذه المناسبة، نستحضر بكل إجلال أرواح الضحايا الأبرياء، ونعبر عن تضامننا الدائم مع أسرهم وذويهم، كما نثمّن التضحيات الجسيمة التي قدمتها مختلف الأجهزة الأمنية والقوات العمومية، التي واصلت بكل يقظة وإخلاص الدفاع عن أمن الوطن وسلامة المواطنين.
إن المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، اختار منذ ذلك الحين نهجًا متوازنًا يجمع بين الحزم الأمني، والإصلاح الديني، والتنمية البشرية، وترسيخ قيم الاعتدال والتسامح، وهو ما جعل المملكة نموذجًا في محاربة الإرهاب والتطرف وصون الاستقرار.
وتبقى ذكرى 16 ماي درسًا جماعيًا يؤكد أن الإرهاب لا دين له ولا وطن، وأن حماية الوطن مسؤولية مشتركة تستوجب التشبث بقيم المواطنة والوحدة والتسامح، وصيانة أمن المغرب واستقراره في مواجهة كل التحديات.
رحم الله شهداء الوطن، وحفظ الله المملكة المغربية الشريفة، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.


الجمعة، 15 مايو 2026

التزكيات الانتخابية بالمغرب… حين تتحول الأحزاب إلى “وكالات عبور سياسي” بلا هوية ولا مبادئ

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

مرة أخرى، تعود ظاهرة الترحال السياسي والتهافت على التزكيات لتضع المشهد الحزبي المغربي أمام أسئلة محرجة تتعلق بمصداقية العمل السياسي وحدود الأخلاق الحزبية في مرحلة يفترض أنها تؤسس لاستحقاقات ديمقراطية حقيقية. فالواقعة التي تفجرت مؤخرًا، والمتعلقة بظهور مرشح واحد باسم حزبين مختلفين وفي الدائرة الانتخابية نفسها خلال فترة زمنية قصيرة، ليست مجرد حادث عابر أو خطأ في التواصل، بل تعكس أزمة عميقة تضرب البنية السياسية والحزبية بالمغرب.
إن ما حدث بدائرة مولاي رشيد بمدينة الدار البيضاء، بعدما ظهر محمد عدناني أولًا إلى جانب الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله كمرشح باسم الحزب، ثم ظهر بعدها بساعات فقط إلى جانب الأمين العام للحركة الشعبية محمد أوزين باعتباره مرشحًا للحزب نفسه في الدائرة ذاتها، يكشف بوضوح حجم الارتباك والانحدار الذي وصلت إليه بعض الممارسات السياسية والحزبية.
الأخطر من الواقعة نفسها، هو الرسالة السياسية التي تُبعث إلى الرأي العام، ومفادها أن الانتماء الحزبي لم يعد قائمًا على القناعة الفكرية أو المشروع المجتمعي أو التراكم النضالي، بل أصبح في كثير من الأحيان مجرد “قنطرة انتخابية” للوصول إلى المؤسسات المنتخبة، بأي لون سياسي كان، وفي أي اتجاه كانت الرياح الانتخابية تهب.
لقد تحولت بعض الأحزاب، للأسف، من مؤسسات للتأطير السياسي وصناعة النخب إلى فضاءات مفتوحة لاستقطاب “الأعيان الانتخابيين” وأصحاب النفوذ والقدرة على حشد الأصوات، بغض النظر عن الخلفية السياسية أو الانسجام الإيديولوجي أو حتى التاريخ الحزبي للشخص المعني. وأصبح منطق “من يربح المقعد” يتفوق على منطق “من يمثل المشروع السياسي”.
هذه الممارسات لا تسيء فقط لصورة الأحزاب، بل تضرب في العمق مفهوم الديمقراطية التمثيلية، لأن المواطن حين يرى مرشحًا ينتقل بين حزبين في ساعات معدودة، فإنه يقتنع تدريجيًا بأن الصراع الحزبي ليس صراع برامج ورؤى، وإنما مجرد صراع حول المواقع والنفوذ وتقاسم “الكعكة الانتخابية”.
كما أن هذه السلوكيات تفضح التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي للأحزاب وبين واقع ممارساتها اليومية. فالأحزاب التي تتحدث عن تخليق الحياة السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتجديد النخب، هي نفسها التي تفتح أبوابها في اللحظات الأخيرة لكل من يملك وزنًا انتخابيًا، حتى وإن كان بلا امتداد نضالي أو تصور سياسي واضح.
والنتيجة الطبيعية لكل هذا، هي تعميق أزمة الثقة بين المواطن والسياسة. فكيف يمكن إقناع الشباب بالانخراط في العمل الحزبي، في وقت أصبحت فيه سنوات النضال والعمل التنظيمي أقل قيمة من القدرة على جلب الأصوات أو النفوذ المالي والانتخابي؟ وكيف يمكن الحديث عن ديمقراطية قوية في ظل استمرار منطق الولاءات الظرفية والتزكيات الموسمية؟
إن المغرب اليوم، وهو مقبل على استحقاقات سياسية مهمة، بحاجة إلى إعادة الاعتبار الحقيقي للفعل السياسي، عبر القطع مع منطق “الترحال الانتخابي المقنع”، وتشديد معايير التزكية، وربط المسؤولية الحزبية بالكفاءة والنزاهة والتراكم النضالي، لا بمنطق المصالح العابرة والتحالفات المناسبة.
لأن استمرار هذا العبث السياسي لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزوف الشعبي، وإلى اتساع الهوة بين المواطن والمؤسسات الحزبية، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا على الثقة في المسار الديمقراطي برمته.

الخميس، 14 مايو 2026

خطاب الذكرى السبعين.. الملك يرسم معالم “جيش المغرب الجديد”

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

قراءة تحليلية صحفية في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية

يشكل الخطاب الذي وجهه الملك محمد السادس إلى أفراد القوات المسلحة الملكية بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيسها، وثيقة سياسية واستراتيجية ذات أبعاد متعددة، تتجاوز الطابع الاحتفالي أو البروتوكولي، لتؤكد مرة أخرى طبيعة التحولات التي يشهدها المغرب على مستوى العقيدة الأمنية والعسكرية والتنموية والاجتماعية.

فالخطاب الملكي جاء في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، يتسم بتنامي التهديدات الأمنية، وتصاعد الحروب السيبرانية، وتغير طبيعة النزاعات الدولية، إلى جانب التحديات المناخية والاقتصادية، وهو ما جعل المؤسسة العسكرية المغربية تنتقل من مجرد مؤسسة دفاعية تقليدية إلى فاعل استراتيجي متعدد الوظائف والأدوار.

أولا: تثبيت العقيدة الوطنية للمؤسسة العسكرية

ركز الخطاب على البعد التاريخي والرمزي للقوات المسلحة الملكية باعتبارها مؤسسة وطنية ضاربة في العمق، ارتبط تأسيسها بمسار بناء الدولة المغربية الحديثة بعد الاستقلال. غير أن الرسالة الأبرز في هذا المحور هي التأكيد على استمرار العقيدة القائمة على:

حماية الوحدة الترابية للمملكة.

الدفاع عن الأمن القومي المغربي.

الارتباط العضوي بين العرش والشعب والقوات المسلحة.

ويلاحظ أن الخطاب أعاد التأكيد ضمنيًا على مركزية قضية الصحراء المغربية داخل العقيدة الدفاعية للمملكة، خاصة عبر الحديث عن حماية الحدود البرية والبحرية والجوية، وهو ما ينسجم مع التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، خصوصًا في ظل الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي.

ثانيا: الجيش المغربي من القوة الصلبة إلى القوة الإنسانية

من أبرز التحولات التي عكسها الخطاب الملكي هو تكريس مفهوم “الجيش المواطن”، حيث لم يعد دور القوات المسلحة يقتصر على الوظيفة العسكرية التقليدية، بل أصبح فاعلًا إنسانيًا واجتماعيًا وتنمويًا.

فالملك أشاد بشكل واضح بتدخلات القوات المسلحة في:

عمليات الإنقاذ والإغاثة خلال الفيضانات.

دعم المناطق المتضررة من التقلبات المناخية.

إنشاء المستشفيات العسكرية الميدانية.

تقديم الخدمات الطبية بالمناطق الجبلية والنائية.

وهنا يظهر بوضوح أن المؤسسة العسكرية المغربية أصبحت جزءًا من منظومة الأمن الشامل، الذي لا يقتصر على الأمن العسكري فقط، بل يشمل الأمن الاجتماعي والإنساني والصحي والمجالي.

كما أن الإشادة بالتنسيق بين القوات المسلحة والدرك والأمن الوطني والوقاية المدنية يعكس توجهًا نحو بناء نموذج مغربي متكامل في تدبير الأزمات والكوارث.

ثالثا: الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني… انتقال نحو جيش المستقبل

الجزء الأكثر أهمية استراتيجيًا في الخطاب يتمثل في حديث الملك عن:

الذكاء الاصطناعي.

الرقمنة.

الأمن السيبراني.

البحث العلمي والتقني.

وهذا المعطى يعكس إدراكًا رسميًا بأن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالسلاح التقليدي، بل بالتكنولوجيا والمعلومة والتفوق الرقمي.

فالخطاب يعلن عمليًا دخول المغرب مرحلة بناء “الجيش الذكي”، القادر على:

مواكبة التحولات العسكرية العالمية.

مواجهة التهديدات الإلكترونية.

تطوير الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.

الاستثمار في الرأسمال البشري العسكري.

وهو توجه ينسجم مع الدينامية التي يعرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة عبر تحديث الترسانة الدفاعية، وتنويع الشراكات العسكرية، والانفتاح على الصناعات الدفاعية المتقدمة.

رابعا: الخدمة العسكرية وإعادة تشكيل الوعي الوطني

الملك محمد السادس أعطى حيزًا مهمًا للخدمة العسكرية، ليس فقط باعتبارها برنامجًا للتكوين، بل باعتبارها مشروعًا لإعادة بناء القيم الوطنية لدى الشباب المغربي.

فالخطاب ربط الخدمة العسكرية بـ:

المواطنة.

الانضباط.

روح المسؤولية.

الاندماج المهني.

التكوين التقني.

وهنا يظهر أن الدولة المغربية تنظر إلى الخدمة العسكرية كآلية استراتيجية لإعادة تأهيل الشباب وربطهم بالدولة والمؤسسات، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.

كما أن الحديث عن التكوين في تخصصات تقنية ومهنية يؤكد أن الخدمة العسكرية أصبحت جزءًا من السياسات العمومية المرتبطة بالتشغيل والتأهيل.

خامسا: البعد الاجتماعي داخل المؤسسة العسكرية

لم يغفل الخطاب الجانب الاجتماعي، إذ أعلن الملك عن:

إنشاء وتجديد مستشفيات عسكرية.

تحسين الرعاية الصحية للعسكريين والمتقاعدين.

إطلاق برنامج سكني ضخم يشمل 60 ألف وحدة سكنية.

وهذا المعطى يحمل دلالتين أساسيتين:

تعزيز الاستقرار الاجتماعي داخل المؤسسة العسكرية.

الحفاظ على معنويات العنصر البشري باعتباره أساس القوة العسكرية.

فالخطاب يربط بوضوح بين تحديث الجيش وتحسين الوضع الاجتماعي للعسكريين، في إطار رؤية تعتبر أن الأمن الاجتماعي للعسكري جزء من الأمن القومي للدولة.

سادسا: المغرب وتعزيز موقعه العسكري والدبلوماسي إقليميا ودوليا

أكد الخطاب استمرار المغرب في:

تعزيز التعاون العسكري الدولي.

توسيع الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف.

الانخراط في جهود الأمن والاستقرار الدوليين.

وهذا يعكس المكانة المتزايدة التي أصبحت تحتلها القوات المسلحة الملكية على المستوى الدولي، سواء في إطار المناورات المشتركة أو التعاون الأمني والعسكري مع عدد من القوى الدولية والإقليمية.

كما أن الخطاب يكرس صورة المغرب كفاعل إقليمي موثوق في قضايا الأمن ومحاربة الإرهاب والهجرة غير النظامية والاستقرار الإقليمي.

خلاصة تحليلية

يمكن القول إن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية لم يكن مجرد خطاب احتفالي، بل خارطة طريق استراتيجية لجيش مغربي جديد، يقوم على:

التحديث التكنولوجي والعسكري.

الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.

البعد الإنساني والاجتماعي.

الاستثمار في العنصر البشري.

تعزيز الأمن القومي الشامل.

توسيع الحضور الإقليمي والدولي للمغرب.

إنه خطاب يؤكد أن المغرب دخل مرحلة إعادة صياغة مفهوم القوة الوطنية، حيث لم تعد المؤسسة العسكرية مجرد أداة دفاعية، بل ركيزة مركزية في مشروع الدولة المغربية الحديثة، أمنيا وتنمويا واستراتيجيا.

من الصحراء إلى مراكش.. هل تحولت التزكيات الحزبية إلى “ترحيل سياسي” للكفاءات أم هروب من اختبار الشعبية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام  للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت ملامح الصراع السياسي تظهر مبكرًا داخل عدد من الأحزاب، خصوصًا مع تداول أسماء مرشحين قادمين من مناطق بعيدة عن الدوائر التي يُرتقب أن يترشحوا فيها. ومن بين الأسماء التي تثير الجدل داخل مدينة مراكش، يبرز اسم الأستاذ المحامي الصباري عن حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب الأستاذ الجامعي بوعيدة، وهما اسمان ينحدران من الأقاليم الجنوبية للمملكة.

وهنا يبرز سؤال سياسي مشروع، يفرض نفسه بقوة داخل النقاش العمومي:

إذا كانت الصحراء المغربية اليوم تعيش على وقع أوراش استراتيجية كبرى، ومكانة دستورية متقدمة، وتحظى بعناية خاصة من الدولة في إطار مشروع الحكم الذاتي، فلماذا لا يختار بعض أبناء الصحراء الترشح داخل مناطقهم الأصلية؟ ولماذا يتم توجيههم نحو مدن مثل مراكش؟

الأمر لا يتعلق هنا بالانتماء الجغرافي أو التشكيك في الكفاءات، فالصحراء المغربية جزء لا يتجزأ من الوطن، وأبناؤها مواطنون كاملو الحقوق في كل ربوع المملكة. لكن النقاش سياسي بامتياز، ويتعلق بمنطق التمثيلية والشرعية الانتخابية، وبحق الساكنة المحلية في معرفة من يمثلها، ومن راكم فعلًا حضورًا ميدانيًا داخل المدينة وهمومها اليومية.

اليوم، تعيش الأقاليم الجنوبية تحولات كبرى على المستوى التنموي والمؤسساتي. الحديث عن الحكم الذاتي لم يعد مجرد شعار سياسي، بل مشروع استراتيجي متكامل، يفتح الباب أمام هندسة مؤسساتية جديدة، وصلاحيات واسعة، وتمثيلية جهوية قوية، وربما مستقبلًا غرفًا جهوية ذات اختصاصات موسعة. وبالتالي، فإن المنطق السياسي الطبيعي يقتضي أن تنخرط الكفاءات الصحراوية في تدبير هذه المرحلة داخل عمقها الجغرافي والسياسي، لا أن تبحث عن “مظلات انتخابية” في مدن أخرى.

وهنا تبدأ الأسئلة الحارقة:

هل يتعلق الأمر بخوف من اختبار الشعبية داخل الصحراء؟

أم أن بعض الأسماء لا تتوفر أصلًا على امتداد انتخابي حقيقي هناك؟

وهل أصبحت بعض الأحزاب تعتبر مراكش مجرد “خزان انتخابي” يمكن إسقاط أي اسم عليه مهما كان بعيدًا عن النسيج المحلي؟

وهل مدينة بحجم مراكش، بتاريخها ونخبها وكفاءاتها الجامعية والسياسية والحقوقية، عاجزة فعلًا عن إنتاج ممثليها؟

إن أخطر ما يهدد العمل السياسي اليوم، ليس فقط ضعف المشاركة، بل أيضًا شعور المواطنين بأن التزكيات تُدار بمنطق التوازنات والولاءات، لا بمنطق الكفاءة والقرب من المواطنين. فعندما يشعر ابن المدينة أن الأحزاب تستورد مرشحين من خارج المجال الترابي، بينما يتم تهميش الطاقات المحلية، فإن الثقة في المؤسسات التمثيلية تتآكل تدريجيًا.

مراكش ليست دائرة انتخابية عابرة، وليست “جائزة ترضية” في صراعات الأحزاب الداخلية. إنها مدينة بتاريخ سياسي وثقافي عريق، أنجبت نخبًا أكاديمية وحقوقية واقتصادية قادرة على تمثيلها والدفاع عن قضاياها. ولذلك فإن أي محاولة لفرض أسماء لا تمتلك جذورًا سياسية أو اجتماعية حقيقية داخل المدينة، ستفتح الباب أمام مواجهة سياسية وأخلاقية مع الرأي العام المحلي.

ثم إن السؤال الأعمق يتجاوز الأشخاص نحو الأحزاب نفسها:

هل ما تزال الأحزاب تؤمن بالديمقراطية الداخلية وربط المسؤولية بالامتداد الشعبي؟

أم أن منطق “الباراشوت السياسي” أصبح هو القاعدة؟

وهل تحولت التزكية إلى قرار فوقي تتحكم فيه موازين النفوذ والمال والعلاقات، بدل أن تكون ترجمة لإرادة المناضلين والساكنة؟

إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نخب تمتلك الشرعية الميدانية، لا فقط الشرعية التنظيمية. فالمواطن المغربي اليوم أصبح أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التمييز بين المرشح الذي يعيش هموم المدينة، والمرشح الذي يُستقدم في آخر لحظة بقرار حزبي مغلق.

وفي النهاية، يبقى الفيصل الحقيقي هو المواطن وصندوق الاقتراع. لكن قبل الوصول إلى ذلك، من حق الرأي العام أن يطرح الأسئلة الصعبة، وأن يناقش بجرأة مستقبل التمثيلية السياسية، خاصة في مرحلة دقيقة تحتاج فيها البلاد إلى تجديد الثقة في العمل الحزبي، وربط السياسة بالكفاءة والشرعية والقرب من المواطنين، لا بمنطق الحسابات الضيقة وإعادة تدوير النخب.


الاثنين، 11 مايو 2026

بين رهانات الدولة وتحولات المرحلة: هل يصبح تأجيل الانتخابات التشريعية بالمغرب خيارًا دستوريًا وسياسيًا مطروحا ؟

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!


يشهد المغرب منذ سنوات تحولات عميقة على المستويات الدستورية والسياسية والجيوسياسية، في ظل إعادة تشكيل أولويات الدولة الوطنية وفق رؤية استراتيجية جديدة يقودها الملك محمد السادس، تقوم على ترسيخ النموذج التنموي الجديد، وتعزيز السيادة الوطنية، وتوسيع مكانة المغرب إقليميًا ودوليًا، مع اقتراب محطة مفصلية مرتبطة بتنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية باعتباره الحل الواقعي والنهائي لقضية الصحراء المغربية.

وفي خضم هذه التحولات، يثار نقاش سياسي وفكري حول مدى جاهزية المشهد الحزبي المغربي لمواكبة هذه المرحلة الدقيقة، وحول إمكانية تأجيل الانتخابات التشريعية المقبلة المقررة سنة 2026، باعتبار ذلك خيارًا دستوريًا وسياسيًا قد تفرضه ضرورات المصلحة العليا للدولة، أو متطلبات إعادة ترتيب الحياة السياسية بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد.

هذا النقاش لا يمكن مقاربته بمنطق الانفعال أو الاصطفاف السياسي الضيق، بل من خلال قراءة أكاديمية ودستورية تستحضر التجارب التاريخية المغربية، وطبيعة النظام الدستوري المغربي، والتحديات الجيوسياسية الراهنة.

أولًا: التحولات العميقة التي يعرفها المغرب

1. انتقال المغرب إلى مرحلة الدولة الاستراتيجية

لم يعد المغرب مجرد دولة تدبر الشأن الداخلي بمنطق التدبير الإداري التقليدي، بل أصبح يتحرك وفق تصور استراتيجي شامل يرتبط بالأمن القومي، والسيادة الاقتصادية، والتموقع الجيوسياسي، والشراكات الدولية الكبرى.

ويتجلى ذلك في عدة مؤشرات:

الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء؛

تنامي الحضور المغربي في إفريقيا؛

التحول نحو اقتصاد استراتيجي قائم على الطاقات المتجددة والصناعة؛

تنزيل النموذج التنموي الجديد؛

تعزيز الصناعات الدفاعية والأمنية؛

مشروع الدولة الاجتماعية؛

التحولات المرتبطة بالأمن الغذائي والمائي.

كل هذه الأوراش تجعل الدولة تتحرك بمنطق “الدولة العميقة الاستراتيجية”، وليس فقط بمنطق التدبير الحكومي اليومي.

2. مشروع الحكم الذاتي كمرحلة مفصلية

يعتبر مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية أحد أكبر المشاريع السياسية والدستورية في تاريخ المغرب المعاصر، لأنه لا يرتبط فقط بقضية ترابية، بل بإعادة تشكيل هندسة الدولة الترابية والمؤسساتية.

ففي حال الانتقال إلى مرحلة تنزيل فعلي وواسع للحكم الذاتي، فإن ذلك سيفرض:

إعادة توزيع الاختصاصات؛

تطوير الجهوية المتقدمة؛

مراجعات قانونية ومؤسساتية؛

إدماج كفاءات جديدة؛

انفتاحًا على عودة عدد من أبناء مخيمات تندوف للمشاركة في البناء المؤسساتي والسياسي.

وهنا يطرح سؤال جوهري: هل النخب الحزبية الحالية مؤهلة فعلاً لمواكبة هذا التحول التاريخي؟

ثانيًا: أزمة الأحزاب السياسية بالمغرب

1. ضعف التأطير السياسي

رغم الأدوار الدستورية التي منحها دستور 2011 للأحزاب السياسية، إلا أن الواقع يكشف استمرار مجموعة من الاختلالات، من أبرزها:

غياب الديمقراطية الداخلية؛

هيمنة منطق الأعيان والمال الانتخابي؛

ضعف التكوين السياسي والفكري؛

غياب النخب الشابة والكفاءات؛

تحوّل بعض الأحزاب إلى آلات انتخابية موسمية.

وقد سبق لـ الملك محمد السادس أن وجّه في عدة خطب انتقادات مباشرة وغير مباشرة للنخب السياسية، داعيًا إلى تجديدها وربط المسؤولية بالكفاءة.

2. الفجوة بين الدولة والأحزاب

أصبح واضحًا لدى جزء من الرأي العام أن الدولة تتحرك بسرعة في ملفات استراتيجية كبرى، بينما ما تزال بعض الأحزاب غارقة في صراعات التزكيات والمقاعد والحسابات الانتخابية الضيقة.

وهذا ما خلق نوعًا من “الانفصال السياسي” بين:

مشروع الدولة الاستراتيجي؛

والممارسة الحزبية التقليدية.

وهو ما يفسر تنامي العزوف السياسي، وضعف الثقة في المؤسسات الوسيطة.

ثالثًا: هل يسمح الدستور المغربي بتأجيل الانتخابات؟

1. من الناحية الدستورية

الدستور المغربي لا ينص بشكل صريح على “تأجيل الانتخابات التشريعية” كخيار عادي، لكنه يتيح مجموعة من الآليات الاستثنائية المرتبطة بالظروف الوطنية الكبرى.

ومن بين المقتضيات التي يمكن أن تؤطر أي نقاش من هذا النوع:

الفصل 59 المتعلق بحالة الاستثناء؛

الفصل 49 المرتبط بالمجلس الوزاري والقضايا الاستراتيجية؛

إمكانية اللجوء إلى تشريعات أو ترتيبات استثنائية إذا اقتضت المصلحة العليا ذلك.

لكن أي تأجيل محتمل يحتاج إلى:

سند دستوري واضح؛

توافق سياسي ومؤسساتي؛

تبرير وطني قوي مرتبط بالاستقرار والمصلحة العليا.

2. التجربة التاريخية لسنة 1989

عرف المغرب خلال عهد الحسن الثاني محطة سياسية مهمة عندما تم تمديد الولاية التشريعية سنة 1989 عبر استفتاء شعبي، في سياق إقليمي ودولي خاص.

وقد بررت تلك الخطوة آنذاك بضرورات مرتبطة بالوحدة الترابية والظروف الوطنية.

لكن السياق الحالي يختلف من عدة جوانب:

المغرب اليوم يتوفر على دستور جديد؛

توجد مؤسسات دستورية أكثر تطورًا؛

هناك وعي حقوقي وسياسي أكبر؛

المجتمع أكثر ارتباطًا بالمسار الديمقراطي.

لذلك فإن أي سيناريو مشابه يجب أن يتم في إطار احترام الشرعية الدستورية والتوافق الوطني.

رابعًا: هل يمكن لحكومة وطنية أن تكون خيارًا مرحليًا؟

تطرح بعض القراءات السياسية فكرة تشكيل “حكومة وطنية” تضم كفاءات سياسية وتقنوقراطية لمواكبة المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب تنزيل أوراش استراتيجية كبرى.

وقد يكون الهدف من ذلك:

توحيد الجبهة الداخلية؛

تسريع الإصلاحات؛

إعادة هيكلة المشهد الحزبي؛

إدماج الكفاءات الوطنية؛

مواكبة تنزيل الحكم الذاتي.

غير أن هذا الخيار بدوره يطرح عدة أسئلة:

هل ستقبل الأحزاب بالتنازل عن الحسابات الانتخابية؟

هل يمكن تحقيق إجماع سياسي واسع؟

هل سيُنظر إلى ذلك كتقوية للمسار الديمقراطي أم كتراجع عنه؟

خامسًا: بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات الديمقراطية

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات الاستراتيجية، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين:

الاستقرار؛

والشرعية الديمقراطية.

فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات، لكنها أيضًا ليست قابلة للتجميد دون مبررات استثنائية قوية.

وفي المقابل، فإن استمرار الممارسة السياسية التقليدية دون إصلاح حقيقي قد يفرغ المؤسسات المنتخبة من مضمونها الاستراتيجي.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى:

إعادة تأهيل الأحزاب؛

ضخ نخب جديدة؛

ربط السياسة بالكفاءة؛

تجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات.

إن النقاش حول احتمال تأجيل الانتخابات التشريعية لسنة 2026 بالمغرب يظل فرضية سياسية مرتبطة بقراءة مرحلة دقيقة من تاريخ الدولة المغربية، مرحلة تتسم بتحولات استراتيجية كبرى داخليًا وخارجيًا.

غير أن أي توجه من هذا النوع ينبغي أن يتم داخل إطار الشرعية الدستورية والتوافق الوطني، بعيدًا عن الحسابات الظرفية أو منطق التحكم السياسي.

فالمغرب اليوم يوجد أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن مواصلة بناء “الدولة الاستراتيجية الجديدة” دون إضعاف المسار الديمقراطي؟

إن التحدي الحقيقي ليس فقط في تنظيم الانتخابات أو تأجيلها، بل في إنتاج نخب سياسية قادرة على مواكبة مغرب التحولات الكبرى، مغرب السيادة، والكفاءة، والعدالة المجالية، والدولة الاجتماعية.

وربما يكون السؤال الأهم اليوم: هل تحتاج المرحلة إلى انتخابات فقط، أم إلى إعادة تأسيس حقيقية للعقل السياسي والحزبي المغربي؟