بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
تشهد العديد من المجتمعات المعاصرة تحولات عميقة تمس البنية القيمية والثقافية والتربوية للأفراد، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على سلوكيات بعض فئات الشباب وعلى أنماط اندماجهم الاجتماعي والاقتصادي. وقد أصبح النقاش العمومي يتناول باستمرار قضايا البطالة والانحراف والجريمة وتعاطي المخدرات والعزوف عن التعليم والعمل، باعتبارها مؤشرات على وجود اختلالات بنيوية تتجاوز البعد الاقتصادي المحض لتلامس الجوانب التربوية والأخلاقية والثقافية.
ومن هذا المنطلق، فإن توصيف الواقع باعتباره مجرد "أزمة اقتصادية" أو "أزمة غلاء" لا يكفي لفهم حجم التحديات المطروحة، لأن المجتمع قد يواجه أحيانا أزمات أعمق تتعلق بتراجع منظومة القيم وضعف التنشئة الاجتماعية وتراجع دور المؤسسات الوسيطة في صناعة المواطن المسؤول. ومن هنا تبرز أهمية دراسة ما يمكن تسميته بـ"أزمة الجيل" باعتبارها ظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل التربوية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
أولا: مفهوم أزمة الجيل في علم الاجتماع
يرى علماء الاجتماع أن الأجيال ليست مجرد فئات عمرية، بل هي نتاج سياقات تاريخية وثقافية معينة. وقد أكد عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم أن كل جيل يتشكل وفق الظروف السياسية والاقتصادية والتربوية التي يعيشها.
وعندما نتحدث عن "أزمة الجيل"، فإننا لا نقصد إدانة الشباب أو تحميلهم مسؤولية جميع الاختلالات، بل نتحدث عن وجود فجوة بين متطلبات المجتمع وبين القدرات والقيم التي تنتجها مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام.
وتتجلى هذه الأزمة في:
ضعف الدافعية نحو التعلم.
انتشار ثقافة الربح السريع.
تراجع قيمة العمل والإنتاج.
تنامي السلوكيات العنيفة والمنحرفة.
ضعف الانتماء للمؤسسات.
انتشار الشعور بالإحباط وفقدان الأمل.
ثانيا: المدرسة والتنشئة الاجتماعية بين الأدوار المنتظرة والنتائج المحققة
تعتبر المدرسة من أهم مؤسسات بناء الإنسان، فهي لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تعمل على غرس القيم وتنمية روح المسؤولية والمواطنة.
غير أن العديد من الدراسات التربوية تشير إلى أن الأنظمة التعليمية التي تعاني من ضعف الجودة وعدم مواكبة التحولات المجتمعية تصبح عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، مما يؤدي إلى:
1. ضعف التحصيل المعرفي
حين يفقد المتعلم الثقة في جدوى التعليم، يتحول التعلم إلى مجرد عملية شكلية لا تنتج كفاءات حقيقية.
2. تراجع التربية على القيم
التركيز المفرط على الجوانب التقنية والمعرفية دون ترسيخ القيم الأخلاقية يجعل المدرسة عاجزة عن تكوين شخصية متوازنة.
3. ارتفاع الهدر المدرسي
كلما ارتفعت معدلات الانقطاع عن الدراسة، ارتفع معها احتمال الانحراف والتهميش الاجتماعي.
ثالثا: التحولات الثقافية وأزمة المعنى لدى الشباب
تعيش الأجيال المعاصرة في ظل ثورة رقمية غير مسبوقة جعلت الشباب عرضة لتدفقات هائلة من المعلومات والصور والنماذج السلوكية المتناقضة.
وقد أدى ذلك إلى بروز ما يسميه علماء النفس الاجتماعي بـ"أزمة المعنى"، حيث أصبح كثير من الشباب يبحث عن النجاح السريع دون المرور بمراحل التكوين والعمل والاجتهاد.
ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة:
هيمنة ثقافة الاستهلاك.
تضخم التطلعات مقارنة بالإمكانات الواقعية.
ضعف الصبر والمثابرة.
تقديس الشهرة السريعة.
التأثر بنماذج غير منتجة اجتماعيا.
رابعا: العلاقة بين البطالة والانحراف والجريمة
لا يمكن تفسير الجريمة والانحراف بعامل واحد فقط، لأنهما ظاهرتان معقدتان تتداخل فيهما عوامل متعددة.
وتشير النظريات السوسيولوجية إلى أن ارتفاع معدلات البطالة والتهميش الاجتماعي قد يخلق بيئة خصبة للانحراف، خاصة عندما يقترن ذلك بضعف الرقابة الأسرية والتربوية.
ومن أهم العوامل المؤدية إلى ذلك:
عوامل اقتصادية
الفقر.
البطالة.
الهشاشة الاجتماعية.
عوامل أسرية
التفكك الأسري.
غياب الحوار داخل الأسرة.
ضعف التوجيه.
عوامل تربوية
الفشل الدراسي.
الانقطاع المبكر عن الدراسة.
ضعف التربية المدنية والأخلاقية.
عوامل ثقافية
تمجيد العنف.
التطبيع مع السلوك المنحرف.
غياب القدوات الإيجابية.
خامسا: العمل والإنتاج كمدخل لإعادة بناء المجتمع
لقد أثبتت التجارب التنموية الناجحة أن بناء الأمم لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالعمل والإنتاج واستثمار الطاقات البشرية.
فالإنسان المنتج يشعر بقيمته داخل المجتمع، بينما يؤدي الفراغ والبطالة الطويلة إلى الإحباط وفقدان الثقة بالنفس.
ولهذا فإن تشجيع الشباب على:
العمل الفلاحي.
المبادرات المقاولاتية.
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
التكوين المهني.
المشاريع الصغرى والمتوسطة.
يشكل أحد أهم المداخل لإعادة دمجهم في الدورة الاقتصادية والاجتماعية.
سادسا: البعد القيمي والأخلاقي في إصلاح المجتمع
لا يمكن لأي مشروع تنموي أن ينجح دون أساس أخلاقي متين. فالتاريخ يؤكد أن ازدهار الحضارات كان دائما مرتبطا بقوة منظومتها القيمية.
وفي المنظور الإسلامي، يرتبط الإصلاح المادي بالإصلاح الأخلاقي ارتباطا وثيقا، قال تعالى:
"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض."
فالآية الكريمة تؤكد أن التنمية الحقيقية ليست مجرد تراكم للثروة، بل هي نتيجة توازن بين الإيمان والعمل والأخلاق والمسؤولية.
سابعا: كيف ننقذ الجيل القادم؟
إن إنقاذ الأجيال الصاعدة يقتضي استراتيجية شاملة تقوم على:
إصلاح المنظومة التعليمية
ربط التعليم بسوق الشغل.
تعزيز التربية على القيم.
تطوير المناهج والبرامج.
دعم الأسرة
تأهيل الآباء والأمهات تربويا.
تعزيز التواصل الأسري.
حماية الأطفال من التفكك الأسري.
تمكين الشباب اقتصاديا
خلق فرص الشغل.
دعم المبادرات الذاتية.
تسهيل الولوج إلى التمويل.
بناء القدوة
إبراز النماذج الناجحة.
تشجيع العلماء والمفكرين والمبدعين.
محاربة ثقافة التفاهة.
تعزيز الوعي الديني الوسطي
نشر قيم الاعتدال.
ترسيخ المسؤولية الفردية والجماعية.
ربط الأخلاق بالسلوك اليومي.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المجتمعات اليوم لا يتمثل فقط في مواجهة الأزمات الاقتصادية أو ارتفاع الأسعار، بل في المحافظة على الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للأمم. فحين تضعف منظومة القيم والتربية والتنشئة الاجتماعية، يصبح المجتمع معرضا لمختلف أشكال التفكك والانحراف، مهما توفرت له الموارد المادية.
ومن ثم فإن بناء المستقبل يمر عبر الاستثمار في الإنسان، وإصلاح المدرسة، وتقوية الأسرة، وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج، وإحياء منظومة القيم والأخلاق. فالأمم لا تنهض بالثروات وحدها، وإنما تنهض بالإنسان القادر على تحويل تلك الثروات إلى حضارة وتنمية واستقرار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق