الثلاثاء، 9 يونيو 2026

القوانين الوضعية في ميزان الشريعة الإسلامية: دراسة أكاديمية في التجربة القانونية للمملكة المغربية بين المرجعية الدينية ومتطلبات الدولة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
تُعد العلاقة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية من أكثر القضايا إثارة للنقاش في الفكر القانوني والسياسي المعاصر، خاصة في الدول التي تتخذ الإسلام ديناً رسمياً للدولة، كما هو الحال في المملكة المغربية. فالتطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال فرضت بناء منظومة قانونية حديثة تستجيب لمتطلبات الدولة المعاصرة، مع المحافظة في الوقت ذاته على المرجعية الإسلامية التي تشكل أحد المرتكزات الأساسية للهوية الوطنية.
ويثير هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول مدى انسجام القوانين الوضعية المغربية مع أحكام الشريعة الإسلامية، وحدود الاجتهاد التشريعي في الدولة الحديثة، ومدى قدرة الفقه الإسلامي على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع.
أولاً: مفهوم القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية
1. تعريف القوانين الوضعية
القانون الوضعي هو مجموعة القواعد القانونية التي تضعها السلطة المختصة لتنظيم العلاقات داخل المجتمع، ويستمد قوته الإلزامية من الدولة ومؤسساتها التشريعية والقضائية.
ويمتاز القانون الوضعي بخصائص أهمها:
القابلية للتعديل والتطوير.
الارتباط بالواقع الاجتماعي.
التنظيم الدقيق للحقوق والواجبات.
خضوعه للمؤسسات الدستورية.
2. تعريف الشريعة الإسلامية
الشريعة الإسلامية هي الأحكام والقواعد التي شرعها الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان في مختلف المجالات العقدية والعبادية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
قال تعالى:
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾
(الجاثية: 18).
وقال سبحانه:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾
(يوسف: 40).
وتستمد الشريعة أحكامها من:
القرآن الكريم.
السنة النبوية.
الإجماع.
القياس.
المصالح المرسلة.
العرف الصحيح.
ثانياً: موقف الإسلام من التشريع البشري
من الخطأ الاعتقاد أن الإسلام يرفض كل تشريع بشري بإطلاق؛ لأن الشريعة نفسها فتحت باب الاجتهاد في المسائل المتغيرة.
فقد بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن وسأله:
«بمَ تقضي؟»
قال: بكتاب الله.
قال: فإن لم تجد؟
قال: بسنة رسول الله.
قال: فإن لم تجد؟
قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
وهو أصل من أصول الاجتهاد التشريعي.
وبناءً عليه يميز العلماء بين:
الأحكام القطعية
وهي التي وردت بنصوص صريحة ثابتة لا تقبل الاجتهاد، مثل:
أركان الإسلام.
المواريث الأساسية.
تحريم الزنا والربا.
أحكام الأسرة الجوهرية.
الأحكام الاجتهادية
وهي المجالات التي تتغير بتغير الزمان والمكان والمصلحة، مثل:
التنظيم الإداري.
الإجراءات القضائية.
قوانين السير.
القوانين التجارية.
التنظيمات المالية الحديثة.
ومن ثم فإن التشريع الوضعي لا يكون مرفوضاً شرعاً إلا إذا خالف نصاً قطعياً أو مقصداً شرعياً ثابتاً.
ثالثاً: الأساس الشرعي للقوانين الوضعية
استند الفقه الإسلامي إلى قواعد تسمح للدولة بوضع قوانين تنظيمية تحقق مصالح الناس.
ومن أهم هذه القواعد:
1. قاعدة المصلحة المرسلة
اعتمدها الإمام مالك بشكل واسع.
ومعناها:
تحقيق مصلحة معتبرة لم يرد نص خاص بإلغائها أو اعتبارها.
ومن أمثلتها المعاصرة:
إنشاء السجلات العقارية.
التوثيق الإلكتروني.
قوانين البيئة.
قوانين التأمين الاجتماعي.
2. قاعدة تصرف الإمام منوط بالمصلحة
ذكرها الإمام القرافي وغيره.
ومعناها أن للحاكم سن الأنظمة التي تحقق مصالح الأمة.
3. قاعدة درء المفاسد
قال تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
ولهذا تشرع القوانين التي تحمي:
الأرواح.
الأموال.
الأمن العام.
النظام العام.
رابعاً: النظام القانوني المغربي بين الشريعة والقانون الوضعي
يشكل المغرب نموذجاً فريداً في العالم الإسلامي من حيث الجمع بين المرجعية الإسلامية والمؤسسات القانونية الحديثة.
1. المرجعية الدستورية
ينص دستور المغرب على أن:
الإسلام دين الدولة.
الملك هو أمير المؤمنين.
الدولة تضمن ممارسة الشؤون الدينية.
وهذا يجعل الشريعة أحد المكونات الأساسية للهوية القانونية المغربية.
2. تعدد مصادر القانون المغربي
يتكون النظام القانوني المغربي من:
الشريعة الإسلامية.
القوانين الوطنية.
الاتفاقيات الدولية.
الأعراف المحلية.
الاجتهاد القضائي.
خامساً: مجالات تأثر القانون المغربي بالشريعة الإسلامية
1. مدونة الأسرة
تعد من أكثر القوانين ارتباطاً بالفقه الإسلامي.
وتنظم:
الزواج.
الطلاق.
الحضانة.
النسب.
الإرث.
وقد استندت إلى الفقه المالكي مع الاستفادة من اجتهادات معاصرة.
2. نظام الأوقاف
يُعتبر الوقف مؤسسة إسلامية أصيلة حافظ عليها المغرب منذ قرون.
ويتم تنظيمه قانونياً وفق مقاصد الشريعة.
3. التمويل التشاركي
شهد المغرب إدخال البنوك التشاركية التي تعتمد صيغاً شرعية مثل:
المرابحة.
المشاركة.
الإجارة.
الاستصناع.
وذلك لتوفير بدائل مالية متوافقة مع الشريعة.
سادساً: مجالات يغلب فيها الطابع الوضعي
تشمل:
القانون الجنائي.
القانون التجاري.
قانون الشركات.
قانون المسطرة المدنية.
قانون المسطرة الجنائية.
قوانين الاستثمار.
وهي مستمدة بدرجات متفاوتة من التجارب القانونية الحديثة، خصوصاً المدرسة القانونية الفرنسية.
غير أن ذلك لا يعني تعارضها بالضرورة مع الإسلام؛ لأن معظمها يدخل ضمن مجال التنظيم والمصالح المتغيرة.
سابعاً: الشريعة ومقاصدها في تقييم القوانين الوضعية
وضع الإمام أبو إسحاق الشاطبي نظرية المقاصد الشرعية التي أصبحت معياراً لتقييم التشريعات.
وتقوم على حفظ:
الدين.
النفس.
العقل.
النسل.
المال.
فكل قانون يحقق هذه المقاصد يعد أقرب إلى روح الشريعة.
ومن الأمثلة:
قوانين مكافحة الفساد.
قوانين حماية الأطفال.
قوانين السلامة الطرقية.
قوانين حماية البيئة.
قوانين محاربة الاتجار بالبشر.
ثامناً: أبرز الإشكالات المعاصرة
1. إشكالية المواءمة بين الشريعة والاتفاقيات الدولية
تواجه الدولة تحديات مرتبطة بضرورة التوفيق بين:
الالتزامات الدولية.
الخصوصية الدينية والثقافية.
2. إشكالية الاجتهاد الفقهي
تتطلب القضايا الحديثة اجتهاداً متجدداً في مجالات:
الذكاء الاصطناعي.
الاقتصاد الرقمي.
البيوتكنولوجيا.
المعاملات الإلكترونية.
3. إشكالية التأويل
ينشأ الخلاف غالباً حول تفسير النصوص أكثر مما ينشأ حول النصوص نفسها.
تاسعاً: رؤية فقهية متوازنة
يرى جمهور العلماء المعاصرين أن الحكم على القوانين الوضعية يجب أن يكون تفصيلياً لا إجمالياً.
فالقوانين تنقسم إلى:
قوانين موافقة للشريعة
مثل:
قوانين مكافحة الجريمة.
قوانين التوثيق.
قوانين حماية الملكية.
قوانين محايدة
وهي التنظيمات الإدارية والإجرائية.
قوانين مخالفة للشريعة
إذا تعارضت مع نصوص قطعية الثبوت والدلالة أو أهدرت مقاصد الشريعة الأساسية.
وبذلك لا يصح إطلاق الأحكام العامة على جميع القوانين الوضعية دون تمييز.
عاشراً: التجربة المغربية وآفاق التطوير
تظهر التجربة المغربية إمكانية التوفيق بين:
المرجعية الإسلامية.
الدولة الدستورية الحديثة.
حقوق الإنسان.
متطلبات التنمية.
ويظل نجاح هذه التجربة رهيناً بـ:
تعزيز الاجتهاد المقاصدي.
تطوير البحث العلمي الشرعي والقانوني.
إشراك العلماء والقانونيين في صناعة التشريع.
مراعاة ثوابت الأمة ومتطلبات العصر.
إن القوانين الوضعية في المغرب ليست بديلاً عن الشريعة الإسلامية بقدر ما تمثل آلية تنظيمية لإدارة شؤون المجتمع والدولة في إطار واقع متغير ومتطور. وقد أثبتت التجربة المغربية أن الجمع بين المرجعية الإسلامية والحداثة القانونية أمر ممكن متى تم الاحتكام إلى مقاصد الشريعة وقيم العدل والمصلحة ورفع الحرج.
ومن ثم فإن المعيار الحقيقي في تقييم أي قانون ليس كونه وضعياً أو دينياً في شكله، وإنما مدى تحقيقه للعدل وصيانة الكرامة الإنسانية وحفظ المصالح العامة، وهي الغايات الكبرى التي جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيقها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق