الأحد، 7 يونيو 2026

الشاعر محمد الحبيب الحفيضي ( الجزار الأنيق) ومحمد شكري: بين جرأة التعبير واستقلالية المشروع الأدبي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات / باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي / المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية / رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يُعد الأدب مرآةً للتحولات الاجتماعية والثقافية والفكرية التي تعيشها المجتمعات، كما يُمثل فضاءً رحباً لتجليات الذات الإنسانية في مختلف أبعادها النفسية والوجدانية والوجودية. وفي المشهد الأدبي المغربي، برزت أسماء استطاعت أن تترك بصمتها الخاصة من خلال أساليبها المتميزة ورؤاها المختلفة، ومن بين هذه الأسماء الروائي محمد شكري والشاعر الجزار الأنيق، حيث يطرح المتابعون للأدب المغربي المعاصر تساؤلاً حول مدى تأثر الجزار الأنيق بتجربة محمد شكري، أو إمكانية اعتباره امتداداً لمساره الأدبي.

غير أن المقاربة العلمية لهذا السؤال تقتضي تجاوز الأحكام الانطباعية، والانتقال إلى دراسة العناصر الفنية والفكرية التي تشكل هوية كل تجربة أدبية على حدة.

أولاً: محمد شكري وصناعة الأدب من رحم المعاناة

يُعتبر محمد شكري أحد أبرز رموز الأدب المغربي الحديث، حيث ارتبط اسمه بأدب السيرة الذاتية والكتابة الواقعية الجريئة. وقد استطاع أن يحول تجربته الشخصية القاسية المتمثلة في الفقر والتشرد والأمية إلى مادة إبداعية شكلت منعطفاً مهماً في الأدب العربي المعاصر.

اعتمد شكري على لغة مباشرة وصريحة، ورفض تجميل الواقع أو إخفاء تناقضاته، مما جعل أعماله تعكس صورة حقيقية للهامش الاجتماعي وللفئات المهمشة التي قلما وجدت من يتحدث باسمها داخل الأدب العربي.

وقد شكلت الجرأة عند محمد شكري موقفاً فكرياً قبل أن تكون مجرد أسلوب فني، إذ كان يؤمن بأن الأدب الحقيقي لا يمكن أن ينفصل عن الواقع مهما كان قاسياً أو صادماً.

ثانياً: الجزار الأنيق وبناء الهوية الشعرية الخاصة

أما الجزار الأنيق فينتمي إلى فضاء شعري مختلف من حيث الأدوات التعبيرية والمرجعيات الجمالية. فالشاعر يعتمد على الصورة الشعرية والرمزية والانفعال الوجداني بوصفها آليات رئيسية لإنتاج المعنى.

وتتميز تجربته بحضور واضح للذات الشاعرة، وبالانشغال بقضايا الحب والإنسان والعلاقات الوجودية، إضافة إلى توظيف لغة شعرية تمزج بين الحساسية الجمالية والتعبير عن التحولات النفسية والاجتماعية.

ومن هنا يمكن القول إن الجزار الأنيق لا يشتغل على الواقع بالطريقة التسجيلية أو السردية التي اعتمدها محمد شكري، بل يعيد تشكيله من خلال الرمز والإيحاء والتكثيف الشعري.

ثالثاً: نقاط الالتقاء بين التجربتين

رغم الاختلاف الواضح بين المجالين الروائي والشعري، فإن هناك مجموعة من القواسم المشتركة التي يمكن رصدها بين التجربتين:

1. الجرأة في التعبير

كلا الكاتبين يسعى إلى تجاوز الحدود التقليدية للخطاب الأدبي، ويفضلان التعبير الحر عن القضايا الإنسانية بعيداً عن الرقابة الذاتية أو الاجتماعية.

2. الاحتفاء بالفرد

يحضر الإنسان في مركز التجربتين، سواء باعتباره ذاتاً تعاني كما عند محمد شكري، أو ذاتاً تبحث عن الحب والمعنى والجمال كما عند الجزار الأنيق.

3. رفض النمطية

يتقاسم الكاتبان رغبة واضحة في بناء أسلوب خاص لا يخضع للقوالب الجاهزة أو للاتجاهات السائدة.

رابعاً: حدود التأثر والاختلاف

إن الحديث عن السير على خطى محمد شكري يفترض وجود تشابه بنيوي في الرؤية والأسلوب والموضوعات، وهو ما لا يتوفر بشكل كامل في حالة الجزار الأنيق.

فمحمد شكري يمثل نموذجاً للكتابة الواقعية والسيرية، بينما يمثل الجزار الأنيق نموذجاً للكتابة الشعرية التي تنفتح على الرمز والوجدان والتأمل. وبالتالي فإن ما يجمعهما هو روح الجرأة والبحث عن الحرية الإبداعية، لا الانتماء إلى المدرسة الأدبية نفسها.

وعليه، فإن الجزار الأنيق لا يمكن اعتباره نسخة شعرية من محمد شكري، بل يُنظر إليه باعتباره صاحب مشروع شعري مستقل يستمد خصوصيته من تجربته الذاتية ومن رؤيته الخاصة للعالم.

إن المقارنة بين محمد شكري والجزار الأنيق تكشف عن ثراء المشهد الأدبي المغربي وتنوع مساراته الإبداعية. فبينما استطاع محمد شكري أن يؤسس لأدب الواقع والهامش من خلال السرد والسيرة الذاتية، يعمل الجزار الأنيق على تشييد عالمه الشعري الخاص عبر اللغة والصورة والوجدان.

ومن ثم، فإن العلاقة بين التجربتين ليست علاقة تبعية أو امتداد مباشر، بل علاقة تقاطع في بعض القيم الإبداعية الكبرى، وعلى رأسها الحرية والجرأة والبحث عن صوت أدبي متميز، مع احتفاظ كل منهما بخصوصيته الفنية والفكرية التي تجعل منه تجربة قائمة بذاتها داخل الأدب المغربي المعاصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق