السبت، 13 يونيو 2026

المشهد الثقافي العربي: كثافة الأنشطة ومحدودية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشهد المشهد الثقافي العربي، وفي كثير من الأحيان، حركية متزايدة تتجلى في تنظيم الندوات الفكرية، والملتقيات الأدبية، والأمسيات الشعرية، والمعارض الفنية، والفعاليات المعرفية المتنوعة. وهي مبادرات تعكس، من حيث المبدأ، حرص المؤسسات الثقافية والفاعلين في المجال الثقافي على تنشيط الحياة الفكرية والإبداعية. غير أن هذه الحيوية الظاهرة تثير في المقابل تساؤلات جوهرية حول مدى قدرتها على تحقيق أثر مجتمعي حقيقي، ومدى نجاحها في توسيع دائرة المشاركة الثقافية خارج النخب المعتادة.

فالملاحظ أن العديد من الأنشطة الثقافية، رغم كثرتها وتنوع عناوينها، ما تزال تستقطب الفئات نفسها، وتُدار في فضاءات مغلقة نسبيًا، حيث تتكرر الوجوه والأسماء والموضوعات، الأمر الذي يطرح إشكالية العلاقة بين الثقافة والمجتمع، وبين المنتج الثقافي والجمهور المستهدف.

أولًا: الثقافة بين الوفرة الكمية ومحدودية التأثير

لا يمكن إنكار الجهود المبذولة في تنظيم الفعاليات الثقافية المختلفة، غير أن تقييم هذه الجهود لا ينبغي أن يقتصر على عدد الأنشطة المنجزة أو حجم التغطية الإعلامية المصاحبة لها، بل يجب أن يرتبط بمدى تأثيرها في بناء الوعي المجتمعي وتعزيز المشاركة الفكرية.

لقد أصبح من الضروري الانتقال من منطق الإحصاء الكمي للأنشطة إلى منطق قياس الأثر الثقافي. فنجاح أي مشروع ثقافي لا يُقاس بعدد الصور المنشورة أو الشهادات الموزعة أو العناوين المعلنة، وإنما بعدد الأفراد الذين استطاع أن يستقطبهم إلى فضاء المعرفة والحوار والتفكير النقدي.

ثانيًا: إشكالية النخبوية الثقافية

تشير العديد من المؤشرات إلى أن جزءًا من العمل الثقافي وقع في ما يمكن تسميته بـ"النخبوية المريحة"، حيث أصبح الخطاب الثقافي موجّهًا إلى جمهور يعرفه المنظمون مسبقًا، ويتقاسم معهم المرجعيات والاهتمامات نفسها.

وفي هذا السياق، تحولت بعض الفعاليات إلى فضاءات للتواصل بين الفاعلين الثقافيين أنفسهم أكثر من كونها فضاءات للتفاعل مع المجتمع. فالمتحدثون يخاطبون الحاضرين المعتادين، والحاضرون يعرفون المتحدثين، بينما تبقى شرائح واسعة من الشباب والطلبة والعمال والنساء خارج دائرة الفعل الثقافي.

وهنا تبرز مفارقة جوهرية؛ إذ في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات المشتكية من ضعف القراءة وتراجع الاهتمام بالفكر والمعرفة، لا تُبذل جهود كافية لفهم حاجيات الجمهور الحقيقية أو استكشاف القضايا التي تشغل اهتماماته اليومية.

ثالثًا: أزمة الجمهور أم أزمة التصور الثقافي؟

من السهل تحميل الجمهور مسؤولية العزوف عن الأنشطة الثقافية، غير أن القراءة الموضوعية تقتضي مساءلة الخطاب الثقافي ذاته. فهل المشكلة فعلًا في غياب الجمهور، أم في طبيعة العرض الثقافي المقدم له؟

إن الثقافة ليست مجرد نشاط بروتوكولي أو مناسبة احتفالية، بل هي مشروع مجتمعي يهدف إلى إنتاج الوعي وتوسيع آفاق التفكير وتحفيز الحوار حول القضايا الراهنة. وعندما تعجز الأنشطة الثقافية عن ملامسة انشغالات المجتمع وأسئلته الحقيقية، فإنها تفقد قدرتها على الجذب والتأثير.

ومن هنا فإن المؤسسات الثقافية مطالبة بإعادة النظر في آليات عملها، والانتقال من انتظار الجمهور داخل القاعات إلى البحث عنه في الجامعات والمدارس والأحياء والمراكز الاجتماعية وفضاءات التواصل الحديثة.

رابعًا: نحو ثقافة مجتمعية منفتحة

إن تجديد الفعل الثقافي يقتضي تجاوز النماذج التقليدية في التنظيم والتواصل، واعتماد مقاربات أكثر انفتاحًا وتفاعلية تستهدف مختلف الفئات الاجتماعية، خاصة الشباب الذين يمثلون الرصيد الاستراتيجي لأي مشروع تنموي أو حضاري.

كما أن بناء ثقافة مجتمعية فاعلة يستدعي الإنصات إلى الجمهور وإشراكه في صياغة البرامج الثقافية، وربط المعرفة بالقضايا المعيشية والرهانات التنموية والإنسانية التي تهم المواطن في حياته اليومية.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العمل الثقافي اليوم لا يتمثل في تنظيم المزيد من الأنشطة، بل في توسيع دائرة المستفيدين منها وإعادة بناء الجسور بين الثقافة والمجتمع.

فالثقافة التي تبقى حبيسة النخب، مهما بلغت درجة تنظيمها أو كثافة حضورها الإعلامي، تظل عاجزة عن أداء رسالتها الحضارية. أما الثقافة القادرة على الوصول إلى الإنسان العادي، وإثارة أسئلته، ومشاركته همومه، فهي وحدها القادرة على إحداث التحول المنشود.

وعليه، فإن السؤال المركزي الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في ذهن كل فاعل ثقافي ليس: "كم نشاطًا نظمنا؟"، بل: "كم إنسانًا جديدًا استطعنا أن نكسبه لقيم المعرفة والفكر والإبداع؟"

فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في ابتعاد الجمهور عن الثقافة، وإنما في عجز الثقافة عن الاقتراب من الجمهور والاندماج في واقعه وتطلعاته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق