الاثنين، 11 مايو 2026

بين رهانات الدولة وتحولات المرحلة: هل يصبح تأجيل الانتخابات التشريعية بالمغرب خيارًا دستوريًا وسياسيًا مطروحا ؟

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!


يشهد المغرب منذ سنوات تحولات عميقة على المستويات الدستورية والسياسية والجيوسياسية، في ظل إعادة تشكيل أولويات الدولة الوطنية وفق رؤية استراتيجية جديدة يقودها الملك محمد السادس، تقوم على ترسيخ النموذج التنموي الجديد، وتعزيز السيادة الوطنية، وتوسيع مكانة المغرب إقليميًا ودوليًا، مع اقتراب محطة مفصلية مرتبطة بتنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية باعتباره الحل الواقعي والنهائي لقضية الصحراء المغربية.

وفي خضم هذه التحولات، يثار نقاش سياسي وفكري حول مدى جاهزية المشهد الحزبي المغربي لمواكبة هذه المرحلة الدقيقة، وحول إمكانية تأجيل الانتخابات التشريعية المقبلة المقررة سنة 2026، باعتبار ذلك خيارًا دستوريًا وسياسيًا قد تفرضه ضرورات المصلحة العليا للدولة، أو متطلبات إعادة ترتيب الحياة السياسية بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد.

هذا النقاش لا يمكن مقاربته بمنطق الانفعال أو الاصطفاف السياسي الضيق، بل من خلال قراءة أكاديمية ودستورية تستحضر التجارب التاريخية المغربية، وطبيعة النظام الدستوري المغربي، والتحديات الجيوسياسية الراهنة.

أولًا: التحولات العميقة التي يعرفها المغرب

1. انتقال المغرب إلى مرحلة الدولة الاستراتيجية

لم يعد المغرب مجرد دولة تدبر الشأن الداخلي بمنطق التدبير الإداري التقليدي، بل أصبح يتحرك وفق تصور استراتيجي شامل يرتبط بالأمن القومي، والسيادة الاقتصادية، والتموقع الجيوسياسي، والشراكات الدولية الكبرى.

ويتجلى ذلك في عدة مؤشرات:

الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء؛

تنامي الحضور المغربي في إفريقيا؛

التحول نحو اقتصاد استراتيجي قائم على الطاقات المتجددة والصناعة؛

تنزيل النموذج التنموي الجديد؛

تعزيز الصناعات الدفاعية والأمنية؛

مشروع الدولة الاجتماعية؛

التحولات المرتبطة بالأمن الغذائي والمائي.

كل هذه الأوراش تجعل الدولة تتحرك بمنطق “الدولة العميقة الاستراتيجية”، وليس فقط بمنطق التدبير الحكومي اليومي.

2. مشروع الحكم الذاتي كمرحلة مفصلية

يعتبر مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية أحد أكبر المشاريع السياسية والدستورية في تاريخ المغرب المعاصر، لأنه لا يرتبط فقط بقضية ترابية، بل بإعادة تشكيل هندسة الدولة الترابية والمؤسساتية.

ففي حال الانتقال إلى مرحلة تنزيل فعلي وواسع للحكم الذاتي، فإن ذلك سيفرض:

إعادة توزيع الاختصاصات؛

تطوير الجهوية المتقدمة؛

مراجعات قانونية ومؤسساتية؛

إدماج كفاءات جديدة؛

انفتاحًا على عودة عدد من أبناء مخيمات تندوف للمشاركة في البناء المؤسساتي والسياسي.

وهنا يطرح سؤال جوهري: هل النخب الحزبية الحالية مؤهلة فعلاً لمواكبة هذا التحول التاريخي؟

ثانيًا: أزمة الأحزاب السياسية بالمغرب

1. ضعف التأطير السياسي

رغم الأدوار الدستورية التي منحها دستور 2011 للأحزاب السياسية، إلا أن الواقع يكشف استمرار مجموعة من الاختلالات، من أبرزها:

غياب الديمقراطية الداخلية؛

هيمنة منطق الأعيان والمال الانتخابي؛

ضعف التكوين السياسي والفكري؛

غياب النخب الشابة والكفاءات؛

تحوّل بعض الأحزاب إلى آلات انتخابية موسمية.

وقد سبق لـ الملك محمد السادس أن وجّه في عدة خطب انتقادات مباشرة وغير مباشرة للنخب السياسية، داعيًا إلى تجديدها وربط المسؤولية بالكفاءة.

2. الفجوة بين الدولة والأحزاب

أصبح واضحًا لدى جزء من الرأي العام أن الدولة تتحرك بسرعة في ملفات استراتيجية كبرى، بينما ما تزال بعض الأحزاب غارقة في صراعات التزكيات والمقاعد والحسابات الانتخابية الضيقة.

وهذا ما خلق نوعًا من “الانفصال السياسي” بين:

مشروع الدولة الاستراتيجي؛

والممارسة الحزبية التقليدية.

وهو ما يفسر تنامي العزوف السياسي، وضعف الثقة في المؤسسات الوسيطة.

ثالثًا: هل يسمح الدستور المغربي بتأجيل الانتخابات؟

1. من الناحية الدستورية

الدستور المغربي لا ينص بشكل صريح على “تأجيل الانتخابات التشريعية” كخيار عادي، لكنه يتيح مجموعة من الآليات الاستثنائية المرتبطة بالظروف الوطنية الكبرى.

ومن بين المقتضيات التي يمكن أن تؤطر أي نقاش من هذا النوع:

الفصل 59 المتعلق بحالة الاستثناء؛

الفصل 49 المرتبط بالمجلس الوزاري والقضايا الاستراتيجية؛

إمكانية اللجوء إلى تشريعات أو ترتيبات استثنائية إذا اقتضت المصلحة العليا ذلك.

لكن أي تأجيل محتمل يحتاج إلى:

سند دستوري واضح؛

توافق سياسي ومؤسساتي؛

تبرير وطني قوي مرتبط بالاستقرار والمصلحة العليا.

2. التجربة التاريخية لسنة 1989

عرف المغرب خلال عهد الحسن الثاني محطة سياسية مهمة عندما تم تمديد الولاية التشريعية سنة 1989 عبر استفتاء شعبي، في سياق إقليمي ودولي خاص.

وقد بررت تلك الخطوة آنذاك بضرورات مرتبطة بالوحدة الترابية والظروف الوطنية.

لكن السياق الحالي يختلف من عدة جوانب:

المغرب اليوم يتوفر على دستور جديد؛

توجد مؤسسات دستورية أكثر تطورًا؛

هناك وعي حقوقي وسياسي أكبر؛

المجتمع أكثر ارتباطًا بالمسار الديمقراطي.

لذلك فإن أي سيناريو مشابه يجب أن يتم في إطار احترام الشرعية الدستورية والتوافق الوطني.

رابعًا: هل يمكن لحكومة وطنية أن تكون خيارًا مرحليًا؟

تطرح بعض القراءات السياسية فكرة تشكيل “حكومة وطنية” تضم كفاءات سياسية وتقنوقراطية لمواكبة المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب تنزيل أوراش استراتيجية كبرى.

وقد يكون الهدف من ذلك:

توحيد الجبهة الداخلية؛

تسريع الإصلاحات؛

إعادة هيكلة المشهد الحزبي؛

إدماج الكفاءات الوطنية؛

مواكبة تنزيل الحكم الذاتي.

غير أن هذا الخيار بدوره يطرح عدة أسئلة:

هل ستقبل الأحزاب بالتنازل عن الحسابات الانتخابية؟

هل يمكن تحقيق إجماع سياسي واسع؟

هل سيُنظر إلى ذلك كتقوية للمسار الديمقراطي أم كتراجع عنه؟

خامسًا: بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات الديمقراطية

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات الاستراتيجية، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين:

الاستقرار؛

والشرعية الديمقراطية.

فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات، لكنها أيضًا ليست قابلة للتجميد دون مبررات استثنائية قوية.

وفي المقابل، فإن استمرار الممارسة السياسية التقليدية دون إصلاح حقيقي قد يفرغ المؤسسات المنتخبة من مضمونها الاستراتيجي.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى:

إعادة تأهيل الأحزاب؛

ضخ نخب جديدة؛

ربط السياسة بالكفاءة؛

تجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات.

إن النقاش حول احتمال تأجيل الانتخابات التشريعية لسنة 2026 بالمغرب يظل فرضية سياسية مرتبطة بقراءة مرحلة دقيقة من تاريخ الدولة المغربية، مرحلة تتسم بتحولات استراتيجية كبرى داخليًا وخارجيًا.

غير أن أي توجه من هذا النوع ينبغي أن يتم داخل إطار الشرعية الدستورية والتوافق الوطني، بعيدًا عن الحسابات الظرفية أو منطق التحكم السياسي.

فالمغرب اليوم يوجد أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن مواصلة بناء “الدولة الاستراتيجية الجديدة” دون إضعاف المسار الديمقراطي؟

إن التحدي الحقيقي ليس فقط في تنظيم الانتخابات أو تأجيلها، بل في إنتاج نخب سياسية قادرة على مواكبة مغرب التحولات الكبرى، مغرب السيادة، والكفاءة، والعدالة المجالية، والدولة الاجتماعية.

وربما يكون السؤال الأهم اليوم: هل تحتاج المرحلة إلى انتخابات فقط، أم إلى إعادة تأسيس حقيقية للعقل السياسي والحزبي المغربي؟

السبت، 9 مايو 2026

تصاعد خطاب التخوين والوصاية الدينية في الفضاء الرقمي: قراءة سوسيولوجية-قانونية في السياق المغربي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشهد الفضاء الرقمي المغربي في السنوات الأخيرة تحولات عميقة على مستوى أنماط التعبير والتفاعل، حيث أتاح الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي إمكانيات غير مسبوقة للتعبير الحر وتبادل الآراء. غير أن هذا الاتساع رافقه، في المقابل، بروز أنماط خطابية مقلقة، أبرزها تصاعد خطاب التخوين والوصاية الدينية، الذي يقوم على نزع الشرعية الأخلاقية أو الدينية عن المخالف، وتحويل الاختلاف الفكري إلى صراع هوياتي مغلق. هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن تحولات أوسع تمس البنية القيمية والاجتماعية، وتفرض إعادة التفكير في حدود الحرية الرقمية ومسؤولياتها.

أولاً: الإطار المفاهيمي للظاهرة

يمكن تعريف خطاب التخوين بأنه نمط تواصلي يقوم على إسناد نوايا سلبية أو خيانة رمزية للآخر، دون سند موضوعي، بهدف إقصائه من دائرة الشرعية الاجتماعية أو الوطنية. أما الوصاية الدينية فتعني ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية المطلقة، وتوظيفها لفرض سلطة رمزية على الآخرين، بما يحد من حقهم في التأويل أو الاختلاف.

من منظور علم الاجتماع، يرتبط هذا النمط بما يُعرف بـ"العنف الرمزي"، حيث يتم استخدام اللغة كأداة للهيمنة والإقصاء. كما يمكن قراءته ضمن نظريات الهوية والصراع، التي تفسر كيف تتحول الاختلافات الفكرية إلى أدوات لإعادة إنتاج التمايز الاجتماعي.

ثانياً: العوامل المفسرة لتصاعد الظاهرة

لا يمكن إرجاع انتشار هذا الخطاب إلى عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل عدة محددات:

العامل الرقمي والتقني

تُسهم خوارزميات المنصات الرقمية في تعزيز ما يسمى "فقاعات الرأي"، حيث يتعرض المستخدم لمحتوى يوافق قناعاته، مما يعزز الانغلاق الفكري ويغذي نزعات التطرف في الحكم على الآخر.

الهشاشة المعرفية والدينية

غياب التكوين الرصين في القضايا الدينية يدفع بعض الأفراد إلى تبني قراءات سطحية أو انتقائية، تُوظف في إصدار أحكام جاهزة، وهو ما يفتح الباب أمام التوظيف الأيديولوجي للدين.

التوترات الاجتماعية والسياسية

في سياقات التحول، يميل بعض الفاعلين إلى توظيف الدين كأداة للشرعنة أو التعبئة، مما يؤدي إلى تسييس الخطاب الديني وتحويله إلى أداة صراع.

أزمة الثقة في الوسائط والمؤسسات

حين تتراجع الثقة في المؤسسات الوسيطة، يلجأ الأفراد إلى التعبير المباشر وغير المؤطر، مما يزيد من حدة الخطاب ويضعف آليات الضبط الذاتي.

ثالثاً: تجليات الخطاب في الفضاء الرقمي

يتخذ خطاب التخوين والوصاية الدينية أشكالاً متعددة، من أبرزها:

التشكيك في إيمان الأفراد أو وطنيتهم بناءً على مواقف فكرية.

استعمال نعوت قدحية ذات حمولة أيديولوجية أو دينية.

اختزال الدين في تمثلات ضيقة تُقصي التنوع الفقهي والفكري.

توظيف الرموز الدينية كغطاء لخطاب إقصائي.

هذه الممارسات تندرج ضمن ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بآليات "التصنيف الثنائي" (نحن/هم)، التي تُبسط الواقع وتُقصي التعقيد.

رابعاً: الآثار المجتمعية والقيمية

إن استمرار هذا النمط من الخطاب يحمل تداعيات عميقة:

تقويض قيم التعدد والاختلاف التي تُعد من ركائز المجتمع المغربي.

إضعاف الثقة الاجتماعية عبر نشر الشك والريبة بين الأفراد.

تشويه صورة الدين عبر اختزاله في خطاب إقصائي متوتر.

تهديد السلم الرقمي وتحويل الفضاء الافتراضي إلى مجال صراع بدل الحوار.

خامساً: الإطار الدستوري والمؤسساتي في المغرب

يتميز المغرب بخصوصية في تدبير الشأن الديني، حيث يُؤطر دستورياً ضمن إمارة المؤمنين، بما يضمن وحدة المرجعية الدينية وحمايتها من التوظيف السياسي أو الفوضى التأويلية. ويضطلع المجلس العلمي الأعلى بدور أساسي في تأطير الفتوى وتوجيه الخطاب الديني، إلى جانب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

إن أي محاولة لادعاء الوصاية الدينية خارج هذه الأطر لا تُعد فقط انحرافاً معرفياً، بل تمثل أيضاً مساساً بالتوازن المؤسسي الذي يضمن الأمن الروحي للمجتمع.

سادساً: نحو مقاربة علاجية متكاملة

لمواجهة هذه الظاهرة، يقتضي الأمر اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد:

تعزيز التربية الرقمية: ترسيخ ثقافة الحوار واحترام الاختلاف داخل الفضاء الرقمي.

تأهيل الخطاب الديني: دعم المبادرات التي تقدم فهماً وسطياً منفتحاً للدين.

تفعيل القوانين: مواجهة خطاب الكراهية والتشهير وفق الضوابط القانونية.

تقوية الوساطة المجتمعية: عبر مؤسسات التربية والإعلام والمجتمع المدني.

تشجيع التفكير النقدي: بما يمكن الأفراد من التمييز بين الرأي والحكم القيمي.

إن تصاعد خطاب التخوين والوصاية الدينية في الفضاء الرقمي ليس مجرد انحراف لغوي عابر، بل هو مؤشر على تحولات أعمق في بنية الوعي الجماعي. ومع أن الفضاء الرقمي يتيح حرية التعبير، فإن هذه الحرية تظل مشروطة بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية. إن حماية التعدد والاختلاف، وصون كرامة الأفراد، يقتضيان إعادة الاعتبار لمنطق الحجة، وترسيخ ثقافة الحوار، بما ينسجم مع الخصوصية الدينية والمؤسساتية للمغرب، ويحصن المجتمع من الانزلاق نحو الانقسام الرمزي.

الجمعة، 8 مايو 2026

الكاتبة Soraya Benimlil تفتح جراح الصمت في كتاب “Le Syndrome Invisible”

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

LeSyndrome Invisible :
 Habiter l’exil en soi
الكتابة كصرخة صامتة.. حين يتحول الألم النفسي إلى أدب إنساني
في زمن تتسارع فيه التحولات النفسية والاجتماعية والهوياتية، يبرز كتاب Le Syndrome Invisible : Habiter l’exil en soi للكاتبة Soraya Benimlil كواحد من الأعمال الأدبية النفسية التي تحاول الغوص عميقًا في الإنسان المعاصر، ذلك الإنسان الذي قد يبدو متماسكًا من الخارج، بينما يعيش داخله انهيارات صامتة لا يراها أحد.
الكتاب، الصادر بتاريخ 8 أبريل 2026 عن Les Éditions de la Francophonie، لا يقدم مجرد حكاية شخصية أو سردًا أدبيًا تقليديًا، بل يفتح نافذة على عالم “المنفى الداخلي”، وهو ذلك الشعور القاسي الذي يجعل الإنسان غريبًا حتى عن نفسه.
الكتابة كعلاج وكشف للوجع الإنساني
تعتمد الكاتبة أسلوبًا إنسانيًا عاطفيًا يمزج بين السيرة الذاتية والتأمل النفسي، حيث تتحول الكتابة إلى مساحة اعتراف ومقاومة في الآن ذاته. فالنص لا يسعى إلى إثارة الشفقة، بل إلى تفكيك الألم النفسي الذي غالبًا ما يبقى غير مرئي داخل المجتمعات.
وتتناول الكاتبة قضايا حساسة مثل:
الصدمات النفسية الخفية،
الإحساس بالانفصال عن الذات (Dépersonnalisation)،
آثار الهجرة والاقتلاع من الجذور،
ثقل الأمومة والعمل والهوية،
والبحث المستمر عن الانتماء والمعنى.
ومن خلال هذه المواضيع، يلامس الكتاب فئات واسعة من القراء، خصوصًا أولئك الذين عاشوا تجارب الهجرة أو الاغتراب أو الضياع النفسي دون القدرة على التعبير عنه.
أدب الهجرة من زاوية نفسية عميقة
ما يميز هذا العمل أنه لا يكتفي بطرح الهجرة كتنقل جغرافي، بل يكشف كيف يمكن للهجرة أن تتحول إلى “اقتلاع داخلي” يمس الهوية والذاكرة والعلاقات الإنسانية. فالبطلة، التي تعيش بين الماضي والحاضر وبين الوطن الأصلي وكندا، تبدو وكأنها تخوض صراعًا يوميًا من أجل الحفاظ على توازنها النفسي.
وهنا ينجح الكتاب في إعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة:
هل يمكن للإنسان أن يشعر بالغربة حتى وهو ناجح ومستقر ظاهريًا؟
بين الأدب والصحة النفسية
العمل لا يمكن تصنيفه ككتاب طبي أو دراسة أكاديمية، لكنه في المقابل يقدم مادة إنسانية غنية حول الصحة النفسية والمعاناة الصامتة. وهو ما يجعل الكتاب قريبًا من أدب الاعترافات النفسية الذي أصبح يحظى باهتمام متزايد عالميًا، خاصة بعد تصاعد النقاش حول الاكتئاب والقلق والاضطرابات المرتبطة بالهوية والهجرة.
كما يمنح الكتاب قيمة إضافية للنقاش المجتمعي حول أهمية الإنصات للألم النفسي غير المرئي، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة أو الصور النمطية المرتبطة بالقوة والنجاح.
لغة هادئة تحمل وجعًا عميقًا
رغم أن الكتاب مكتوب بلغة فرنسية بسيطة نسبيًا، إلا أن قوته الحقيقية تكمن في صدقه العاطفي. فالقارئ لا يواجه نصًا متكلفًا، بل اعترافات إنسانية تلامس هشاشة الإنسان الحديثة، وتكشف أن أكثر المعارك قسوة قد تدور داخل النفس دون ضجيج.
وفي عالم يزداد فيه الشعور بالعزلة رغم كثرة وسائل التواصل، يأتي Le Syndrome Invisible : Habiter l’exil en soi ليذكر بأن بعض المنافي لا تحتاج إلى حدود جغرافية، لأنها تسكن داخل الإنسان نفسه.

الخميس، 7 مايو 2026

مراكش تُغلق صفحة “باب دكالة” وتراهن على “العزوزية”.. هل تنجح المدينة في كسب معركة التنقل الحضري؟

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في واحدة من أبرز القرارات التي عرفها تدبير الشأن المحلي بمدينة مراكش خلال السنوات الأخيرة، صادق المجلس الجماعي، ضمن أشغال دورته العادية لشهر ماي 2026، على النقل الرسمي للمحطة الطرقية التاريخية “باب دكالة” إلى المحطة الجديدة بمنطقة “العزوزية”، في خطوة تحمل أبعاداً عمرانية وتنموية تتجاوز مجرد تغيير جغرافي، لتلامس بشكل مباشر مستقبل التنقل الحضري وصورة المدينة الحمراء كوجهة سياحية واقتصادية كبرى.

القرار، الذي وُصف من طرف متتبعين بـ”التحول المفصلي”، يأتي بعد سنوات طويلة من الجدل المرتبط بالاختناق المروري والفوضى التي ظلت تحيط بمحطة باب دكالة، والتي تحولت مع مرور الزمن إلى نقطة ضغط يومي على البنية التحتية وعلى سكان المدينة وزوارها.

نهاية مرحلة وبداية نموذج جديد

المجلس الجماعي لمراكش لم يكتفِ بالمصادقة على نقل المحطة فقط، بل حاول تقديم تصور متكامل لإدارة هذا المرفق الحيوي، عبر تعديل اتفاقية الاستغلال والتدبير مع شركة التنمية المحلية “مراكش مسافر”، وذلك استجابة لملاحظات وزارة الداخلية المتعلقة بالحكامة والنجاعة والشفافية في التدبير.

وتكشف المعطيات المعروضة خلال الدورة أن الرهان الأساسي يتمثل في القطع مع الاختلالات التي طبعت المحطة القديمة، سواء على مستوى التنظيم أو جودة الخدمات أو تدبير المرافق، من خلال اعتماد نظام داخلي جديد يحدد شروط الاستغلال والولوج، إضافة إلى نظام صفقات يراد منه تكريس الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما تمت المصادقة على دفتر تحملات خاص بالمحلات التجارية والمرافق التابعة للمحطة الجديدة، في محاولة لضبط استغلال الملك العام وتفادي مظاهر العشوائية التي كانت محط انتقادات واسعة خلال السنوات الماضية.

“العزوزية”.. من هامش عمراني إلى قطب للنقل

اختيار منطقة العزوزية لم يكن اعتباطياً، بل يندرج ضمن رؤية لإعادة توزيع الضغط المروري خارج مركز المدينة، خاصة أن محطة باب دكالة أصبحت غير قادرة على استيعاب الحجم المتزايد لحركة النقل والمسافرين.

وفي هذا السياق، صادق المجلس على إعادة تخصيص بقعة أرضية كانت مبرمجة سابقاً كسوق للدواجن قرب المحطة الجديدة، لتحويلها إلى موقف عصري للسيارات والدراجات، في خطوة تهدف إلى توفير فضاءات منظمة للتوقف والحد من الفوضى المرورية التي ترافق عادة المحطات الطرقية الكبرى.

ويرى متابعون أن نجاح المشروع سيظل رهيناً بمدى قدرة المجلس على توفير الربط الطرقي الجيد بين العزوزية وباقي أحياء المدينة، وضمان وسائل نقل حضري كافية تُمكّن المواطنين والمسافرين من الولوج بسهولة إلى المحطة الجديدة، حتى لا يتحول المشروع من حل للأزمة إلى عبء إضافي على الساكنة.

مدينة مستدامة أم شعارات مؤجلة؟

ضمن الدورة نفسها، صادق المجلس الجماعي على اتفاقيتي شراكة تدخلان في إطار برنامج “مراكش مدينة مستدامة”، الأولى تتعلق بإعادة تأهيل حديقة الحارثي وتحويلها إلى فضاء ذكي ومستدام، والثانية تهم إنجاز شبكة مهيكلة لمسارات الدراجات عبر مختلف مناطق المدينة.

هذه المشاريع تعكس توجهاً جديداً نحو تشجيع النقل النظيف والتنقل البيئي، وهي خيارات أصبحت تفرض نفسها على المدن الكبرى في ظل التحديات المرتبطة بالتلوث والازدحام واستهلاك الطاقة.

غير أن عدداً من الفاعلين المحليين يعتبرون أن نجاح هذه الرؤية يقتضي مواكبة حقيقية على مستوى البنيات التحتية والثقافة المجتمعية، لأن الحديث عن الدراجات والتنقل المستدام داخل مدينة تعاني في بعض محاورها من ضعف التشوير والاكتظاظ المروري، يفرض مقاربة أكثر شمولية تتجاوز الجانب النظري والإعلاني.

تعديل جبائي وأسئلة المرحلة المقبلة

الدورة شهدت كذلك المصادقة على تعديل القرار الجبائي المحلي رقم 109 المتعلق بالرسوم والوجيبات المستحقة لفائدة خزينة الجماعة، وهي نقطة تفتح بدورها نقاشاً حول كيفية تحقيق التوازن بين تحسين الموارد المالية للجماعة وضمان عدم إثقال كاهل المهنيين والمواطنين برسوم إضافية.

كما اطلع أعضاء المجلس على التقرير الإخباري لرئيسة المجلس الجماعي، إضافة إلى قائمة الدعاوى القضائية المرفوعة خلال الفترة الممتدة بين فبراير وماي 2026، في خطوة اعتُبرت محاولة لترسيخ مبدأ الشفافية وربط التدبير المحلي بالمراقبة المؤسساتية.

بين الطموح والاختبار الميداني

ما حدث داخل دورة ماي لا يمكن اختزاله في مجرد نقل محطة طرقية، بل يتعلق بإعادة رسم جزء مهم من مستقبل مراكش الحضري. فالمدينة التي تستعد لمواعيد وطنية ودولية كبرى مطالبة اليوم بإثبات قدرتها على بناء نموذج حديث في التدبير والتنقل والخدمات.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل ستنجح محطة العزوزية في إنهاء معاناة النقل والفوضى التي لازمت باب دكالة لعقود؟ أم أن التحديات المرتبطة بالتنفيذ والتدبير ستعيد إنتاج الأزمة بصيغة جديدة؟

الأكيد أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للمجلس الجماعي ولمدى قدرته على تحويل القرارات المصادق عليها إلى واقع ملموس يشعر به المواطن والزائر على حد سواء.

هزة داخل مجلس تسلطانت: 8 قرارات توقيف بالجملة تسبق دورة حاسمة وتعيد طرح سؤال الحكامة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!


تشهد جماعة تسلطانت، ضواحي مراكش، تطوراً لافتاً مع اقتراب موعد دورتها العادية لشهر ماي، بعدما قررت السلطات الإقليمية توقيف سبعة مستشارين جماعيين دفعة واحدة، في خطوة رفعت عدد الأعضاء الموقوفين إلى ثمانية، وأدخلت المجلس في وضعية غير مسبوقة.

القرار، الذي صدر عن والي جهة مراكش آسفي بصفته عاملاً على عمالة مراكش، لم يأتِ في سياق عادي، بل يعكس—بحسب مؤشرات متقاطعة—مرحلة جديدة من التشدد في تتبع تدبير الشأن المحلي، خاصة داخل الجماعات التي تحوم حولها مؤشرات اختلال في التسيير.

وبخلاف الطابع الإداري الظاهري للإجراء، فإن توقيته يضفي عليه أبعاداً سياسية وتدبيرية واضحة، إذ يأتي على بعد أيام قليلة من انعقاد دورة ماي، وهي محطة أساسية في أجندة المجالس المنتخبة، ما يضع علامات استفهام حول قدرة المجلس على ضمان سير أشغاله في ظل هذا الغياب الجماعي لعدد وازن من أعضائه.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن قرارات التوقيف جرى تبليغها عبر السلطات المحلية، في إطار مسطرة قانونية ترتبط بتفعيل آليات المراقبة المنصوص عليها في القوانين التنظيمية، وذلك على خلفية شبهات تتعلق بتدبير ملفات داخل الجماعة، دون الكشف رسمياً عن طبيعتها أو حجمها.

هذا التطور لا يمكن فصله عن دينامية أوسع تعرفها جهة مراكش آسفي، حيث برز في الآونة الأخيرة توجه نحو تشديد الرقابة الإدارية وإعادة ضبط قواعد التدبير المحلي، في انسجام مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي بات يشكل أحد المرتكزات المركزية في تقييم أداء المنتخبين.

في المقابل، يفتح هذا الوضع الباب أمام عدة سيناريوهات: من جهة، قد تؤدي هذه التوقيفات إلى شلل مؤقت في عمل المجلس أو على الأقل إرباك توازنه الداخلي، ومن جهة أخرى، قد تشكل مدخلاً لإعادة ترتيب المشهد المحلي على ضوء نتائج التحقيقات المرتقبة.

وبين هذا وذاك، يظل الحسم النهائي رهيناً بمخرجات المساطر الإدارية والقضائية الجارية، والتي ستحدد ما إذا كانت هذه التوقيفات مجرد إجراء احترازي مؤقت أم مقدمة لمسار محاسبة قد يعيد رسم خريطة التمثيلية داخل جماعة تسلطانت.

في المحصلة، ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بأسماء موقوفة، بل يعكس اختباراً فعلياً لقدرة آليات الحكامة المحلية على تصحيح اختلالاتها، واستعادة ثقة المواطن في مؤسسة يفترض أن تكون أقرب إليه من غيرها.

الأربعاء، 6 مايو 2026

مراكش: حين تتحول المشاريع العمومية في صمت… أسئلة مشروعة حول تدبير العقار وشفافية القرار

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم تعد بعض النقاط المدرجة في جداول أعمال المجالس المنتخبة تمر مرور الكرام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتغييرات جوهرية في تخصيص العقار العمومي. النقطة التاسعة ضمن جدول أعمال الدورة العادية لشهر ماي لمجلس جماعة مراكش تقدم نموذجًا واضحًا لهذا الجدل المتصاعد.
فبينما كانت بقعة أرضية مخصصة في وقت سابق لاحتضان سوق للدجاج، جرى إدراجها اليوم ضمن مشروع تحويلها إلى محطة لسيارات الأجرة بالقرب من محطة العزوزية للمسافرين. ظاهريًا، قد يبدو الأمر مجرد إعادة ترتيب حضري، لكن في العمق يطرح تساؤلات دقيقة حول منطق اتخاذ القرار، وتسلسل برمجة المشاريع، ومدى احترام التصورات الأصلية التي قُدمت في إطار رؤية متكاملة لتأهيل المنطقة.
الأكثر إثارة للانتباه، بحسب متابعين للشأن المحلي، ليس فقط تغيير وظيفة هذا العقار، بل الغموض الذي يلف مآل الوعاء العقاري الذي كان مخصصًا في الأصل لمحطة سيارات الأجرة ضمن المشروع الأولي. غياب توضيحات رسمية دقيقة حول هذا التحول يفتح المجال أمام قراءات متعددة، ويغذي الشكوك حول كيفية تدبير هذا الملف.



في ظل هذا السياق، ترتفع أصوات تطالب بتوضيح الصورة كاملة: ما هي الأسس التي تم اعتمادها لتغيير هذا التخصيص؟ هل خضع القرار لدراسات تقنية وحاجيات ميدانية فعلية؟ وأين اختفى التصور السابق الذي تم تقديمه في سياق رسمي باعتباره مشروعًا مهيكلًا للمنطقة؟
إن خطورة مثل هذه الملفات لا تكمن فقط في تغيير وظيفة قطعة أرضية، بل في ما قد تعكسه من اختلالات محتملة في تدبير العقار العمومي، إذا لم تكن محكومة بالشفافية والتواصل المؤسساتي الواضح. فالتدبير الجيد لا يُقاس فقط بالقرارات، بل أيضًا بمدى وضوحها وقابليتها للتفسير أمام الرأي العام.
كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة، كمبدأ دستوري، لا يمكن أن يظل مجرد شعار، بل يقتضي تمكين المواطنين من فهم ما يجري في تدبير ممتلكاتهم الجماعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع سبق تقديمها في صيغ مغايرة.
اليوم، لا يتعلق الأمر بسوق للدجاج أو محطة لسيارات الأجرة فقط، بل بسؤال أعمق: كيف تُدار التحولات في المشاريع العمومية؟ ومن يملك سلطة إعادة توجيهها؟ وعلى أي أساس؟
في انتظار أجوبة رسمية واضحة، يبقى الصمت في مثل هذه القضايا عاملًا مقلقًا، لأنه لا يترك فراغًا… بل يملؤه الشك.

الإسلام بين حملات التشويه والتحولات المعاصرة: قراءة سوسيولوجية ونقدية في خطاب الاتهام والدفاع

 

بقلم: خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات /باحث في علم الاجتماع والنفس والإصلاح السلوكي /المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية /رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفية بالمملكة المغربية – جهة مراكش آسفي

يشهد الخطاب المرتبط بالإسلام في العصر الحديث توتراً متزايداً بين صورتين متناقضتين: صورة دينٍ قيميٍّ أخلاقي قائم على الرحمة والعدل، وصورة نمطية تُروَّج في بعض الدوائر العالمية باعتباره ديناً للعنف والتشدد. هذا التوتر لا يمكن فهمه خارج سياقاته التاريخية والسياسية والإعلامية، ولا بمعزل عن التحولات العميقة التي مست المجتمعات الإسلامية في علاقتها بالحداثة والعولمة. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى مقاربة علمية رصينة تفكك هذه الإشكالية بعيداً عن الخطاب الانفعالي أو التبريري.

أولاً: في تفكيك أطروحة “تشويه الإسلام”

لا يمكن إنكار أن الإسلام، كغيره من الأديان الكبرى، كان موضوع تمثلات متعددة في الخطاب الغربي، خصوصاً منذ أحداث هجمات 11 سبتمبر 2001 التي شكلت نقطة تحول في ربط الإسلام بالعنف داخل الإعلام الدولي. وقد أظهرت دراسات في علم الاجتماع الإعلامي أن وسائل الإعلام تلعب دوراً مركزياً في بناء الصور النمطية، حيث يتم التركيز على أحداث العنف المرتبطة بأفراد أو جماعات تدّعي الانتماء للإسلام، مع إغفال السياقات السياسية والاقتصادية التي تُنتج هذه الظواهر.

غير أن اختزال هذه الظاهرة في “مؤامرة خارجية” فقط يبقى تبسيطاً مخلّاً، إذ تؤكد مقاربات في علم الاجتماع والعلوم السياسية أن العنف الديني ظاهرة مركبة، تتداخل فيها عوامل داخلية (مثل التأويلات المتشددة للنصوص، ضعف التعليم، الأزمات الاجتماعية) مع عوامل خارجية (الصراعات الجيوسياسية، التدخلات الأجنبية، سياسات الهيمنة).

ثانياً: الإسلام والعنف – بين النص والتأويل

من الناحية النصية، يقوم الإسلام على مبادئ واضحة في رفض العدوان، كما في قوله تعالى: “ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”. كما أن السيرة النبوية تقدم نماذج متعددة للحوار والتعايش، بما في ذلك وثيقة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين وغيرهم.

لكن الإشكال لا يكمن في النص بقدر ما يكمن في التأويل. فالجماعات المتطرفة تعتمد على قراءة انتقائية للنصوص، تفصلها عن سياقها التاريخي والفقهي، وتُوظفها لتبرير العنف. وقد بيّنت دراسات في علم النفس الاجتماعي أن هذه الجماعات تستقطب الأفراد الذين يعانون من هشاشة هوياتية أو تهميش اجتماعي، ما يجعلهم أكثر قابلية لتبني خطاب راديكالي يمنحهم شعوراً بالانتماء والقوة.

ثالثاً: البعد السياسي وتوظيف الدين

لا يمكن فصل صورة الإسلام في العالم عن الصراعات السياسية الدولية. فبعض القوى تستثمر في “فزاعة الإرهاب” لتبرير تدخلاتها أو إعادة رسم توازنات النفوذ. في المقابل، تلجأ بعض الأنظمة أو الحركات إلى توظيف الدين كأداة تعبئة سياسية، مما يخلط بين المجالين الديني والسياسي بشكل يُنتج التباساً لدى الرأي العام.

في السياق المغربي، اختار النموذج الديني الرسمي، تحت إمارة المؤمنين، مقاربة قائمة على الوسطية والاعتدال، مع تعزيز دور المؤسسات الدينية في تأطير الحقل الديني، بما يحدّ من انتشار الخطابات المتطرفة، ويُرسّخ إسلاماً متوازناً منفتحاً على العصر.

رابعاً: إشكالية الحداثة والانبهار بالغرب

تطرح مسألة “الانبهار بالغرب” إشكالية سوسيولوجية معقدة. فالتفاعل مع الحضارة الغربية ليس في ذاته سلبياً، بل هو جزء من دينامية التبادل الحضاري. غير أن الإشكال يظهر عندما يتحول هذا التفاعل إلى تقليد أعمى يُفرغ الذات من مقوماتها الثقافية والقيمية.

لقد ساهمت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية في إعادة تشكيل النظام العالمي، حيث خرجت الدول الغربية أكثر قوة، بينما عانت العديد من الدول الأخرى من آثار الاستعمار والتبعية. هذا التفاوت التاريخي أسهم في خلق فجوة حضارية، دفعت بعض المجتمعات إلى تبني نماذج خارجية دون تمحيص نقدي.

خامساً: الدين والأخلاق – جوهر الرسالة

إن اختزال التدين في المظاهر الشكلية، كالمظهر الخارجي أو الشعارات، يُعد انحرافاً عن جوهر الدين. فالإسلام، في عمقه، هو منظومة أخلاقية قبل أن يكون مجموعة طقوس. وقد أكد النبي محمد ﷺ على هذا البعد بقوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

من هذا المنطلق، يصبح الإصلاح الحقيقي مرتبطاً بإعادة الاعتبار للأخلاق في السلوك الفردي والجماعي، وربط التدين بالقيم الإنسانية الكونية مثل العدل، والحرية، والكرامة، والتسامح.

إن النقاش حول الإسلام في العصر الحديث يجب أن ينتقل من مستوى الاتهام والدفاع إلى مستوى التحليل العلمي الرصين. فالإسلام، كدين، لا يمكن اختزاله في ممارسات بعض أتباعه، كما لا يمكن فهم ظواهر العنف دون استحضار سياقاتها المركبة. وبين حملات التشويه الخارجية وأزمات الفهم الداخلية، تظل المسؤولية مشتركة في تقديم نموذج حضاري يعكس القيم الحقيقية لهذا الدين.

إن التحدي الأكبر اليوم ليس في الدفاع الخطابي عن الإسلام، بل في تجسيد قيمه في الواقع، عبر بناء إنسان متوازن، واعٍ، ومنفتح، قادر على الإسهام في نهضة مجتمعه دون أن يفقد هويته.