الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

«طولانطي».. حين تتحول الموهبة من لغة إلى أخرى

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

موضوع ثقافي حول رحلة كلمة «طولانطي» في اللسان المغربي .
تتميز الدارجة المغربية بقدرتها اللافتة على استيعاب الكلمات القادمة من لغات وثقافات مختلفة، ثم إعادة تشكيلها بما يتلاءم مع النطق المغربي والاستعمال اليومي. ومن بين الكلمات التي أصبحت مألوفة في الحديث اليومي كلمة «طولانطي»، التي تُستعمل في المغرب لوصف شخص يتمتع بموهبة أو براعة واضحة في مجال معين.
فنسمع المغربي يقول: «فلان طولانطي»، أي أن لديه موهبة، أو أنه بارع ومتميز، سواء في الفن أو الرياضة أو الموسيقى أو الحرفة أو حتى في طريقة تعامله مع الناس.
من أين جاءت «طولانطي»؟
يربط كثير من المتحدثين كلمة «طولانطي» بالمفردات الفرنسية talent وtalentueux / talentueuse، وهي مفردات مرتبطة بفكرة الموهبة والقدرة المتميزة.
غير أن انتقال الكلمة إلى الدارجة المغربية لم يكن بالضرورة نقلاً حرفياً للكلمة الفرنسية، بل خضعت، مثل كثير من الألفاظ الأجنبية التي دخلت إلى الدارجة، إلى التكييف الصوتي والصرفي المغربي.
وهنا تظهر إحدى الخصائص المهمة للدارجة: فهي لا تستقبل الكلمة الأجنبية كما هي دائماً، وإنما تعيد صياغتها حتى تصبح سهلة التداول على لسان المتحدث.
وهكذا أصبحت «طولانطي» في الاستعمال الشعبي المغربي تحمل معنى قريباً من:
موهوب – بارع – متميز – صاحب قدرات – عنده موهبة.
الدارجة المغربية.. لغة تتفاعل ولا تعيش في عزلة
لا يمكن فهم ظاهرة «طولانطي» بعيداً عن التاريخ اللغوي والاجتماعي للمغرب.
فالدارجة المغربية تشكلت عبر قرون من التفاعل بين العربية والأمازيغية، إضافة إلى تأثيرات أندلسية وإفريقية، ثم احتكاك طويل بلغات أوروبية، وفي مقدمتها الفرنسية والإسبانية.
ولهذا نجد في الكلام المغربي اليومي عدداً كبيراً من الكلمات ذات الأصول الأجنبية، خصوصاً في مجالات الإدارة والتعليم والتجارة والصناعة والتكنولوجيا والحياة المدنية.
ومن أمثلة ذلك كلمات مثل:
«بوسطا»، و**«طونوبيل»، و«گاراج»، و«فران»، و«صاك»**، وغيرها من الألفاظ التي أصبحت جزءاً من التداول اليومي عند فئات واسعة من المغاربة.
وهذا لا يعني أن المتحدث المغربي يتخلى عن العربية أو الأمازيغية، وإنما يعكس طبيعة اللغة الحية التي تتأثر بالاحتكاك بين المجتمعات.
عندما يصبح اللفظ الأجنبي مغربياً
اللافت في كلمة «طولانطي» ليس فقط مصدرها المحتمل، وإنما الطريقة التي تمغْربت بها داخل الاستعمال الشعبي.
فالمغربي لا ينطقها بالضرورة وفق النطق الفرنسي الأصلي، بل يمنحها إيقاعاً صوتياً يتناسب مع منظومته اللغوية.
وهذه العملية تعرف في الدراسات اللغوية بمفاهيم مثل الاقتراض اللغوي والتكييف الصوتي؛ أي أن لغة ما تستعير لفظاً من لغة أخرى، ثم تجعله أكثر انسجاماً مع قواعد النطق والاستعمال لديها.
وبمرور الزمن قد يفقد المتحدث إحساسه بأن الكلمة أجنبية أصلاً، فيتعامل معها باعتبارها جزءاً طبيعياً من لغته اليومية.
«طولانطي» ليست دائماً مرتبطة بالفن
قد يتبادر إلى الذهن عندما نقول «طولانطي» أن المقصود هو المغني أو الممثل أو لاعب كرة القدم.
لكن الاستعمال المغربي أوسع من ذلك بكثير.
فقد يقال:
«هذا السيد طولانطي في التجارة»
أو:
«فلانة طولانطية في الطبخ»
أو:
«عندو يد طولانطية في الصناعة التقليدية»
أي أن الموهبة يمكن أن تظهر في أي مجال، سواء كان ميداناً فنياً أو علمياً أو مهنياً أو حتى حرفة يدوية.
وهنا تتحول الكلمة من مجرد وصف إلى اعتراف اجتماعي بوجود قدرة استثنائية لدى شخص ما.
بين «الموهبة» و«البراعة»
هناك فرق دلالي لطيف بين «الموهبة» و«البراعة».
فالموهبة تشير غالباً إلى استعداد أو قدرة متميزة لدى الإنسان، بينما ترتبط البراعة بما يظهر من إتقان ومهارة في الممارسة.
أما «طولانطي» في الاستعمال الشعبي المغربي فقد تجمع بين المعنيين معاً؛ فقد يكون الشخص موهوباً بالفطرة، ثم يطور موهبته بالتدريب والخبرة حتى يصبح بارعاً.
ومن هنا يمكن القول إن الموهبة وحدها لا تكفي دائماً لصناعة الإنسان المتميز؛ فالقدرة تحتاج إلى صقل وتكوين وممارسة.
لماذا تستحق كلمة عامية مثل «طولانطي» الدراسة؟
لأن اللغة ليست مجرد قاموس من الكلمات، وإنما هي ذاكرة المجتمع.
كل كلمة تدخل إلى التداول تحمل معها جزءاً من تاريخ العلاقات بين الناس والثقافات والمجتمعات.
وكلمة «طولانطي» تقدم مثالاً بسيطاً على الطريقة التي تتفاعل بها اللغات داخل المجتمع المغربي، وكيف يمكن للفظ أجنبي أن يعبر الحدود، ثم يدخل إلى الحياة اليومية، ويأخذ شكلاً جديداً ومعنى تداولياً خاصاً.
ومن هنا فإن دراسة ألفاظ الدارجة المغربية ليست مسألة ترف لغوي، بل يمكن أن تساعد في فهم التاريخ الاجتماعي والثقافي للمغاربة.
هل «طولانطي» كلمة مغربية؟
من الناحية العلمية، من الأفضل التفريق بين أصل الكلمة وانتمائها إلى الاستعمال المغربي.
فإذا كان أصلها مرتبطاً فعلاً بالمفردات الفرنسية المتعلقة بالموهبة، فهذا لا يمنع أن تكون قد أصبحت جزءاً من المعجم المتداول في الدارجة المغربية.
فاللغة لا تقاس فقط بجواز السفر الذي جاءت منه الكلمة، وإنما أيضاً بالطريقة التي يستعملها بها أهلها.
وهكذا يمكن أن تكون الكلمة ذات أصل أجنبي، لكنها مغربية الاستعمال، شأنها شأن عدد كبير من الألفاظ التي استقرت في الدارجة.
وفي الختام: كلمة صغيرة.. وحكاية مجتمع
قد تبدو «طولانطي» مجرد كلمة عابرة تُقال في حديث يومي، لكنها في الحقيقة تختصر قصة أكبر: قصة لغة مغربية مفتوحة على محيطها، تستقبل الكلمات، وتعيد تشكيلها، ثم تمنحها حياة جديدة داخل المجتمع.
ومن «طولانطي» يمكن أن نصل إلى سؤال أوسع:
كم من الكلمات التي نستعملها يومياً أصبحت مغربية في ألسنتنا، رغم أن جذورها جاءت من لغات أخرى؟
إن البحث في هذه الكلمات، وتتبع مساراتها وتحولاتها، يمكن أن يفتح باباً مهماً أمام الباحثين في اللسانيات والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الثقافية لفهم العلاقة بين اللغة والهوية والذاكرة والتفاعل الحضاري في المجتمع المغربي.
فالكلمة ليست مجرد صوت يُنطق، بل قد تكون وثيقة صغيرة تختزن تاريخاً كبيراً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق