السبت، 19 سبتمبر 2026

حين يتحول الاختلاف السياسي إلى انتقاص من نضال الشباب

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم تعد السياسة اليوم مجرد تنافس على المواقع والتمثيلية الانتخابية، بل أصبحت قبل كل شيء اختبارًا للأخلاق السياسية، ولقدرة الفاعلين على احترام الاختلاف، والإنصات إلى أصوات جديدة تحاول أن تجد لها مكانًا في المشهد العام.

ومن هذا المنطلق، يطرح الجدل المرتبط بالتصريحات المنسوبة إلى الأستاذة نبيلة منيب تجاه الشاب أسامة باريك، مرشح وممثل لائحة حزب الوحدة والديمقراطية بدائرة ميدلت، سؤالًا أوسع من مجرد سجال عابر بين شخصين: هل أصبحت بعض الأصوات الشبابية، القادمة من الهامش والمناطق الجبلية، تواجه بالاستخفاف بدل الاحتضان والتشجيع؟

أسامة باريك، وفق الصورة التي يقدمها عنه مؤيدوه، ليس مجرد اسم انتخابي عابر، بل شاب اختار دخول المجال السياسي من بيئة اجتماعية وجغرافية صعبة، وحاول أن ينقل مطالب الساكنة الجبلية، خصوصًا بمنطقة إميلشيل، إلى المجال العام.

وهنا تكمن أهمية المسألة؛ فالشباب الذين يأتون من القرى والجبال والمناطق البعيدة عن مراكز القرار السياسي يحتاجون إلى أن يُنظر إليهم باعتبارهم جزءًا من الحقل السياسي الوطني، لا باعتبارهم أصواتًا هامشية أو تجارب لا تستحق الاهتمام.

الخلاف السياسي لا يبرر إهانة الأشخاص

الاختلاف في السياسة أمر طبيعي، بل هو جوهر العملية الديمقراطية. ومن حق أي سياسي أن ينتقد خطاب منافسه، وأن يختلف مع مواقفه وبرنامجه وطريقة اشتغاله.

لكن الفاصل الأساسي هو بين نقد الفكرة وانتقاص قيمة صاحبها.

فحين يتحول النقاش من البرامج والمواقف إلى أوصاف شخصية جارحة، فإن الخاسر الحقيقي ليس هذا الطرف أو ذاك، وإنما صورة الممارسة السياسية نفسها.

والسياسة، مهما اشتدت فيها المنافسة، تحتاج إلى حد أدنى من الاحترام المتبادل، خصوصًا عندما يكون الطرف الآخر شابًا يخوض تجربته الأولى أو يحاول شق طريقه في فضاء سياسي شديد التنافس.

الشباب ليسوا مجرد أرقام انتخابية

من أكبر المفارقات في الخطاب السياسي المعاصر أن الجميع يتحدث عن ضرورة إشراك الشباب، وتجديد النخب، وتشجيع الكفاءات الجديدة، لكن الواقع السياسي يكشف أحيانًا عن مقاومة غير معلنة لكل صوت جديد يحاول الاقتراب من دائرة القرار.

الشاب الذي يأتي من الجبل، ويحمل هموم ساكنته، ويدخل الانتخابات بوسائله وإمكاناته، يستحق أن يُناقش سياسيًا، وأن يُحاسب على برنامجه ومواقفه، لا أن يُختزل في أوصاف تقلل من قيمته.

وإذا كان أسامة باريك قد نجح في الوصول إلى المواطنين والتعبير عن بعض مطالبهم، فإن ذلك بحد ذاته معطى سياسي واجتماعي يستحق الدراسة، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه.

المطلوب اعتذار أم توضيح؟

إذا كانت العبارات المتداولة قد نقلت فعلًا بالمعنى المنسوب إليها، فمن المسؤولية السياسية أن يتم توضيح السياق، وتحديد المقصود، وتجاوز أي إساءة شخصية إن ثبت وقوعها.

فالاعتذار في السياسة ليس ضعفًا، بل يمكن أن يكون تعبيرًا عن قوة المسؤولية الأخلاقية.

وفي المقابل، فإن الرد السياسي المسؤول على أي انتقاد لا يكون بالتصعيد الشخصي، وإنما بالحجة والوثيقة والبرنامج والعمل الميداني.

من الجبل إلى المؤسسات... صوت جديد يستحق أن يُسمع

المشهد السياسي المغربي في حاجة إلى فتح المجال أمام طاقات جديدة، خصوصًا من المناطق التي ظلت لسنوات تشكو من ضعف التمثيلية وغياب الإنصات الكافي لمطالبها.

والجبال المغربية ليست مجرد جغرافيا بعيدة عن مراكز المدن؛ إنها فضاء يعيش فيه مواطنون لهم مطالب وحقوق وانتظارات، ولهم كذلك الحق في أن يكون بينهم من يتحدث باسمهم ويشارك في صناعة القرار.

لذلك فإن القضية الحقيقية ليست أسامة باريك في مواجهة نبيلة منيب، وإنما سؤال أكبر: كيف نريد أن تكون علاقتنا بالجيل الجديد من الفاعلين السياسيين؟

هل نفتح أمامهم الباب للنقاش والمنافسة والتجربة، أم نطالبهم بالمشاركة ثم نواجههم عندما يقتحمون المجال السياسي؟

السياسة التي تحترم نفسها هي التي تستطيع أن تختلف دون أن تُهين، وأن تنتقد دون أن تُحقّر، وأن تنتصر بالحجة لا بالتجريح.

وفي نهاية المطاف، فإن صندوق الاقتراع، والبرامج، والعمل الميداني، وثقة المواطنين هي التي ينبغي أن تحسم التنافس السياسي، لا الأوصاف الشخصية ولا الحملات المتبادلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق