الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

شهادة : مينة حسيم: قراءة فكرية في مشروعها الثقافي ورهانات التجديد المعرفي


بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!

مقدمة : 

تُعدّ مينة حسيم إحدى الأصوات الفكرية الحديثة التي تسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المعرفة والمجتمع، من خلال خطاب نقدي يتقاطع فيه البُعد الثقافي مع الهمّ الاجتماعي. وقد جعلت من مشروعها الفكري مجالاً لطرح أسئلة الإبداع، الهوية، والتحول القيمي، في زمن يتميز بتسارع التغيرات وتراجع الأطر المرجعية التقليدية.

إشكالية الموضوع

ينطلق هذا الموضوع من سؤال مركزي:

كيف يشتغل المشروع الفكري لمينة حسيم على تجديد الوعي الثقافي المغربي والعربي؟

وتتفرع عنه تساؤلات فرعية:

1. ما هي المرتكزات الفكرية التي تؤسس خطاب مينة حسيم؟

2. كيف تقارب التحولات الاجتماعية والثقافية؟

3. ما مدى مساهمتها في تطوير الفكر النقدي النسائي المعاصر؟

أولاً: مرتكزات مشروعها الفكري

يرتكز خطاب مينة حسيم على ثلاث دعائم أساسية:

1. العقل النقدي: إذ تدعو إلى تفكيك البنى الثقافية السائدة وإعادة تأويلها بمنهج علمي.

2. الإنسان كغاية: حيث تركز على حرية الفرد وفاعليته في بناء المجال العام.

3. الانفتاح المعرفي: من خلال الاستفادة من المناهج الحداثية دون القطيعة مع الجذور الحضارية.

ثانياً: مقاربتها للتحولات الاجتماعية

تقدم حسيم تحليلاً عميقاً للتحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، معتمدةً على:

دراسة ديناميات الشباب والقيم الصاعدة.

تحليل ظواهر تراجع المرجعيات التقليدية.

فهم تأثير الإعلام الرقمي والاتصال الاجتماعي.

وهي ترى أن المجتمع يعيش مرحلة "انتقال ثقافي" تتطلب إعادة بناء العقل الجمعي.

ثالثاً: حضور الفكر النسائي في مشروعها

تسهم مينة حسيم في إغناء الفكر النسائي من خلال:

إبراز دور المرأة الفاعل في الإنتاج المعرفي.

تجاوز الخطابات الضيقة التي تحصر المرأة في ثنائية الضحية/التمكين.

الدعوة إلى قراءة نسائية نقدية للتراث والتاريخ.

رابعاً: أثر مشروعها على الساحة الثقافية

يظهر تأثيرها في:

إعادة طرح أسئلة الهوية والانتماء بشكل معاصر.

فتح نقاشات حول الحرية الفردية وتحديث المؤسسات الثقافية.

الدفع نحو تجديد الخطاب الفكري المغربي.

خاتمة : 

يمثل مشروع مينة حسيم إضافة نوعية للحقل الثقافي والفكري، لما يجمعه من عمق معرفي وقدرة على استشراف المستقبل. ويظل فكرها مفتوحاً على مزيد من البحث، خاصة في ظل التحديات التي تواجه المجتمعات العربية اليوم.


التربية الناعمة: مفهومها وأهميتها في بناء الشخصية


 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!

مقدمة : 

تُعد التربية أحد أهم الأسس التي يقوم عليها بناء الشخصية الإنسانية، إذ تؤثر في تكوين القيم والسلوكيات والقدرة على التفاعل الاجتماعي. ومع التطورات الحديثة في علم النفس التربوي، برزت فكرة التربية الناعمة أو ما يُعرف بالتربية الإيجابية، كنهج يركز على الحنان، والاحترام، والتشجيع بدل العقاب الصارم، لتعزيز النمو النفسي والاجتماعي للأطفال والشباب.

أولًا: تعريف التربية الناعمة

التربية الناعمة هي أسلوب تربوي يعتمد على:

الاحترام المتبادل بين المربي والمُتعلم.

التشجيع والتحفيز بدل العقاب المستمر.

المرونة في التعامل مع الأخطاء كمصدر للتعلم.

الاستماع الفعّال للاحتياجات النفسية والعاطفية للطفل أو الشاب.

وهي تختلف عن التربية التقليدية التي تعتمد غالبًا على العقاب والصرامة كأساس لتقويم السلوك.

ثانيًا: أهداف التربية الناعمة

1. تنمية الثقة بالنفس لدى المتعلم.

2. تعزيز القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.

3. غرس القيم الإيجابية كالصدق، والصبر، والتعاون.

4. الحد من السلوك العدواني والانفعالي.

5. تطوير الذكاء العاطفي والاجتماعي لدى الطفل والشاب.

ثالثًا: الأساليب والتقنيات

المدح والمكافأة الإيجابية عند السلوك الجيد.

تفسير الأخطاء بطريقة بنّاءة، دون توجيه الإهانة أو العقاب المفرط.

المشاركة في الأنشطة التعليمية والترفيهية لتعزيز التواصل.

وضع القواعد بمرونة مع توضيح سبب كل قاعدة وأهميتها.

القدوة الحسنة: فالمربي أو الوالد هو النموذج الذي يقلده الطفل.

رابعًا: أهمية التربية الناعمة

تساهم في بناء شخصية متوازنة وواعية.

تقلل من الاضطرابات النفسية والسلوكية.

تعزز التفاعل الاجتماعي الصحي داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع.

تتيح للطفل أو الشاب التعبير عن نفسه بحرية دون خوف من العقاب.

خامسًا: التحديات التي تواجه التربية الناعمة

1. انتشار أساليب التربية التقليدية في بعض المجتمعات.

2. صعوبة تطبيقها في بيئات مليئة بالضغوط النفسية أو الاقتصادية.

3. قلة وعي بعض الوالدين أو المعلمين بأهمية الدعم النفسي والعاطفي.

خاتمة : 

التربية الناعمة ليست مجرد أسلوب، بل نهج شامل لتربية جيل واعٍ ومتوازن نفسيًا واجتماعيًا. فهي تمثل جسرًا بين التربية التقليدية وبين متطلبات العصر الحديث، حيث يُصبح الحوار، والاحترام، والمرونة، والتشجيع أدوات أساسية في بناء شخصية مستقلة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة بثقة وإيجابية.

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

تحليل لظاهرة ارتفاع نسب الطلاق في المغرب: أسبابها، مظاهرها، وتحدياتها

 


بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!

📈 مؤشرات وأرقام حديثة عن الطلاق في المغرب

بحسب تقرير المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، ارتفعت حالات الطلاق من نحو 44,408 حالة سنة 2014 إلى حوالي 67,556 حالة سنة 2023، قبل أن تهبط قليلاً إلى حوالي 65,475 حالة في 2024. 

كما أن الـ “المجلس الأعلى للسلطة القضائية” أشار إلى أنّ محاكم المملكة سجلت 40,214 قضية طلاق سنة 2024، بمعدل يقارب 110–400 طلاق/تطليق يومياً حسب المصدر. 

تغيير نوع الطلاق: الطلاق بالتراضي (mutual consent) أصبح الشكل الغالب، إذ زاد من 63.1٪ في 2014 إلى نحو 89.3٪ في 2024. 

كذلك تغيّرت تركيبة المطلقين حسب العمر والجنس: فمثلاً الفئة بين 45–49 سنة أصبحت تحتل نسبًا أكبر من المطلقين. 

أيضاً هناك زيادة في عدد الأسر التي تتولى المرأة رئاستها (بسبب الطلاق أو الأرملة أو العزوبة) كما تشير HCP في تقريرها — ما يعكس تحوّل في البنية الأسرية. 

🔎 ما الأسباب والعوامل التي تُفسر هذا الارتفاع؟

يبدو أن الظاهرة ليست مرتبطة بعامل واحد، بل بمجموعة من العوامل الاقتصادية، الاجتماعية، القانونية، والثقافية:

تغير القيم الاجتماعية والمعايير: في وقتٍ بات فيه الزواج يُنظر إليه أحيانًا كخيار اجتماعي أقل التزامًا مما كان عليه من قبل، وتقل الأولوية لقيم مثل "الصبر – التحمل – المودة" حسب بعض تحليلات المجتمع. 

ضغوط اقتصادية والبطالة وارتفاع تكلفة المعيشة: هذه العوامل تؤدي إلى توتر داخل الأسرة، خصوصاً عندما لا توجد موارد مالية مستقرة، ما يزيد من صعوبة التفاهم والاستقرار. 

قلة التوافق أو تفاهم ضعيف بين الزوجين: “عدم التفاهم، اختلاف أهداف أو توقعات الحياة، خيبات أمل بعد الزواج” غالبًا ما تُذكر بين الأسباب. 

الوعي المتزايد بحقوق الفرد والمرأة: مع تطور التعليم، الحقوق، والوعي القانوني، بعض الأزواج قد يفضلون الانفصال بدل البقاء في زواج لا يوفر لهم الأمن أو الرضا. 

تغيّر في أنماط الزواج (مثل تأخر الزواج، زواج لاحق في العمر، زواج غير رسمي/غير موثق) أحيانًا يؤدي إلى ضعف في التوافق أو توفير الضمانات اللازمة للاستقرار. 

نقاط ضعف في آليات الصلح والمساندة الأسرية: بعض من يطالب بمراجعة القانون أو بدعم اجتماعي أكبر للعائلات للحد من الطلاق، وهي حاجة يبرزها الخبراء. 

🧠 تبعات اجتماعية على الأسرة والمجتمع

ارتفاع الطلاق له آثار متعددة، منها:

تفكك الأسرة: مما يمكن أن يؤدي إلى مشاكل نفسية للأطفال، ضعف الروابط الأسرية، وزعزعة الاستقرار الاجتماعي. 

زيادة الأسر تحت “رئاسة المرأة”: وهذا تحول مهم في البنية التقليدية للأسرة ويستلزم إعادة تنظيم الأدوار والحقوق والواجبات. 

تزايد حالات “العزوبة” أو تأخر الزواج في أوساط الشباب، ما يؤثر بدوره على التركيبة السكانية والاستقرار المجتمعي. 

ضغوط كبيرة على المؤسسات القضائية والاجتماعية: عدد القضايا، الحاجة إلى خدمات الصلح والمصالحة، ورعاية الأطفال والمطلقات… كل هذا يتطلب موارد تدعّم الأسرة بعد الطلاق. 

🛠️ ما هي بعض الاقتراحات / الحلول المطروحة أو المطلوبة؟

من بين ما يُقترح لمعالجة الظاهرة أو التخفيف من آثارها:

تعزيز التوعية قبل الزواج: عبر دورات تحضير للزواج تشمل الجوانب النفسية، الاقتصادية، والتربوية — حتى تكون توقعات الزوجين واقعية ومبنية على تفاهم. 

دعم آليات الصلح والمصالحة داخل الأسرة قبل اللجوء للطلاق: تفعيل دور الوساطة الأسرية، المساعدين الاجتماعيين، والمرشدين – خاصة في حالات الخلاف الأولية. 

تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية: لأن الأزمات المادية تُعد عاملًا مهمًا في تقويض الزواج، وبالتالي لابد من سياسات اجتماعية واقتصادية تدعم الأسر (فرص شغل، دعم العائلات، تعليم).

دعم النفقة، الرعاية النفسية، وضمان حقوق الأطفال بعد الطلاق: لتقليل الأضرار الناتجة عن الانفصال، خصوصاً على الأجيال الجديدة.

إعادة النظر في القيم الاجتماعية والتنشئة الثقافية: تعزيز قيم الاحترام، الحوار، التضامن، التفاهم داخل الأسرة — وهو جزء من ما يمكن تسميته “تربية ناعمة” أيضاً.

💭 رأي/تحليل شخصي — نظرة تأملية

أرى أن ما يحدث في المغرب ليس فقط نتيجة أزمة قيم أو ضعف التقاليد، بل هو نتيجة طبيعية لتحولات عميقة في المجتمع: من ناحيتين — اجتماعية واقتصادية. التغيير في التعليم، الوعي، الأدوار، والظروف المعيشية يعني أن الأسرة ليست كما كانت قبل 20-30 سنة. لذلك من المهم أن نتعامل مع هذه الظاهرة بواقعية ووعي: لا كعار، ولكن كواقعة تستدعي منّا تفكيراً في كيف نبني أسرًا مستقرة، نفهم حقوقنا وواجباتنا، ونمكّن الأفراد (رجالًا ونساء) من اتخاذ قرارات سليمة.

كما أن هناك فرصة — إذا تعاملنا معها بحكمة — لنقل المجتمع نحو زواج مسؤول، قائم على تفاهم واحترام، وليس مجرد عرف اجتماعي. قد يكون هذا التحول صعب، لكنه ربما أهم من كل إحصائية.


ظاهرة من الواقعي الى الافتراضي : كيف أصبحت المنصات الرقمية محركات مركزيا للسلوك الإجتماعي


 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!

مقدمة : 

يشهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في البنى الاجتماعية والسلوكية، نتيجة الثورة التكنولوجية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت هذه المنصات فضاءً مفتوحًا للتعبير، وتبادل المعرفة، وبناء العلاقات، لكنها في الآن نفسه تحولت إلى قوة مؤثرة تعيد تشكيل السلوك الفردي والجماعي، وتعيد صياغة الهوية الاجتماعية والثقافية. إن تأثير التواصل الاجتماعي لم يعد مقتصرًا على الجانب الترفيهي أو المعلوماتي، بل أصبح عنصرًا بنيويًا في الحياة اليومية، بل والمحرك الأكبر للتغيرات السلوكية المعاصرة.

أولاً: مفهوم التواصل الاجتماعي وتحولاته

يشير التواصل الاجتماعي إلى استخدام الوسائط الرقمية لإنشاء شبكات تفاعلية تسمح للأفراد بتبادل المعلومات والآراء والصور والفيديوهات. ومع تطور التكنولوجيا، انتقل التواصل من المستوى الفردي إلى مستوى شبكات عملاقة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، مما أدى إلى:

تسريع نقل الأفكار والقيم.

خلق ثقافة رقمية جديدة.

تعزيز المشاركة والتأثير الجماعي.

إعادة تشكيل مفهوم الزمن والمكان في عملية التواصل.

ثانياً: العوامل التي تمنح التواصل الاجتماعي قوة التأثير السلوكي

1. الانتشار الواسع: الوصول إلى ملايين المستخدمين في لحظات.

2. التفاعل الفوري: القدرة على تشكيل ردود الأفعال فورًا وبشكل جماعي.

3. التأثير البصري: الصور والفيديوهات القصيرة أصبحت أدوات قوية لتحفيز السلوك.

4. خوارزميات الاستهداف: منصات التواصل تعزز المحتوى الأقرب لميول المستخدم، مما يزيد من تأثيره عليه ويعيد تشكيل قناعاته.

5. صناعة النماذج والقدوات المُؤثرة: مثل المؤثرين واليوتيوبرز.

ثالثاً: التأثيرات السلوكية لوسائل التواصل الاجتماعي

1. التأثير على السلوك الفردي

تغيّر القيم والاهتمامات: خاصة لدى الشباب الذين أصبحوا أكثر انجذابًا للمحتويات السريعة والسطحية.

تعزيز النزعة الاستهلاكية عبر الإعلانات الموجهة والتقليد.

ضعف التركيز والانتباه بسبب كثرة المنبهات الرقمية.

ظهور أنماط جديدة للتعبير عن الذات مثل الصور المعدّلة، وصناعة الهوية الافتراضية.

2. التأثير على السلوك الاجتماعي

إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية: الانتقال من العلاقات الواقعية إلى العلاقات الافتراضية.

تنميط السلوك الجماعي عبر الترندات والتحديات.

انتشار القيم الفردانية مقابل تراجع القيم الجماعية والتضامنية.

تنامي الخطاب الانفعالي بسبب سهولة التعبير وردود الفعل السريعة.

3. التأثير على السلوك الثقافي

انتشار الثقافة العالمية وذوبان بعض الخصوصيات الثقافية.

صعود ثقافة الصورة بدل ثقافة القراءة والتحليل.

تغيير آليات التعلم والتكوين من خلال المحتوى الرقمي القصير.

رابعاً: الجوانب الإيجابية للتواصل الاجتماعي

رغم الانتقادات، يظل للتواصل الاجتماعي إيجابيات مهمة:

تعزيز الوعي الاجتماعي والسياسي.

خلق فرص اقتصادية جديدة (التجارة الإلكترونية – العمل الحر).

دعم التعليم الرقمي وتبادل الخبرات.

تسهيل التضامن الإنساني في الأزمات.

خامساً: الجوانب السلبية للتواصل الاجتماعي.

انتشار الإشاعة وسرعة تداول الأخبار الزائفة.

ارتفاع معدلات الإدمان الرقمي.

التمرد على القيم التقليدية دون وعي.

التأثير على الصحة النفسية (القلق، المقارنة الاجتماعية، العزلة).

اختراق الخصوصية.

سادساً: التواصل الاجتماعي وتغير السلوك في المجتمع المغربي

في المغرب، يمكن ملاحظة تأثير التواصل الاجتماعي في:

التحولات السلوكية لدى الشباب من حيث اللباس، اللغة، الاهتمامات.

صعود مؤثرين أصبحوا مرجعًا ثقافيًا وسلوكيًا للعديد من الفئات.

تغير قيم الأسرة نتيجة الاحتكاك اليومي بأنماط عيش عالمية.

انتشار الحملات الرقمية التي تؤثر على القرارات العمومية والسلوك الاجتماعي.

سابعاً: آليات الحد من الآثار السلبية للتواصل الاجتماعي

1. التربية الرقمية داخل الأسرة والمدرسة.

2. تعزيز التفكير النقدي لدى الأجيال الصاعدة.

3. تشجيع الإنتاج الرقمي الهادف بدل الاستهلاك السلبي.

4. وضع أطر قانونية لحماية الأطفال والمراهقين.

5. تنمية الوعي الثقافي والاجتماعي لمواجهة الذوبان الثقافي.

خاتمة : 

لقد أصبح التواصل الاجتماعي محركًا أساسيًا للتغيرات السلوكية في العالم والمغرب على حد سواء. فهو يشكل العقول، ويغير القيم، ويعيد هندسة العلاقات، ويؤثر بعمق في أنماط التفكير والاختيار. وبينما يحمل هذا التحول فرصًا واعدة، فإنه يتطلب إطارًا تربويًا وقيميًا لحماية المجتمع من الانزلاق نحو التفكك والسطحية، وضمان استثمار إيجابي لهذه القوة الجديدة التي تصوغ المستقبل.

الاثنين، 1 ديسمبر 2025

ظاهرة حب الذات والأنا عند الشباب المعاصر : قراءة سوسيولوجية ونفسية


 بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!!

مقدمة : 

شهدت المجتمعات الحديثة تحوّلات عميقة أثّرت جذريًا على بنية الشخصية الفردية، خاصة لدى فئة الشباب. ومن بين الظواهر البارزة التي أثارت اهتمام الباحثين ظهور نزعة متنامية نحو حبّ الذات (Self-Love) وتضخم الأنا (Narcissism). لم يعد الأمر مجرد تقدير صحي للنفس، بل أصبح في كثير من الأحيان يعكس أنماطًا فردانية قد تصل إلى حدود الأنانية، التمركز حول الذات، والرغبة المستمرة في تسويق الذات وصناعة الصورة.

أولًا: مفهوم حبّ الذات والأنا

1. حبّ الذات الإيجابي

هو تقدير الذات، احترام النفس، الوعي بالقيمة الشخصية، والقدرة على حماية الحدود النفسية. هذا النوع مطلوب وصحي.

2. حبّ الذات السلبي (المتضخم)

هو حين تتحول الرغبة في تقدير الذات إلى:

إعجاب مبالغ به بالنفس

رفض النقد

الحاجة الدائمة للاهتمام

مقارنة مستمرة بالآخرين

شعور بالتفوق غير الواقعي

3. الأنا في علم النفس الاجتماعي

يعرّفها علماء النفس (فرويد، إريكسون، لاكان) بأنها جزء من الشخصية مسؤول عن:

الهوية

الإحساس بالذات

الرغبة في الاعتراف الاجتماعي

لكن تضخمها يؤدي إلى النرجسية الاجتماعية.

ثانيًا: العوامل المؤدية إلى تضخم الأنا لدى الشباب

1. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

السيلفي، الإعجابات، المتابعون… كلها أدوات تُغذي ثقافة الصورة.

مقارنة الذات بغيرها بطريقة مستمرة تؤدي إلى متلازمة النقص أو التفوق.

النجاح أصبح يقاس بـ"كمية التفاعل" وليس جودة الإنجاز.

2. التربية الأسرية الحديثة

التربية الناعمة المفرطة أحيانًا تخلق جيلاً حساسًا للنقد.

بعض الأسر تُعطي الطفل شعورًا بأنه “محور الكون”، مما يرسخ الأنانية.

غياب الحدود والقواعد الواضحة يساهم في خلق شخصية متمركزة حول ذاتها.

3. التغيرات الاقتصادية والاجتماعية

صعوبة الاندماج في سوق العمل

القلق الوجودي

غياب الأمان النفسي

→ تجعل الشباب يبحثون عن قيمة بديلة تعتمد على الذات وحدها بدل الانتماء للجماعة.

4. الثقافة المعاصرة (Culture Pop)

تمجيد فكرة “كُن نسخة نفسك” و“أنت أولاً”

رموز الفن والمشاهير يقدمون نموذج "النجومية الفردية"

ظهور مؤثرين يقدمون “الأنا” كسلعة وعلامة تجارية.

5. غياب القدوات الحقيقية

أزمة القدوة الأخلاقية والفكرية تجعل الشباب يخلقون لأنفسهم "صورة نموذجية" وهمية ترتكز على الإعجاب بالنفس.

ثالثًا: تجليات الظاهرة في الحياة اليومية للشباب

الاهتمام المبالغ بالمظهر والصورة الخارجية.

رفض النقد أو النصيحة مهما كانت بنّاءة.

الانعزال عن الجماعة وتفضيل العلاقات السطحية.

البحث عن الشهرة السريعة.

الحديث عن الذات باستمرار.

تضخيم الإنجازات الصغيرة.

ضعف مهارات التعاطف.

هذه السلوكيات تُعرف في الأدبيات الاجتماعية بـ Self-centric lifestyles.

رابعًا: الآثار النفسية والاجتماعية

1. الآثار النفسية

هشاشة الثقة بالنفس (رغم المظاهر).

القلق والاكتئاب عند عدم تلقي الاهتمام الكافي.

الاعتماد على الآخر لتثمين الذات.

فقدان المعنى الداخلي للحياة.

2. الآثار الاجتماعية

ضعف العلاقات الزوجية والعاطفية

تزايد الفردانية

صعوبة الاندماج في العمل الجماعي

صراع دائم في العلاقات الاجتماعية

تراجع قيم التضامن والغيرية

خامسًا: كيف يمكن الحد من الظاهرة؟

1. التربية على التوازن العاطفي

تعليم الشباب الفرق بين تقدير الذات والنرجسية.

غرس قيم التواضع والاحترام والمسؤولية.

2. تعزيز الذكاء العاطفي

فهم المشاعر

ضبطها

تطوير التعاطف

التواصل دون عدوانية

3. إعادة بناء ثقافة القدوة

خاصة القدوة الأخلاقية والعلمية والإنسانية.

4. تنظيم علاقة الشباب بالسوشيال ميديا

استخدام واعٍ لا قائم على المقارنة.

تقديم محتوى يعزز القيم وليس تضخيم الأنا.

5. دعم الشباب نفسيًا

عبر المرشدين النفسيين

المؤسسات التعليمية

الجمعيات

مراكز التكوین

برامج التنمية الذاتية الوازنة

خاتمة : 

ظاهرة حبّ الذات المتضخم عند الشباب المعاصر ليست مجرد مشكلة شخصية، بل هي تحول بنيوي في الثقافة والسلوك الاجتماعي. يعيش الشباب اليوم في عالم سريع، ضاغط، بصري، ويتطلب إثبات الذات باستمرار. ومع غياب التوجيه وانهيار بعض القيم المشتركة، يصبح التمركز حول الذات وسيلة دفاعية لكنها تحمل مخاطر مستقبلية.

الحل يكمن في إعادة تربية المشاعر، إعادة بناء القيم، وتعزيز التوازن بين الذات والمجتمع..

يدا في يد لزرع شجرة الأخلاق الحسنة


 بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي/ المنسق الوطني للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية ..!!!

تُمثّل شجرة الأخلاق الحسنة منظومة قيم سامية تُهذّب الإنسان وترتقي بسلوكه، وتُسهم في بناء مجتمع متماسك راقٍ. جذورها ثابتة في الإيمان والوعي، وأغصانها تمتد لتثمر أفعالًا جميلة تُضيء حياة الفرد ومن حوله. ومن أهم ثمار هذه الشجرة:

1️⃣العدل: أساس الاستقامة، به تُصان الحقوق وتستقيم العلاقات بين الناس.

2️⃣برّ الوالدين: خلقٌ عظيم يجلب البركة والرضا، وهو من أعظم القُربات إلى الله.

3️⃣العطاء: كرم النفس وسخاؤها، سواءً بالمال أو الوقت أو الكلمة الطيبة.

4️⃣المسؤولية: إدراك الواجبات والقيام بها بإخلاص، تجاه الذات والآخرين والمجتمع.

5️⃣الإحسان: إتقان العمل، ومقابلة الإساءة بالمعروف، وبذل الخير دون انتظار مقابل.

6️⃣التعاون: مدّ يد العون للغير، والعمل بروح الفريق من أجل مصلحة أوسع.

7️⃣التفاؤل: نظرة مشرقة تبعث الأمل وتدفع الإنسان للتقدم رغم الصعاب.

8️⃣الأمانة: حفظ الحقوق والعهود، والقيام بالأعمال دون غش أو خيانة.

9️⃣الاحترام: تقدير الآخرين وآرائهم، وحُسن التعامل مع الكبير والصغير.

0️⃣1️⃣الصدق: قول الحقيقة والالتزام بها، وهو طريق النجاة والثقة.

1️⃣1️⃣الصبر: قوة داخلية تعين على تحمّل الشدائد ومواصلة الطريق بثبات.

2️⃣1️⃣التواضع: خُلُقٌ يجمل صاحبه، ويجعله محبوبًا عندالناس بعيدًا عن الكِبر.

3️⃣1️⃣النظافة: طهارة الجسد والمكان والروح، وهي عنوان الرقي وصحة المجتمع.

▫️إن شجرة الأخلاق الحسنة إذا اعتنى بها الإنسان سقاها بالعلم والتربية والتقوى، أثمرت له حياة طيبة وذكرًا جميلًا وأثرًا يبقى بعد الرحيل.

اللَّهمَ جملنَّا بأحسن ألاخلاق يالله.   

السبت، 29 نوفمبر 2025

تحليل سوسيولوجي ثقافي نفسي حول ضعف الشخصية عند الشباب والمرأة اكثر جرأة وأقل حياء


 بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/ منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .

فيما يلي موضوع أكاديمي شامل يجمع بين التحليل السوسيولوجي والنفسي والثقافي حول السؤالين معًا:

لماذا أصبحت المرأة المغربية أكثر جرأة وأقل حياء (ظاهريًا)؟

ولماذا تتنامى ظاهرة ضعف الشخصية عند الشباب الذكور؟

1. مقدمة : 

شهد المجتمع المغربي خلال العقدين الأخيرين سلسلة تحولات بنيوية أثرت في منظومة القيم والأدوار الاجتماعية، خصوصًا تلك المتعلقة بالمرأة والرجل. فقد برزت المرأة المغربية أكثر حضوراً وجرأة في التعبير عن رأيها، وبرز في المقابل تراجع واضح في المبادرة وقوة الشخصية لدى بعض فئات الشباب الذكور. هذه الظواهر ليست منفصلة، بل مترابطة وتُقرأ ضمن سياق التغير الاجتماعي والرقمي والقيمي.

أولاً: جرأة المرأة المغربية وأسباب تغيّر تمثلات الحياء

1. التحولات التشريعية والمؤسساتية

إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 منح المرأة دوراً قانونياً أقوى.

صعود المرأة في الوظيفة العمومية والقطاع الخاص جعلها أكثر استقلالاً اقتصادياً.

تعزيز حقوق المرأة في السياسة والمدرسة والإدارة أدى إلى تنمية وعي جديد بذاتها.

أثر ذلك:

لم يعد الحياء كما كان يُفهم تقليدياً شرطاً للسلوك الأنثوي، بل أصبح يُستبدل بفكرة الثقة بالنفس والجرأة في التعبير.

2. التأثير الإعلامي والرقمي

انتشار شبكات التواصل الاجتماعي قدّم نماذج نسائية أكثر جرأة في اللباس، الخطاب، والتعبير عن الذات.

المحتوى الموجّه للشابات يؤكد على الحرية الفردية، قوة الشخصية، الدفاع عن الحقوق، ومواجهة الصور النمطية.

التحول نحو ثقافة الاستعراض (Culture de l’apparence) أضعف السلطة الأخلاقية التقليدية.

أثر ذلك:

تجاوزت الفتيات الحواجز الاجتماعية التي كانت تفرض نوعاً من الانضباط والحياء التقليدي.

3. تراجع المؤسسة الأسرية التقليدية

ضعف الرقابة الأسرية نتيجة خروج الوالدين للعمل وتغيّر نمط العيش.

صعود مفهوم “التربية الناعمة” التي تعتمد التشجيع بدل الضبط.

تراجع الدور الأخلاقي للجماعة وارتفاع الفردانية (Individualisme).

النتيجة:

تحرر أكبر للسلوك النسائي مقارنة بالماضي.

4. التحولات الاقتصادية

المرأة اليوم تدرس، تعمل، تسافر، وتُعيل أسرتها أحياناً.

الاستقلال المالي يمنح جرأة مضاعفة في اتخاذ القرار ومواجهة الانتقاد.

5. التحولات النفسية

ارتفاع الوعي بالحقوق الذاتية وتعزيز حضور المرأة في الفضاء العام.

تطور مفهوم “الحياء” من خجل وانطواء إلى حياء سلوكي متوازن لا يمنع التعبير عن الذات.

ثانياً: لماذا أصبح ضعف الشخصية يتنامى بين الشباب الذكور؟

1. أزمة النموذج الذكوري التقليدي

الصورة القديمة للرجل: القائد، المعيل، الحامي.

هذه الأدوار اهتزت مع ارتفاع مشاركة المرأة في العمل والتعليم.

الشاب اليوم يعيش حيرة الدور (Rôle ambiguity) ولا يعرف ما هو متوقع منه.

النتيجة:

ضعف الثقة بالنفس، وشعور بعدم الفاعلية.

2. التربية الأسرية الحديثة

الإفراط في حماية الأبناء الذكور (hyperprotection).

غياب التوجيه الصارم والبنائية التربوية.

التربية المرفّهة التي لا تعوّد الطفل على مواجهة الصعاب.

أثر ذلك:

ظهور جيل هشّ، سريع الانكسار، قليل الصبر.

3. هيمنة العالم الرقمي

الإدمان على الألعاب الإلكترونية، المحتوى السطحي، والمقاولات الرقمية السهلة.

ضعف التواصل الاجتماعي الحقيقي.

مقارنة النفس بالآخرين باستمرار في "السوشيال ميديا".

هذه العناصر تُنتج

شخصية مترددة، قلقة، ومصابة بالضغط النفسي.

4. الأزمة الاقتصادية وصعوبة الاندماج

ارتفاع البطالة بين الشباب.

هشاشة سوق الشغل.

تأخر سن الزواج.

ضعف القدرة الشرائية.

النتيجة: 

الشاب يفقد إحساسه بالدور الاجتماعي، مما يولّد ضعفاً في شخصيته وثقته بنفسه.

5. غياب القدوة الذكورية

تضاؤل حضور الأب داخل الأسرة.

ضعف الأدوار التربوية للمدرسة.

تراجع جاذبية الشخصيات النموذجية في المجتمع (علماء، مفكرون، مربون…).

6. الضغط النفسي وعدم وجود دعم نفسي

ارتفاع القلق والاكتئاب لدى الشباب.

غياب التربية النفسية في المدرسة.

غياب فضاءات التعبير عن الذات.

ثالثاً: العلاقة التفاعلية بين الظاهرتين

المرأة أصبحت أكثر جرأة لأنها حققت تقدماً في أدوارها، بينما الرجل فقد بعض امتيازاته التقليدية دون أن يحصل على بديل حديث واضح.

هذا ما يسميه علماء الاجتماع:

اختلال التوازن في الأدوار الاجتماعية (Déséquilibre des rôles sociaux).

فكلما تقدمت المرأة بقوة أسرع من استعداد المجتمع لتقبّل ذلك،

كلما ظهر لدى الشباب الذكور ارتباك، ضعف شخصية، أو انسحاب اجتماعي.

رابعاً: حلول ومقترحات

1. إعادة بناء التربية الأسرية على أساس المسؤولية لا السيطرة

تعويد الأبناء على اتخاذ القرار وتحمل النتائج.

2. تعزيز التربية النفسية في المدارس

تدريس مهارات:

الثقة بالنفس

ضبط الذات

التواصل

حل المشكلات

3. إعادة تعريف الرجولة (Masculinity Positive)

الرجولة ليست قسوة ولا سلطة، بل:

احترام

مسؤولية

استقامة

قيادة إيجابية

4. توفير دعم نفسي للشباب

ورشات، فضاءات إنصات، تكوينات في المهارات الحياتية.

5. توجيه الإعلام نحو نماذج متوازنة

تقديم صور إيجابية للرجل والمرأة بعيداً عن المبالغة والتطرف.

خاتمة : 

إن جرأة المرأة المغربية وتراجع ثقة بعض الشباب بأنفسهم ليستا ظاهرتين منعزلتين، بل هما نتيجة لتغيرات عميقة في البنية الاجتماعية والقيم والثقافة الرقمية. معالجة الظاهرتين تحتاج إلى رؤية تربوية جديدة وإعادة بناء مفهوم الدور الاجتماعي للرجل والمرأة بشكل متوازن وعقلاني يتماشى مع العصر ويحافظ على القيم.