إلى ابني الحبيب........ وابني الغالي
قد لا أترك لكما ثروةً تُعد، ولا مالًا يُورث، ولا عقاراتٍ تتنافسا عليها الأجيال، فقد عشت مؤمنًا بأن المال يذهب ويأتي، وأن الأرزاق بيد الله وحده.
ولكنني أرجو أن أترك لكما ما هو أثمن من المال، وأبقى من الممتلكات، وأنفع لكما في دنياكما وآخرتكما : وصية صادقة، هي خلاصة سنوات من التجربة، وما تعلمته من الحياة، وما أدركته من الناس.
أبنائي الأعزاء.......
إذا كنتما يومًا وحيدين، فانتبها لأفكاركما ، فإن الأفكار هي التي تصنع القرارات، والقرارات هي التي ترسم مصير الإنسان. اجعلا وحدتكما خلوةً مع نفسكما ، لا سجنًا لأوهامكما.
وإذا كنتما بين الناس، فانتبها لتصرفاتكما، فالأخلاق تسبق الأسماء، والاحترام يُكتسب بالأفعال لا بالأقوال.
وإذا غضبتما فاحرسا لسانكما، واضبطا انفعالكما، فكم من كلمة هدمت علاقة، وكم من لحظة غضب غيّرت حياة إنسان.
وإذا أحببتما، فلا تعدا إلا بما تستطيعا الوفاء به، فالوفاء خُلُق الكبار، والصدق أساس كل علاقة ناجحة.
وإذا أنعم الله عليكماةبعلم، أو مال، أو جاه، أو منصب، فلا يدخلا الغرور إلى قلبكما، ولا تظنا أن ما أنتما فيه من نفسكما، بل احمدا الله دائمًا، وتواضعا لعباده، فكل نعمة قد تزول، ولا يبقى إلا العمل الصالح.
وإذا ضاقت بكما الدنيا، وأغلقت الأبواب، وخذلكما الناس، فلا تكثرا الوقوف على أبواب البشر، بل اطرقا باب الله أولًا، فهو الكريم الذي لا يرد سائلًا، ولا يخيب راجيًا، ولا يخذل عبدًا أحسن الظن به.
ابنائي الأعزاء.......
لا تغرنكما الحياة الدنيا بزخرفها، ولا يخدعكما بريقها، فهي زائلة مهما طالت، وكل ما فيها إلى فناء. ولا يجعلنكما الشيطان من المغترين بالله، فتؤجلا التوبة، أو تركنا إلى المعاصي، أو تظنا أن العمر طويل، فالأعمار بيد الله.
واعلما أن زمنكم مليء بالفتن، والأحداث المتسارعة، والشهوات، والشبهات، والتضليل، والصراعات، والمظاهر الخادعة، والجواهر الاجتماعية التي قد تُزين الباطل وتُقبح الحق. فلا تتبعا كل ناعق، ولا تنسقا وراء كل فكرة، واجعلا ميزانكما كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعقل السليم، والخلق القويم.
اخترا طريق الصالحين، ولو كان أصعب الطرق، فإن نهايته نور وطمأنينة، وابتعدا عن طريق الباطل، ولو ازدحم بالسائرين، فإن نهايته ندم وحسرة.
وتذكرا دائمًا أن هذه الدنيا ليست دار إقامة، وإنما هي ممر للاختبار، وأن الآخرة هي دار القرار. فازرعا هنا ما تحبا أن تحصداه هناك، واعملا ليومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وأوصيكما بالصلاة، فإنها صلتك بربك، وبالصدق، فإنه مفتاح كل خير، وبالعلم، فإنه نور العقل، وبالتواضع، فإنه يرفع صاحبه، وببر والديك، وصلة رحمك، والإحسان إلى الناس، فخير الناس أنفعهم للناس.
وأخيرًا...
إذا ذكرتماني بعد رحيلي، فلا تبكِيا على ما لم أتركه لكما من مال، ولكن ادعُوا لي بالرحمة والمغفرة، واعملا بهذه الوصية إن وجدتما فيها خيرًا، فذلك هو الإرث الحقيقي الذي أتمنى أن يبقى بين يديك.
أسأل الله أن يحفظكما، ويثبتكما على الحق، ويجعلكما من عباده الصالحين، وأن يرزقكما خير الدنيا، ونعيم الآخرة. واعلما إنني كنت احبكما فانتما فلدتا كبدي وسندي ونورا وقرة عيني ....وكنا إخوانا وعلى دين الله اعوانا ......وكن لأخيك سندا يكون لك عونا
وصية كتبها الأب المحب:
العبد الفقير الى الله الفاني : د. خليفة مزضوضي
.


















