الاثنين، 16 مارس 2026

فلسفة الصيام في الإسلام بين المقصد الشرعي والممارسة الاجتماعية المعاصرة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يُعد شهر رمضان من أعظم المواسم الروحية في الإسلام، إذ جعله الله تعالى فرصة لتزكية النفس وتقوية الصلة بين العبد وربه، وتعزيز قيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع. فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو عبادة شاملة تهدف إلى تهذيب السلوك الإنساني وترسيخ معاني الرحمة والعدل الاجتماعي. غير أن الملاحظ في بعض المجتمعات الإسلامية في السنوات الأخيرة هو تحول شهر رمضان لدى فئات من الناس من شهر للعبادة والزهد إلى موسم للاستهلاك المفرط والتباهي بالموائد، الأمر الذي يتعارض مع المقاصد الشرعية للصيام ويُضعف رسالته الإنسانية.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة فلسفة الصيام في الإسلام وبيان مقاصده، ومقارنة ذلك ببعض الممارسات الاجتماعية المعاصرة.

أولاً: مشروعية الصيام ومكانته في الإسلام

الصيام ركن من أركان الإسلام الخمسة، وقد فرضه الله تعالى على المسلمين كما فرضه على الأمم السابقة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

(سورة البقرة: 183)

ويستفاد من الآية أن الغاية الأساسية من الصيام هي تحقيق التقوى، أي مراقبة الله تعالى في السر والعلن.

كما قال النبي ﷺ:

"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" (رواه البخاري ومسلم).

ومن ثم فإن الصيام ليس عبادة شكلية، بل هو نظام تربوي متكامل يهدف إلى إصلاح الفرد والمجتمع.

ثانياً: المقاصد الروحية والتربوية للصيام

1. تزكية النفس وتهذيب السلوك

الصيام يربي الإنسان على ضبط الشهوات والتحكم في الغرائز.

قال النبي ﷺ:

"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (رواه البخاري).

وهذا يدل على أن الصيام الحقيقي هو الذي ينعكس على أخلاق الصائم وسلوكه.

2. تقوية الصلة بالله

رمضان شهر القرآن والذكر والدعاء، وفيه نزل القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾

(سورة البقرة: 185)

ولهذا يُعد رمضان موسماً للعودة إلى الله عبر الصلاة والقيام وتلاوة القرآن.

3. تعزيز روح التضامن الاجتماعي

الصيام يجعل الإنسان يشعر بمعاناة الفقراء والمحتاجين، مما يدفعه إلى العطاء والإحسان.

قال تعالى:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾

(سورة الإنسان: 8)

كما قال النبي ﷺ:

"من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء" (رواه الترمذي).

ثالثاً: رمضان شهر القرآن والإصلاح الروحي

من الخصائص الكبرى لشهر رمضان ارتباطه بالقرآن الكريم، إذ كان النبي ﷺ يكثر فيه من تلاوة القرآن ومدارسته.

وقد ورد في الحديث أن جبريل عليه السلام كان يدارس النبي القرآن في رمضان (رواه البخاري).

وهذا يبين أن رمضان هو شهر العلم والهداية والتأمل الروحي وليس مجرد شهر للطعام والشراب.

رابعاً: ظاهرة التبذير والتفاخر في رمضان

رغم المقاصد السامية للصيام، ظهرت في بعض المجتمعات الإسلامية مظاهر سلبية خلال شهر رمضان، من أبرزها:

1. التبذير في الطعام

تتحول موائد الإفطار لدى بعض الأسر إلى مظاهر استهلاكية مفرطة، حيث تُعد كميات كبيرة من الطعام يفوق الحاجة، وينتهي جزء كبير منها في النفايات.

وقد نهى الإسلام عن التبذير، قال تعالى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾

(سورة الأعراف: 31)

وقال أيضاً:

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾

(سورة الإسراء: 27)

2. التفاخر الاجتماعي

أصبحت بعض الموائد وسيلة للتباهي الاجتماعي بدلاً من كونها وسيلة للكرم والتكافل. وهذا يتناقض مع روح التواضع التي يدعو إليها الإسلام.

3. الغفلة عن الفقراء والمحتاجين

في مقابل الإسراف لدى بعض الناس، هناك فئات واسعة تعاني من الفقر ولا تجد قوت يومها. وقد أشار القرآن الكريم إلى فئة من الفقراء الذين لا يسألون الناس تعففاً، قال تعالى:

﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ... يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾

(سورة البقرة: 273)

وهؤلاء أولى بالعناية والبحث عنهم لمساعدتهم.

خامساً: التكافل الاجتماعي في الإسلام

جعل الإسلام مساعدة الفقراء والمحتاجين جزءاً أساسياً من العبادة، ويتجلى ذلك في عدة صور:

1. الزكاة

وهي ركن من أركان الإسلام ووسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

2. الصدقات

حث الإسلام على الإكثار منها خاصة في رمضان.

3. زكاة الفطر

وهي تهدف إلى إغناء الفقراء يوم العيد.

قال النبي ﷺ:

"فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين" (رواه أبو داود).

سادساً: البعد الأخلاقي والإنساني لشهر رمضان

رمضان مدرسة أخلاقية يتعلم فيها الإنسان:

الصبر

الرحمة

الكرم

التضامن

الإحساس بالآخر

ولهذا قال النبي ﷺ:

"ليس الصيام عن الطعام والشراب، إنما الصيام عن اللغو والرفث".

سابعاً: سبل إحياء المقاصد الحقيقية لرمضان

لإعادة الاعتبار لرسالة رمضان الحقيقية ينبغي العمل على:

نشر الوعي الديني بمقاصد الصيام.

محاربة مظاهر الإسراف والتبذير في الطعام.

تشجيع المبادرات التضامنية لمساعدة الفقراء.

الاهتمام بالقرآن والعبادة خلال الشهر الكريم.

تعزيز ثقافة الاعتدال والاستهلاك المسؤول.

إن شهر رمضان ليس مجرد تقليد اجتماعي أو موسم استهلاكي، بل هو مشروع تربوي وروحي يهدف إلى بناء الإنسان الصالح والمجتمع المتضامن. غير أن الممارسات السلبية مثل الإسراف والتفاخر بالموائد تُفرغ الصيام من معناه الحقيقي وتتناقض مع مقاصده الشرعية. ومن هنا فإن استعادة روح رمضان الحقيقية تتطلب العودة إلى تعاليم الإسلام القائمة على الاعتدال والتقوى والتكافل الاجتماعي، حتى يبقى هذا الشهر المبارك موسماً للرحمة والإصلاح الروحي والإنساني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق