بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية ؛ رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
يشكّل المحجوبي أحرضان إحدى الشخصيات المحورية في الحياة السياسية المغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. فقد ارتبط اسمه بتأسيس وتطوير الحركة الشعبية، وبالدفاع عن التعددية السياسية والهوية الأمازيغية داخل المشروع الوطني المغربي. كما لعب دوراً مهماً في بناء مؤسسات الدولة المغربية بعد الاستقلال في ظل حكم الملك محمد الخامس ثم الملك الحسن الثاني.
أولاً: النشأة والتكوين
ولد المحجوبي أحرضان سنة 1921 ببلدة والماس في منطقة الأطلس المتوسط، وهي منطقة ذات أغلبية أمازيغية. وقد نشأ في بيئة قبلية محافظة، حيث تشكّلت شخصيته في إطار ثقافي أمازيغي تقليدي.
تلقى تعليمه الأولي بمدينة آزرو، وهي من أهم المراكز التعليمية في المنطقة خلال فترة الحماية الفرنسية. بعد ذلك التحق بالمدرسة العسكرية في مكناس، حيث تخرّج سنة 1940 برتبة ضابط، وهو ما أتاح له الاحتكاك المباشر بالمؤسسة العسكرية والإدارة الاستعمارية، مما ساهم في تشكيل وعيه السياسي المبكر.
ثانياً: دوره في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة
مع حصول المغرب على استقلاله سنة 1956 في عهد الملك محمد الخامس، برز المحجوبي أحرضان كأحد الأطر الوطنية التي ساهمت في بناء الإدارة المغربية الحديثة.
وقد عُيّن عاملاً على الرباط بعد الاستقلال مباشرة، في فترة كانت الدولة المغربية بصدد إعادة تنظيم مؤسساتها الإدارية والسياسية. وكان لهذا المنصب دور مهم في تعزيز حضور الدولة المركزية وإرساء النظام الإداري الجديد.
ثالثاً: تأسيس الحركة الشعبية ودورها السياسي
يُعتبر المحجوبي أحرضان أحد المؤسسين الرئيسيين لحزب الحركة الشعبية سنة 1957 إلى جانب عبد الكريم الخطيب.
وقد جاء تأسيس الحزب في سياق سياسي اتسم بالصراع بين النخب السياسية حول طبيعة النظام السياسي والتعددية الحزبية. وقد مثّلت الحركة الشعبية آنذاك تياراً سياسياً يدافع عن:
التعددية السياسية
تمثيل العالم القروي
الدفاع عن الهوية الأمازيغية داخل الإطار الوطني
دعم الملكية الدستورية
وقد أصبح أحرضان الكاتب العام للحزب في المؤتمر الثاني للحركة الشعبية الذي انعقد بمدينة مراكش سنة 1962.
رابعاً: مشاركته في الحكومات المغربية
شارك المحجوبي أحرضان في عدة حكومات مغربية خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حيث تولّى عدداً من المناصب الوزارية المهمة، من بينها:
وزير الدفاع الوطني (1961–1964)
وزير الفلاحة (1964–1965)
وزير الدولة مكلف بالدفاع الوطني (1966–1967)
وزير الدولة مكلف بالبريد والمواصلات (1977)
وزير التعاون (1979–1983)
وقد جاءت هذه المشاركة في سياق ترسيخ التعددية السياسية في عهد الملك الحسن الثاني، حيث لعبت الأحزاب الوطنية دوراً في تدبير الشأن العام.
خامساً: انشقاق الحركة الشعبية وتأسيس الحركة الوطنية الشعبية
شهدت الحركة الشعبية عدة انقسامات تنظيمية نتيجة الخلافات الداخلية حول التوجهات السياسية والتنظيمية. وفي هذا السياق أسس المحجوبي أحرضان سنة 1991 حزب الحركة الوطنية الشعبية.
وقد شكّل هذا الحزب امتداداً فكرياً للحركة الشعبية الأصلية، حيث ركّز على الدفاع عن:
الديمقراطية
العدالة الاجتماعية
حقوق المناطق القروية
الهوية الأمازيغية
سادساً: دفاعه عن الثقافة الأمازيغية
يُعدّ المحجوبي أحرضان من الشخصيات السياسية التي دافعت عن الاعتراف بالمكون الأمازيغي في الهوية المغربية. فقد دعا إلى الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي للمغرب، وإلى إدماج الثقافة الأمازيغية في المشروع الوطني.
وقد ساهم هذا التوجه في ترسيخ النقاش حول الهوية الثقافية المغربية، وهو نقاش بلغ ذروته لاحقاً مع دسترة اللغة الأمازيغية في دستور 2011 في عهد الملك محمد السادس.
سابعاً: أحرضان الفنان والكاتب
لم يكن المحجوبي أحرضان سياسياً فقط، بل كان أيضاً فناناً تشكيلياً وكاتباً. فقد اهتم بالرسم والفنون التشكيلية، وعُرضت أعماله في عدة معارض داخل المغرب وخارجه.
وتتميّز لوحاته الفنية بطابع أمازيغي واضح، حيث استلهم في أعماله عناصر من الثقافة الشعبية المغربية والطبيعة الأطلسية.
ثامناً: مكانته في التاريخ السياسي المغربي
يعتبر العديد من الباحثين أن المحجوبي أحرضان يمثل نموذجاً للسياسي الذي جمع بين:
العمل العسكري
النضال الوطني
العمل الحزبي
الدفاع عن الهوية الثقافية
كما أن مسيرته الطويلة الممتدة لأكثر من ستة عقود تعكس التحولات الكبرى التي عرفها المغرب منذ الاستقلال.
تاسعاً: وفاته وإرثه السياسي
توفي المحجوبي أحرضان يوم 15 نوفمبر 2020 بمدينة الرباط عن عمر ناهز مائة سنة. وقد دُفن في مسقط رأسه بمدينة أولماس.
وقد ترك وراءه إرثاً سياسياً وثقافياً مهماً، يتمثل في:
مساهمته في بناء الدولة المغربية الحديثة
دفاعه عن التعددية السياسية
حضوره في تاريخ الحركة الحزبية المغربية
دفاعه المبكر عن الثقافة الأمازيغية
يشكل المحجوبي أحرضان إحدى الشخصيات التاريخية التي ساهمت في صياغة المشهد السياسي المغربي خلال مرحلة ما بعد الاستقلال. فقد جمع بين النضال الوطني والعمل الحكومي والعمل الحزبي، كما لعب دوراً مهماً في إبراز البعد الأمازيغي في الهوية الوطنية المغربية. وبذلك يبقى اسمه حاضراً في الذاكرة السياسية والثقافية للمغرب المعاصر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق