الاثنين، 7 يوليو 2025
الإرهاب الامريكي : سجل دموي في كتاب البشرية عبر التاريخ
بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات
في عالمٍ يتشدق فيه الغرب بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة، تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية مشهدًا مروّعًا من الجرائم والعدوان والاحتلال، جعلها بحق الدولة الأكثر تورطًا في إشعال الحروب وإسالة الدماء منذ أن خرجت إلى الوجود قبل نحو مئتين وخمسين عامًا فقط.
ومع أن عمر أمريكا لم يتجاوز القرنين ونصف القرن، فإنها قضت أكثر من ثلاثة وتسعين في المئة من تاريخها في حروب دموية وعدوانية، بما يعادل مئتين واثنتين وعشرين سنة من أصل مئتين وخمسين عامًا، ارتكبت خلالها أكثر من تسعين حربًا واعتداء، امتلأت بسجلٍّ مخزٍ من جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والتدخلات العسكرية، والانقلابات السياسية، حتى صارت بحق تمثل أبشع وجه للإرهاب الدولي المنظم تحت ستار الشرعية الدولية وقوة السلاح.
بخلاف الشعوب صاحبة الحضارات المتجذرة، فإن الولايات المتحدة لا تملك أصلًا حضاريًا، إذ نشأت على أنقاض إبادة السكان الأصليين من الهنود الحمر، وأُقيمت على جماجمهم، ثم أخذت في تصدير نموذجها الدموي إلى العالم. ومنذ غزوها مدينة درنة الليبية عام 1805، بدأت أمريكا أولى خطواتها نحو الهيمنة الخارجية، فكانت تلك أول أرضٍ تحتلها خارج حدودها، ثم توالت الجرائم.
فمن قصف الجزائر عام 1816، إلى احتلال أجزاء واسعة من المكسيك كاليفورنيا وتكساس ونيومكسيكو، إلى تدمير ميناء "غراي تاون" في نيكاراغوا عام 1854، وغزو أورغواي وبنما وهايتي وكولومبيا والدومينيكان، وتدخلات عسكرية في تركيا والصين وروسيا وتشيلي وكوستاريكا وهندوراس والسلفادور والفلبين ولاوس وكوبا، تكاد لا تذكر دولة في أمريكا اللاتينية أو الشرق الآسيوي إلا وكانت مسرحًا لعدوان أمريكي مسلح أو انقلاب دبرته المخابرات المركزية.
أما جرائمها في القرن العشرين فقد فاقت كل تصور، بدءًا من إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناجازاكي عام 1945، والتي راح ضحيتها أكثر من 220 ألفًا من الأبرياء، وانتهاءً بحروب كوريا، وفيتنام، وكمبوديا، ولاوس، التي أُبيد فيها الإنسان والنبات والحيوان، وأُسقطت فيها القنابل العنقودية والغازات السامة على رؤوس الفقراء، بذريعة مقاومة الشيوعية.
ثم جاءت مرحلة الحرب الباردة، فتورطت أمريكا في إسقاط الحكومات الوطنية المنتخبة كما حدث مع "محمد مصدق" في إيران عام 1953، و"سلفادور الليندي" في تشيلي عام 1973، ودعمت الأنظمة الديكتاتورية التابعة لها، وزرعت الفوضى والانقلابات في كل مكان، من أمريكا الجنوبية إلى الشرق الأوسط.
وحين تهاوى الاتحاد السوفييتي، خرجت أمريكا من ظل الحرب الباردة إلى ظلال الحرب الدائمة، فغزت العراق عام 1991، واحتلت الصومال، وقصفت السودان، وشاركت في تفكيك يوغوسلافيا، ثم احتلت أفغانستان عام 2001، والعراق مجددًا عام 2003، بدون تفويض من الأمم المتحدة، بحجة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، ثبت زيفها لاحقًا باعتراف مسؤوليها أنفسهم.
دعمت أمريكا الاحتلال الإسرائيلي بكل قوة، سياسيًا وعسكريًا وماليًا، وكانت شريكًا مباشرًا في كل عدوان على الفلسطينيين، بدءًا من غزو بيروت، إلى مجازر غزة المتكررة، وكان آخرها دعمها الصريح والعلني لعدوان الكيان الإسرائيلي على غزة عام 2024، وعدوانه على إيران عام 2025، فضلاً عن تورطها في دعم المليشيات الطائفية في العراق، والجماعات الانفصالية في سوريا، تحت غطاء ما يسمى "مكافحة الإرهاب"، وهو الشعار الذي تحول إلى أداة لتبرير كل أشكال الاحتلال والاستعمار الجديد.
ولم تكتفِ أمريكا بإرهاب السلاح، بل مارست إرهابًا اقتصاديًا لا يقل فتكًا، ففرضت حصارًا خانقًا على كوبا، وإيران، وسوريا، وفنزويلا، وتجويعًا ممنهجًا للشعوب الرافضة للهيمنة. كما استغلت هيمنتها على المؤسسات المالية الدولية لفرض عقوبات سياسية وتجارية شلت اقتصادات كاملة. أما إعلامها فكان سلاحًا آخر، يبرر جرائمها، ويزيّف وعي الشعوب، ويخلق من القاتل بطلاً، ومن الضحية مجرمًا، ومن الجلاد رسول سلام.
ولعل أخطر أنواع الإرهاب الأمريكي، ذلك الذي يُمارس من داخل مجلس الأمن، تحت غطاء القانون الدولي، باستخدام ما يُسمى بـ"حق النقض" أو "الفيتو"، وهو في حقيقته رخصة أمريكية لتبرير الجرائم ومنع العدالة. لقد حوّلت الولايات المتحدة هذا الحق إلى أداة لفرض سيطرتها على قرارات المجتمع الدولي، خاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، حيث استخدمته أكثر من أربعين مرة لإسقاط قرارات تدين الاحتلال، أو تطالب بحماية المدنيين، أو تقف ضد التوسع الاستيطاني. ففي كل عدوان على غزة، وكل عملية قتل جماعي يرتكبها جيش الاحتلال، تقف أمريكا في مجلس الأمن حارسًا للمجرم، مانعة صدور أي قرار يوقف العدوان أو يحاسب القتلة.
كان آخر ذلك في عدوان 2024 على قطاع غزة، حين قتلت إسرائيل آلاف المدنيين، ودمرت البنى التحتية بالكامل، وارتكبت مجازر بشهادة منظمات دولية، ومع ذلك استخدمت أمريكا الفيتو لإجهاض مشروع قرار يطالب بوقف إطلاق النار، في فضيحة أخلاقية وسياسية لا تُغتفر. إن الفيتو الأمريكي بات سلاحًا باردًا بيد القتلة، يشرعن الظلم، ويُجهض القانون الدولي، ويمنح الغزاة حصانة من المحاسبة.
إن صمت العالم أمام هذه المهزلة هو الذي شجع أمريكا على التمادي، فباتت تُشعل الحروب وتغذي الاحتلالات وتُسكت القانون الدولي بطلقة فيتو واحدة. ولكن الحقيقة التي لا تغيب، أن الشعوب لا تنسى، والتاريخ لا يُزوَّر إلى الأبد، وأن إرادة الحق ستنتصر يومًا، ولو بعد حين، على إرهاب السياسة وسلاح الفيتو.
أمريكا، التي تضع نفسها حكمًا على العالم، هي في الحقيقة الراعي الرسمي للإرهاب، وصاحبة أكبر سجل عدواني عرفه التاريخ الحديث. لا تنشر الديمقراطية، بل تفرض الهيمنة. لا تحارب الإرهاب، بل تصنعه وتموله وتوجهه. إنها دولة لا تعيش إلا على الحروب، ولا تزدهر إلا على حساب دماء الآخرين.
إنه تاريخ إجرامي أسود، سيظل عارًا في جبين البشرية إلى قيام الساعة.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق