الخميس، 1 أكتوبر 2026

الشباب والسياسة في المغرب: بين العزوف الانتخابي وأزمة التداول على المسؤولية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

من «الوقود الانتخابي» إلى الفاعل السياسي: لماذا يبتعد الشباب عن السياسة؟

لم تعد العلاقة بين الشباب والسياسة في المغرب تختزل في سؤال المشاركة من عدمها، بل أصبحت تطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الشباب والمؤسسات السياسية، وبين الناخب والنخب الحزبية، وبين الوعود الانتخابية وانتظارات الأجيال الجديدة.

فالشاب المغربي لا يبدو بالضرورة رافضاً للسياسة باعتبارها فعلاً مجتمعياً، بقدر ما أصبح جزء منه متشككاً في الممارسة السياسية وفي قدرتها على الاستجابة الفعلية لانتظاراته. ومن هنا يمكن فهم ظاهرة العزوف السياسي والانتخابي باعتبارها ظاهرة مركبة، لا يمكن تفسيرها بعامل واحد.

وتكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بلغ عددهم حوالي 5.9 ملايين سنة 2021، أي ما يعادل 16.2% من مجموع السكان.

لكن الأهمية الديموغرافية للشباب لا تنعكس بالضرورة بالحجم نفسه داخل المؤسسات السياسية الرسمية.

العزوف: هل الشباب يرفض السياسة أم يرفض طريقة ممارستها؟

إن أخطر ما ينبغي أن تتوقف عنده الأحزاب والنخب السياسية ليس فقط عدد الشباب الذين لا يصوتون، وإنما لماذا لا يصوتون؟ ولماذا لا يسجل بعضهم أصلاً في اللوائح الانتخابية؟ ولماذا يبتعد عدد كبير منهم عن الانخراط في الأحزاب والتنظيمات السياسية؟

فالعزوف قد يكون تعبيراً عن اللامبالاة، لكنه قد يكون أيضاً تعبيراً عن فقدان الثقة، أو الإحساس بعدم جدوى المشاركة، أو الاعتقاد بأن القرار السياسي لا يستجيب بما يكفي للمطالب الاجتماعية والاقتصادية للشباب.

وقد أظهرت دراسة للمندوبية السامية للتخطيط حول المشاركة السياسية أن نسبة 77.3% من الشباب في الفئة العمرية 18-24 سنة صرحوا بأنهم لم يشاركوا قط في الانتخابات، مقابل 15.5% قالوا إن مشاركتهم كانت منتظمة و7.2% غير منتظمة، وفق المعطيات التي شملتها الدراسة. كما أظهرت أن 99.3% من الفئة نفسها لم يكونوا أعضاء نشطين في حزب سياسي.

وهذه الأرقام، رغم قدمها، تكشف أن ظاهرة الابتعاد عن العمل السياسي ليست جديدة، وأن معالجة العلاقة بين الشباب والسياسة تحتاج إلى قراءة تتجاوز الحملات الانتخابية الموسمية.

التسجيل في اللوائح الانتخابية: الحلقة الأولى في المشاركة

لا تبدأ المشاركة السياسية يوم الاقتراع فقط؛ بل تبدأ قبل ذلك بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، ومعرفة الحقوق والواجبات، ومتابعة البرامج، ومساءلة المرشحين، ثم اتخاذ القرار الانتخابي بحرية ووعي.

وفي سنة 2026، فتحت السلطات المغربية فترة جديدة لتقديم طلبات التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة، بالنسبة لمن بلغوا 18 سنة أو سيبلغونها في 23 شتنبر 2026، وذلك خلال الفترة الممتدة من 15 ماي إلى 13 يونيو 2026.

وهنا تبرز مفارقة سياسية واجتماعية تستحق البحث:

كيف يمكن لشباب يطالب بالتغيير أن يتحول جزء منه إلى قوة انتخابية غير مشاركة؟

إن عدم التسجيل، ثم عدم التصويت، ثم عدم الانخراط في العمل السياسي، كلها حلقات يمكن أن تتراكم لتنتج مسافة متزايدة بين الجيل الجديد والمؤسسات السياسية.

لكن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية العزوف سيكون تبسيطاً للمشكلة؛ لأن مسؤولية إعادة بناء الثقة تقع أيضاً على المؤسسات والأحزاب والنخب السياسية.

من الشباب كقوة انتخابية إلى الشباب كقوة لصناعة القرار

تؤكد الأدبيات الدولية المتعلقة بالمشاركة السياسية للشباب أن الأجيال الشابة قد تكون حاضرة بقوة في أشكال المشاركة غير الرسمية، مثل العمل المدني والنشاط المجتمعي والمبادرات المطلبية، في الوقت الذي تظل فيه مشاركتها محدودة في المؤسسات السياسية الرسمية. وقد اعتبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن ضعف التمثيل السياسي للشباب يمكن أن يؤثر في جودة الحكامة الديمقراطية.

وهنا يجب طرح سؤال جوهري:

هل تريد المؤسسات السياسية من الشباب أن يكونوا مواطنين فاعلين، أم تريد منهم فقط أن يكونوا كتلة انتخابية في موسم الانتخابات؟

فالشباب لا ينبغي أن يُستدعى فقط خلال الحملات الانتخابية، ولا أن يتحول إلى جمهور للصور والخطابات والوعود، ثم يعود إلى الهامش بعد انتهاء الاقتراع.

المشاركة الحقيقية تعني أن يكون للشباب موقع في صياغة البرامج، وإنتاج الأفكار، وتحمل المسؤوليات التنظيمية، والمشاركة في صناعة القرار، والترشح للمؤسسات المنتخبة، ومراقبة الأداء العمومي ومساءلة المسؤولين.

أزمة أخرى: عندما تتحول المسؤولية السياسية إلى إقامة دائمة

إن الديمقراطية لا تعني فقط إجراء الانتخابات، وإنما تعني أيضاً التداول على المسؤوليات، وتجديد النخب، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة.

ومن هنا تبرز إشكالية استمرار بعض الوجوه السياسية لفترات طويلة داخل مواقع المسؤولية، سواء في المؤسسات المنتخبة أو داخل التنظيمات الحزبية.

فالمشكلة ليست في تقدم السياسي في السن بحد ذاته؛ فالخبرة السياسية قيمة مهمة، ولا ينبغي تحويل العمر إلى معيار للإقصاء. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الخبرة إلى احتكار دائم للمواقع، ويصبح انتقال المسؤولية إلى جيل جديد أمراً مؤجلاً باستمرار.

إن التداول بين الأجيال لا يعني إقصاء الكبار، كما أن تمكين الشباب لا يعني منح المسؤولية لمجرد صغر السن.

المطلوب هو الجمع بين الخبرة والكفاءة والتجديد.

فالشباب يحتاج إلى فرصة، لكن الفرصة ينبغي أن تكون مرتبطة بالكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية.

لماذا ينفر الشباب من الأحزاب؟

قد نجد شاباً ناشطاً في المجتمع المدني، أو في العمل الثقافي، أو في المبادرات الاجتماعية، أو في المجال الرقمي، لكنه لا يجد نفسه داخل حزب سياسي.

وهنا ينبغي على الأحزاب أن تسأل نفسها:

هل خطابها قريب من لغة الشباب؟

هل تقدم له مساحة حقيقية لصناعة القرار؟

هل تفتح أمامه الطريق نحو المسؤولية؟

هل تستمع إلى مشكلاته المتعلقة بالتعليم والشغل والسكن والعدالة الاجتماعية والاقتصاد الرقمي؟

أم أنها لا تتذكره إلا عندما تقترب الانتخابات؟

إن استمرار الفجوة بين الشباب والأحزاب يمكن أن يؤدي إلى نتيجة خطيرة: شباب حاضر بقوة في المجتمع، لكنه غائب نسبياً عن المؤسسات السياسية.

الشباب ليس «وقوداً انتخابياً»

إن وصف الشباب بأنه «وقود انتخابي» يحمل دلالة سياسية قوية، لأنه يشير إلى الفرق بين استعمال الشباب كوسيلة للوصول إلى السلطة وبين تمكين الشباب ليكون شريكاً في ممارسة السلطة وصناعة السياسات العامة.

فالعملية الديمقراطية لا تكتمل بمجرد أن يدلي الشاب بصوته؛ بل تكتمل عندما يشعر أن صوته له قيمة، وأن بإمكانه أن يصبح هو أيضاً فاعلاً في صناعة القرار.

ومن هنا فإن مواجهة العزوف لا تكون فقط بدعوة الشباب إلى صناديق الاقتراع، وإنما بإعادة النظر في العلاقة السياسية معه.

كوفي عنان: الديمقراطية عملية تتجدد عبر الأجيال

كان الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان يؤكد أن المواطن الصالح والديمقراطي لا يولد مكتمل التكوين، وأن المواطنة والديمقراطية مساران يتطوران عبر الحياة، محذراً من أن المجتمع الذي يعزل نفسه عن شبابه يعزل نفسه عن أحد مصادر حيويته. وقد وثقت الأمم المتحدة هذا التصور في موادها المتعلقة بمشاركة الشباب.

كما دعا عنان الشباب إلى الانخراط في الشأن العام والسياسة، مؤكداً أن المشاركة المدنية الواعية لا ينبغي أن تُترك للآخرين وحدهم.

أما بان كي مون، فقد شدد خلال فترة توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة على أهمية الاستماع إلى أصوات الشباب وإدماج احتياجاتهم ومخاوفهم في عملية صنع القرار، مؤكداً أن طاقة الشباب ومبادراتهم يمكن أن تسهم في معالجة قضايا السلام والتنمية وحقوق الإنسان.

السؤال الذي لا يمكن تأجيله

إن السؤال الحقيقي اليوم ليس:

لماذا يعزف الشباب عن السياسة فقط؟

بل يجب أن يكون:

ما الذي جعل جزءاً من الشباب يعتقد أن السياسة لا تحتاجه إلا يوم الاقتراع؟

وهل تستطيع الأحزاب السياسية أن تنتقل من منطق استقطاب الشباب انتخابياً إلى منطق تمكين الشباب سياسياً؟

وهل تستطيع النخب السياسية أن تؤمن بأن التداول بين الأجيال ليس تهديداً للخبرة، بل وسيلة لتجديد الحياة السياسية؟

ثم، في المقابل، هل يستطيع الشباب نفسه أن ينتقل من موقع المتفرج والناقد إلى موقع المواطن الفاعل، وأن يسجل في اللوائح الانتخابية، ويصوت، ويناقش البرامج، وينخرط في المجتمع المدني، ويشارك في الأحزاب، ويترشح، ويمارس حقه في المساءلة؟

إن الديمقراطية لا تُبنى بالشباب وحده، ولا بالنخب وحدها؛ وإنما تُبنى عندما يلتقي جيل يملك الخبرة مع جيل يملك الطاقة والأفكار الجديدة.

الشباب المغربي ليس بالضرورة ضد السياسة، لكنه يطرح أسئلة جديدة حول جدوى المشاركة، ومصداقية الخطاب، وتجديد النخب، وعدالة توزيع الفرص، ومدى قدرة المؤسسات على تحويل المطالب إلى سياسات عمومية.

ولهذا فإن معالجة العزوف لا تبدأ باتهام الشباب باللامبالاة، كما لا تبدأ بإلقاء المسؤولية كاملة على السياسيين؛ بل تبدأ بفهم أسباب الفجوة بين الطرفين.

فإذا كان المطلوب من الشاب أن يسجل في اللوائح، وأن يصوت، وأن يشارك، وأن يتحمل المسؤولية، فمن حقه أيضاً أن يسأل:

ماذا ستقدم لي السياسة؟ وما مكاني فيها؟ وهل سأكون شريكاً في صناعة المستقبل، أم مجرد رقم إضافي في حسابات الانتخابات؟

وهنا تحديداً تتحدد إحدى أهم رهانات الديمقراطية المغربية:

هل سيبقى الشباب جمهوراً انتخابياً، أم سيصبح شريكاً فعلياً في صناعة القرار؟.

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

أسامة باريك...: نموذج للشاب المغربي الطموح

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي فضاءً لصناعة الرأي والتعبير عن هموم المجتمع، برز اسم شاب مغربي استطاع أن يحول هاتفه وعدسته البسيطة إلى وسيلة للتعريف بقضايا منطقته والدفاع عن انشغالات سكانها. إنه أسامة باريك، واسمه الحقيقي عبد العزيز باريك، ابن منطقة إملشيل بإقليم ميدلت، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة واحدًا من الوجوه الشابة التي لفتت الانتباه في المشهد المغربي.
من جبال إملشيل بدأت الحكاية
وُلد عبد العزيز باريك في 15 ماي 1998، ونشأ في بيئة جبلية ارتبطت حياته اليومية فيها بتحديات المنطقة القروية والجبلية. وتذكر مصادر صحفية أن طفولته ارتبطت أيضًا بصعوبة الوصول إلى المدرسة، حيث كان يقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، وهي تجربة ساهمت في تشكيل وعيه المبكر بواقع سكان المناطق الجبلية.
ولعل هذه التجربة الشخصية تفسر جانبًا من اهتمامه لاحقًا بملفات التعليم والطرق وفك العزلة والخدمات الأساسية؛ فالقضايا التي كان يتحدث عنها عبر مواقع التواصل لم تكن بالنسبة إليه مجرد عناوين إعلامية، وإنما جزءًا من واقع عاشه وشاهده عن قرب.
الجغرافيا التي تحولت إلى رسالة
تابع أسامة باريك دراسته الجامعية في شعبة الجغرافيا، وهو تخصص يبدو منسجمًا مع اهتمامه بالمجال والإنسان والفوارق بين المناطق. وبعد ذلك، اختار أن يستثمر وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن قضايا المناطق القروية والجبلية، وخاصة بإملشيل ومحيطها.
ومن خلال مقاطع الفيديو والمنشورات، تناول عددًا من الملفات التي تهم السكان، من صعوبة المسالك والطرق إلى مشاكل الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، إضافة إلى قضايا التنمية وفك العزلة عن المناطق الجبلية.
وهكذا لم تعد صفحته مجرد مساحة للتواصل، بل أصبحت بالنسبة إليه نافذة يطل من خلالها على واقع منطقة ظل يعتبرها جزءًا أساسيًا من هويته ورسالة حضوره.
من الهاتف إلى الفضاء العام
المثير في تجربة أسامة باريك أن بدايته لم تكن من داخل المؤسسات السياسية التقليدية، بل من الفضاء الرقمي. فقد بنى حضوره تدريجيًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن ينتقل إلى خوض تجربة سياسية مباشرة خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026.
وفي يونيو 2026 أعلن عزمه الترشح، موضحًا أن دخوله المجال السياسي مرتبط برغبته في الترافع عن قضايا سكان المنطقة، خصوصًا المناطق الجبلية وما تواجهه من تحديات في الماء والكهرباء والطرق وفرص الشغل والخدمات الأساسية.
وخاض الانتخابات باسم حزب الوحدة والديمقراطية، قبل أن يتمكن من الوصول إلى مجلس النواب عن دائرة ميدلت، في انتقال لافت من صناعة المحتوى إلى العمل المؤسساتي.
شاب اختار أن يبدأ من الواقع
بعيدًا عن النتائج الانتخابية والحسابات السياسية، تكمن أهمية تجربة أسامة باريك في مسارها الإنساني والاجتماعي: شاب من منطقة جبلية، حمل قضايا بيئته المحلية إلى الفضاء الرقمي، واستطاع أن يحول حضوره هناك إلى تجربة سياسية ومؤسساتية.
وهذه التجربة تطرح سؤالًا مهمًا حول علاقة الشباب المغربي بالشأن العام: هل يمكن للشاب الذي لا ينتمي إلى النخب التقليدية أن يصنع لنفسه طريقًا جديدًا؟ تجربة باريك تقدم حالة واقعية تستحق الدراسة، لأنها تُظهر كيف يمكن للتكوين الجامعي، والعمل الرقمي، والقرب من المجتمع المحلي أن تتقاطع في مسار واحد.
الطموح لا يعترف دائمًا بالمسافات
قصة أسامة باريك تحمل أيضًا رسالة إلى الشباب المغربي في المدن والقرى والمناطق الجبلية: المسافة عن مراكز القرار لا تعني بالضرورة البعد عن صناعة المستقبل.
فالشاب الذي ينطلق من منطقة جبلية، ويواجه تحدياتها، يمكنه أن يجعل من تجربته الشخصية مصدرًا لفهم أعمق للمجتمع. وقد يكون الهاتف الذي يحمله في يده وسيلة للتواصل، وقد تتحول الكلمة التي يقولها إلى قضية عامة، وقد يصبح الحضور الرقمي بابًا إلى فضاءات جديدة.
لكن الوصول إلى المؤسسات ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أخرى أكثر مسؤولية؛ فالتحدي الحقيقي لأي شاب يصل إلى موقع المسؤولية هو تحويل الطموح إلى عمل، والحضور إلى إنجاز، والوعود إلى نتائج ملموسة يستفيد منها المواطن.
أسامة باريك.. نموذج يستحق التوقف عنده
إن الحديث عن أسامة باريك لا ينبغي أن يكون فقط حديثًا عن شاب فاز بمقعد برلماني، بل عن مسار شاب مغربي بدأ من بيئته المحلية، واستثمر وسائل العصر، ووصل إلى المؤسسة التشريعية.
وقد تختلف الآراء حول تجربته أو حول العمل السياسي عمومًا، لكن مساره الشخصي يظل مثالًا على أن الشباب المغربي قادر على البحث عن طرق جديدة للتعبير والمشاركة في الشأن العام.
ومن جبال إملشيل إلى قبة البرلمان، تختصر تجربة أسامة باريك حكاية شاب اختار أن يبدأ من حيث يوجد، وأن يتحدث عن المكان الذي يعرفه، وأن يجعل من طموحه الشخصي جزءًا من مسار عام.
إنها قصة شاب مغربي طموح، بدأت بعدسة هاتف، ومرت عبر مواقع التواصل، وانتهت إلى المؤسسة التشريعية؛ أما المستقبل، فسيكون وحده قادرًا على إظهار ما إذا كان هذا الانتقال سيشكل بداية لمسار أطول في خدمة المنطقة والوطن.

الأحد، 27 سبتمبر 2026

«شباب مراكش يقول كلمته: زمن شراء الأصوات يجب أن يفسح المجال للكفاءة والنزاهة والمسؤولية»

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في أعقاب الاستحقاقات البرلمانية الأخيرة، وما رافقها، وفق شهادات متداولة بين عدد من أبناء المنطقة، من مظاهر اعتبرها بعض السكان مضايقات واستهزاءً بمطالبهم وانتظاراتهم، يبرز اليوم سؤال أعمق من مجرد نتائج انتخابية: كيف يمكن تحويل التجربة الانتخابية إلى محطة لترسيخ الوعي والمسؤولية والمشاركة المواطنة؟

في مدينة مراكش كما في عدد من المناطق المحيطة بمراكش مثل : دوار الكدية اكيوض الحي العسكري الداوديات وعددا من مناطق مراكش المدينة والمجاورة ، يبدو أن فئة من الشباب والساكنة أصبحت أكثر اهتماماً بأن يكون صوتها الانتخابي تعبيراً حراً عن إرادتها، وليس مجرد نتيجة لتأثير المال أو العلاقات الشخصية أو الحسابات الانتخابية الضيقة.

وهنا تبرز أهمية الانتخابات الجماعية المقبلة باعتبارها استحقاقاً يرتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن: الطرق، الإنارة، النظافة، النقل، البنيات التحتية، الخدمات الاجتماعية، فرص الشباب، وتنمية المجال القروي والحضري.

المال الانتخابي أم معيار الكفاءة؟

إن النقاش حول المال في الانتخابات لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد اتهامات متبادلة، بل إلى قضية مؤسساتية ومجتمعية تستحق النقاش الجاد. فالمطلوب، من منظور المواطنة الديمقراطية، أن يكون اختيار الناخب مبنياً على معايير واضحة، من بينها النزاهة، الكفاءة، القدرة على التواصل، المعرفة بمشاكل المنطقة، والاستعداد لتحمل المسؤولية والمحاسبة.

فالتمثيلية المحلية ليست امتيازاً شخصياً، وإنما مسؤولية عمومية. ومن ثم فإن المرشح الذي يسعى إلى تمثيل الساكنة مطالب بأن يقدم تصوراً واضحاً لما يريد إنجازه، وأن يخضع بعد ذلك لتقييم المواطنين على أساس العمل والنتائج.

الشباب أمام مسؤولية تاريخية

إن حضور الشباب في النقاش العمومي لا ينبغي أن يقتصر على أيام الحملات الانتخابية. فالشباب يشكل جزءاً أساسياً من المجتمع، ومن حقه أن يشارك في صياغة الأولويات المحلية وأن يناقش البرامج والبدائل وأن يطالب المنتخبين بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى لقاءات مباشرة بين الساكنة والفاعلين والمسؤولين المحليين يمكن أن تشكل فرصة للحوار حول مستقبل مدينة مراكش ، بعيداً عن التشنج والتجاذبات الشخصية.

مراكش تحتاج إلى قرار نابع من إرادة سكانها

إن مراكش ليست مجرد مجال انتخابي، وإنما مدينة لها طاقات بشرية وشبابية وكفاءات قادرة على المساهمة في تدبير الشأن العام.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي في الاستحقاقات الجماعية المقبلة لا ينبغي أن يكون فقط حول من سيفوز بالمقعد او من يتوفر على المال ، وإنما حول طبيعة الاختيار نفسه: هل سيكون الناخب قادراً على اختيار من يراه مناسباً بناءً على البرنامج والكفاءة والسجل العملي، أم ستظل عوامل أخرى مؤثرة في القرار الانتخابي؟

إن احترام إرادة الناخب يبدأ باحترام وعيه، واحترام المواطن يبدأ باعتباره شريكاً في صناعة القرار، لا مجرد صوت انتخابي يُستدعى عند الحاجة.

من ذاكرة الانتخابات البرلمانية إلى درس المستقبل

وإذا كانت بعض ممارسات المرحلة الانتخابية البرلمانية الأخيرة قد خلفت، لدى جزء من الساكنة، شعوراً بالاستياء أو عدم الرضا، فإن الأهم اليوم هو تحويل تلك التجربة إلى درس ديمقراطي، لا إلى خصومة دائمة.

فالانتخابات تنتهي، لكن المؤسسات تستمر، والمواطن يبقى في حاجة إلى من يدافع عن مصالحه ويستمع إلى مطالبه.

لذلك، فإن الرسالة التي يمكن أن يحملها سكان وشباب مدينة مراكش إلى الاستحقاقات المقبلة هي رسالة واضحة: الاختيار مسؤولية، والصوت أمانة، والتمثيلية تكليف وليست تشريفاً.

والمطلوب في النهاية ليس مرشحاً يملك المال، ولا مرشحاً يملك العلاقات فقط، وإنما ممثل يستطيع أن يقنع المواطن ببرنامجه، ويكسب ثقته بعمله، ويحافظ على هذه الثقة بالشفافية والمساءلة.

فالديمقراطية المحلية لا تُبنى بالشكارة، وإنما تُبنى بالوعي، والكفاءة، والنزاهة، والمشاركة والمسؤولية.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

«طولانطي».. حين تتحول الموهبة من لغة إلى أخرى

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

موضوع ثقافي حول رحلة كلمة «طولانطي» في اللسان المغربي .
تتميز الدارجة المغربية بقدرتها اللافتة على استيعاب الكلمات القادمة من لغات وثقافات مختلفة، ثم إعادة تشكيلها بما يتلاءم مع النطق المغربي والاستعمال اليومي. ومن بين الكلمات التي أصبحت مألوفة في الحديث اليومي كلمة «طولانطي»، التي تُستعمل في المغرب لوصف شخص يتمتع بموهبة أو براعة واضحة في مجال معين.
فنسمع المغربي يقول: «فلان طولانطي»، أي أن لديه موهبة، أو أنه بارع ومتميز، سواء في الفن أو الرياضة أو الموسيقى أو الحرفة أو حتى في طريقة تعامله مع الناس.
من أين جاءت «طولانطي»؟
يربط كثير من المتحدثين كلمة «طولانطي» بالمفردات الفرنسية talent وtalentueux / talentueuse، وهي مفردات مرتبطة بفكرة الموهبة والقدرة المتميزة.
غير أن انتقال الكلمة إلى الدارجة المغربية لم يكن بالضرورة نقلاً حرفياً للكلمة الفرنسية، بل خضعت، مثل كثير من الألفاظ الأجنبية التي دخلت إلى الدارجة، إلى التكييف الصوتي والصرفي المغربي.
وهنا تظهر إحدى الخصائص المهمة للدارجة: فهي لا تستقبل الكلمة الأجنبية كما هي دائماً، وإنما تعيد صياغتها حتى تصبح سهلة التداول على لسان المتحدث.
وهكذا أصبحت «طولانطي» في الاستعمال الشعبي المغربي تحمل معنى قريباً من:
موهوب – بارع – متميز – صاحب قدرات – عنده موهبة.
الدارجة المغربية.. لغة تتفاعل ولا تعيش في عزلة
لا يمكن فهم ظاهرة «طولانطي» بعيداً عن التاريخ اللغوي والاجتماعي للمغرب.
فالدارجة المغربية تشكلت عبر قرون من التفاعل بين العربية والأمازيغية، إضافة إلى تأثيرات أندلسية وإفريقية، ثم احتكاك طويل بلغات أوروبية، وفي مقدمتها الفرنسية والإسبانية.
ولهذا نجد في الكلام المغربي اليومي عدداً كبيراً من الكلمات ذات الأصول الأجنبية، خصوصاً في مجالات الإدارة والتعليم والتجارة والصناعة والتكنولوجيا والحياة المدنية.
ومن أمثلة ذلك كلمات مثل:
«بوسطا»، و**«طونوبيل»، و«گاراج»، و«فران»، و«صاك»**، وغيرها من الألفاظ التي أصبحت جزءاً من التداول اليومي عند فئات واسعة من المغاربة.
وهذا لا يعني أن المتحدث المغربي يتخلى عن العربية أو الأمازيغية، وإنما يعكس طبيعة اللغة الحية التي تتأثر بالاحتكاك بين المجتمعات.
عندما يصبح اللفظ الأجنبي مغربياً
اللافت في كلمة «طولانطي» ليس فقط مصدرها المحتمل، وإنما الطريقة التي تمغْربت بها داخل الاستعمال الشعبي.
فالمغربي لا ينطقها بالضرورة وفق النطق الفرنسي الأصلي، بل يمنحها إيقاعاً صوتياً يتناسب مع منظومته اللغوية.
وهذه العملية تعرف في الدراسات اللغوية بمفاهيم مثل الاقتراض اللغوي والتكييف الصوتي؛ أي أن لغة ما تستعير لفظاً من لغة أخرى، ثم تجعله أكثر انسجاماً مع قواعد النطق والاستعمال لديها.
وبمرور الزمن قد يفقد المتحدث إحساسه بأن الكلمة أجنبية أصلاً، فيتعامل معها باعتبارها جزءاً طبيعياً من لغته اليومية.
«طولانطي» ليست دائماً مرتبطة بالفن
قد يتبادر إلى الذهن عندما نقول «طولانطي» أن المقصود هو المغني أو الممثل أو لاعب كرة القدم.
لكن الاستعمال المغربي أوسع من ذلك بكثير.
فقد يقال:
«هذا السيد طولانطي في التجارة»
أو:
«فلانة طولانطية في الطبخ»
أو:
«عندو يد طولانطية في الصناعة التقليدية»
أي أن الموهبة يمكن أن تظهر في أي مجال، سواء كان ميداناً فنياً أو علمياً أو مهنياً أو حتى حرفة يدوية.
وهنا تتحول الكلمة من مجرد وصف إلى اعتراف اجتماعي بوجود قدرة استثنائية لدى شخص ما.
بين «الموهبة» و«البراعة»
هناك فرق دلالي لطيف بين «الموهبة» و«البراعة».
فالموهبة تشير غالباً إلى استعداد أو قدرة متميزة لدى الإنسان، بينما ترتبط البراعة بما يظهر من إتقان ومهارة في الممارسة.
أما «طولانطي» في الاستعمال الشعبي المغربي فقد تجمع بين المعنيين معاً؛ فقد يكون الشخص موهوباً بالفطرة، ثم يطور موهبته بالتدريب والخبرة حتى يصبح بارعاً.
ومن هنا يمكن القول إن الموهبة وحدها لا تكفي دائماً لصناعة الإنسان المتميز؛ فالقدرة تحتاج إلى صقل وتكوين وممارسة.
لماذا تستحق كلمة عامية مثل «طولانطي» الدراسة؟
لأن اللغة ليست مجرد قاموس من الكلمات، وإنما هي ذاكرة المجتمع.
كل كلمة تدخل إلى التداول تحمل معها جزءاً من تاريخ العلاقات بين الناس والثقافات والمجتمعات.
وكلمة «طولانطي» تقدم مثالاً بسيطاً على الطريقة التي تتفاعل بها اللغات داخل المجتمع المغربي، وكيف يمكن للفظ أجنبي أن يعبر الحدود، ثم يدخل إلى الحياة اليومية، ويأخذ شكلاً جديداً ومعنى تداولياً خاصاً.
ومن هنا فإن دراسة ألفاظ الدارجة المغربية ليست مسألة ترف لغوي، بل يمكن أن تساعد في فهم التاريخ الاجتماعي والثقافي للمغاربة.
هل «طولانطي» كلمة مغربية؟
من الناحية العلمية، من الأفضل التفريق بين أصل الكلمة وانتمائها إلى الاستعمال المغربي.
فإذا كان أصلها مرتبطاً فعلاً بالمفردات الفرنسية المتعلقة بالموهبة، فهذا لا يمنع أن تكون قد أصبحت جزءاً من المعجم المتداول في الدارجة المغربية.
فاللغة لا تقاس فقط بجواز السفر الذي جاءت منه الكلمة، وإنما أيضاً بالطريقة التي يستعملها بها أهلها.
وهكذا يمكن أن تكون الكلمة ذات أصل أجنبي، لكنها مغربية الاستعمال، شأنها شأن عدد كبير من الألفاظ التي استقرت في الدارجة.
وفي الختام: كلمة صغيرة.. وحكاية مجتمع
قد تبدو «طولانطي» مجرد كلمة عابرة تُقال في حديث يومي، لكنها في الحقيقة تختصر قصة أكبر: قصة لغة مغربية مفتوحة على محيطها، تستقبل الكلمات، وتعيد تشكيلها، ثم تمنحها حياة جديدة داخل المجتمع.
ومن «طولانطي» يمكن أن نصل إلى سؤال أوسع:
كم من الكلمات التي نستعملها يومياً أصبحت مغربية في ألسنتنا، رغم أن جذورها جاءت من لغات أخرى؟
إن البحث في هذه الكلمات، وتتبع مساراتها وتحولاتها، يمكن أن يفتح باباً مهماً أمام الباحثين في اللسانيات والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الثقافية لفهم العلاقة بين اللغة والهوية والذاكرة والتفاعل الحضاري في المجتمع المغربي.
فالكلمة ليست مجرد صوت يُنطق، بل قد تكون وثيقة صغيرة تختزن تاريخاً كبيراً.

الاثنين، 21 سبتمبر 2026

عندما يُحذف صوت الحقيقة في ظل الحملات الانتخابية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

منابر إعلامية أم أبواق انتخابية؟
عندما يُحذف صوت الحقيقة
في زمن الانتخابات، لا تُقاس قوة الإعلام بعدد المنشورات التي ينشرها، ولا بعدد المرشحين الذين يروّج لهم، وإنما بقدرته على طرح الأسئلة الصعبة، ونقل الوقائع كما هي، وفتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر.
لكن ماذا يحدث عندما يتحول منبر يفترض فيه أن يكون مساحة للإخبار والنقاش إلى منصة تُلمّع صورة مرشح، وتفتح أبوابها أمام رواية واحدة، ثم تغلقها في وجه كل تعليق ينتقد أو يصحح أو يناقش؟
هنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل نحن أمام منبر إعلامي، أم أمام بوق انتخابي؟
عندما يصبح الحذف أسلوباً تحريرياً
من حق أي وسيلة إعلامية أن تضع قواعد للتعليقات، وأن تحذف السب والقذف والتشهير وخطاب الكراهية وكل محتوى مخالف للقانون.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح معيار الحذف هو الاختلاف في الرأي، بينما تظل التعليقات التي تمدح المرشح أو تخدم صورته دون مساس.
فإذا كان التعليق المسيء يُحذف، فهذا مفهوم.
أما أن يُحذف التعليق فقط لأنه ينتقد معطى انتخابياً أو يطرح سؤالاً محرجاً أو يقدم رواية مختلفة، فهنا نكون أمام إشكال يتجاوز إدارة صفحة إلكترونية إلى سؤال أكبر يتعلق بأخلاقيات الممارسة الإعلامية.
الإعلام ليس مكتباً للدعاية
الصحافة ليست مطالبة بأن تكون محايدة بمعنى أن تتخلى عن حقها في الاختيار التحريري، لكنها مطالبة مهنياً بالتمييز بين الخبر والرأي والدعاية.
وفي السياق الانتخابي المغربي الحالي، تؤكد الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أن حق المواطن في الخبر يرتبط بمبادئ التعددية والتوازن والنزاهة والموضوعية، كما تشدد على محاربة الأخبار الزائفة التي يمكن أن تؤثر في سلامة المعلومة الانتخابية أو في قدرة المواطن على الاختيار الحر.
بل إن الهيئة ذكّرت المتعهدين بضرورة التمييز بين الخبر والتعليق، واحترام الحياد التحريري وعدم إخراج تصريحات الفاعلين السياسيين من سياقها.
وهذه المبادئ تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:
إذا كان المواطن لا يستطيع حتى مناقشة الخبر المنشور، فكيف يمكن الحديث عن نقاش انتخابي صحي؟
الناخب ليس جمهوراً للتصفيق
الناخب المغربي اليوم ليس مجرد رقم في لائحة انتخابية، ولا مجرد متلقٍ لمنشورات دعائية.
إنه مواطن يريد أن يعرف:
من هو المرشح؟
ماذا قدم؟
ماذا يقول؟
ماذا فعل سابقاً؟
ما برنامجه؟
ومن يملك الدليل على ما يقوله؟
وهنا تحديداً تظهر أهمية الإعلام.
فالمنبر الإعلامي الحقيقي لا يخاف من السؤال، ولا يعتبر النقد عداءً، ولا يرى في التصحيح تهديداً.
بل إن قوة الإعلام تُقاس أحياناً بقدرته على نشر ما لا يرضي صاحبه، عندما يكون ذلك ضرورياً لخدمة الحقيقة والمصلحة العامة.
من يملك الصفحة لا يملك الحقيقة
امتلاك صحيفة أو موقع أو صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي لا يمنح صاحبها حق امتلاك الحقيقة.
وكذلك فإن امتلاك عدد كبير من المتابعين لا يحول الرواية المنشورة إلى حقيقة نهائية.
الحقيقة الانتخابية لا تُصنع بالصور اللامعة، ولا بالعناوين الرنانة، ولا بكثرة الإعجابات.
الحقيقة تحتاج إلى وثيقة، ومعلومة، ومصدر، ومقارنة، ونقاش مفتوح.
أما عندما تُنشر رواية واحدة، ثم تُغلق التعليقات أمام كل من يخالفها، فإن المتلقي لا يحصل على إعلام كامل، وإنما يحصل على نسخة واحدة من القصة.
الخطر الأكبر: صناعة صورة انتخابية مصطنعة
الأخطر من حذف تعليق هنا أو هناك هو أن تتراكم الممارسات الصغيرة لتصنع صورة انتخابية كاملة:
مرشح يُقدَّم باستمرار بصورة إيجابية؛
أخباره تحظى بالانتشار؛
أنشطته تُغطى بكثافة؛
الانتقادات تُحذف؛
الأسئلة المزعجة تُهمَّش؛
ثم يُقال للناخب: هذه هي الحقيقة!
وهنا يصبح الإعلام، من حيث يدري أو لا يدري، طرفاً في صناعة الانطباع الانتخابي.
ولهذا جاءت القواعد التنظيمية الحالية لتشدد على التعددية، وعلى مكافحة التضليل، وعلى تمكين الجمهور من تكوين رأي حر وممارسة التصويت عن بينة ودراية.
لا أحد فوق النقد… ولا أحد فوق القانون
النقد السياسي ليس جريمة.
والاختلاف ليس تشهيراً.
والسؤال ليس إساءة.
والتصحيح ليس عداءً.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول حرية التعليق إلى سب أو قذف أو نشر ادعاءات بلا دليل.
المعادلة واضحة:
حرية الإعلام + مسؤولية مهنية + حق المواطن في المعرفة + احترام القانون.
أما تحويل المنبر إلى مساحة مغلقة لا يسمع فيها المواطن إلا صوتاً واحداً، فذلك يفرغ النقاش العمومي من جزء أساسي من معناه.
كلمة أخيرة
في الانتخابات، لا يحتاج المواطن إلى من يقول له من يختار، وإنما يحتاج إلى إعلام يساعده على معرفة ماذا يختار ولماذا.
لا نريد إعلاماً يصفق لهذا المرشح أو ذاك.
ولا نريد إعلاماً يتحول إلى خصم سياسي.
نريد إعلاماً يسأل، ويدقق، ويقارن، وينشر، ويتيح الرد، ويحترم عقل المواطن.
لأن أخطر شيء في المعركة الانتخابية ليس أن يختلف الناس حول المرشحين، وإنما أن يُحرموا من المعلومات التي تمكنهم من الاختلاف على أساس الحقيقة.
وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحاً أمام كل منبر إعلامي:
هل أنت منبر ينقل الحقيقة مهما كانت مزعجة… أم منصة انتخابية لا تسمح إلا للصوت الذي يخدم مرشحاً بعينه؟
فإذا كان حذف التعليقات يتم لحماية القانون من السب والتشهير، فذلك حق مشروع.
أما إذا أصبح الحذف وسيلة لإسكات النقد وحماية صورة انتخابية معينة، فهنا لا بد من التوقف والسؤال:
متى ينتهي الإعلام… وتبدأ الدعاية؟

السبت، 19 سبتمبر 2026

حين يتحول الاختلاف السياسي إلى انتقاص من نضال الشباب

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم تعد السياسة اليوم مجرد تنافس على المواقع والتمثيلية الانتخابية، بل أصبحت قبل كل شيء اختبارًا للأخلاق السياسية، ولقدرة الفاعلين على احترام الاختلاف، والإنصات إلى أصوات جديدة تحاول أن تجد لها مكانًا في المشهد العام.

ومن هذا المنطلق، يطرح الجدل المرتبط بالتصريحات المنسوبة إلى الأستاذة نبيلة منيب تجاه الشاب أسامة باريك، مرشح وممثل لائحة حزب الوحدة والديمقراطية بدائرة ميدلت، سؤالًا أوسع من مجرد سجال عابر بين شخصين: هل أصبحت بعض الأصوات الشبابية، القادمة من الهامش والمناطق الجبلية، تواجه بالاستخفاف بدل الاحتضان والتشجيع؟

أسامة باريك، وفق الصورة التي يقدمها عنه مؤيدوه، ليس مجرد اسم انتخابي عابر، بل شاب اختار دخول المجال السياسي من بيئة اجتماعية وجغرافية صعبة، وحاول أن ينقل مطالب الساكنة الجبلية، خصوصًا بمنطقة إميلشيل، إلى المجال العام.

وهنا تكمن أهمية المسألة؛ فالشباب الذين يأتون من القرى والجبال والمناطق البعيدة عن مراكز القرار السياسي يحتاجون إلى أن يُنظر إليهم باعتبارهم جزءًا من الحقل السياسي الوطني، لا باعتبارهم أصواتًا هامشية أو تجارب لا تستحق الاهتمام.

الخلاف السياسي لا يبرر إهانة الأشخاص

الاختلاف في السياسة أمر طبيعي، بل هو جوهر العملية الديمقراطية. ومن حق أي سياسي أن ينتقد خطاب منافسه، وأن يختلف مع مواقفه وبرنامجه وطريقة اشتغاله.

لكن الفاصل الأساسي هو بين نقد الفكرة وانتقاص قيمة صاحبها.

فحين يتحول النقاش من البرامج والمواقف إلى أوصاف شخصية جارحة، فإن الخاسر الحقيقي ليس هذا الطرف أو ذاك، وإنما صورة الممارسة السياسية نفسها.

والسياسة، مهما اشتدت فيها المنافسة، تحتاج إلى حد أدنى من الاحترام المتبادل، خصوصًا عندما يكون الطرف الآخر شابًا يخوض تجربته الأولى أو يحاول شق طريقه في فضاء سياسي شديد التنافس.

الشباب ليسوا مجرد أرقام انتخابية

من أكبر المفارقات في الخطاب السياسي المعاصر أن الجميع يتحدث عن ضرورة إشراك الشباب، وتجديد النخب، وتشجيع الكفاءات الجديدة، لكن الواقع السياسي يكشف أحيانًا عن مقاومة غير معلنة لكل صوت جديد يحاول الاقتراب من دائرة القرار.

الشاب الذي يأتي من الجبل، ويحمل هموم ساكنته، ويدخل الانتخابات بوسائله وإمكاناته، يستحق أن يُناقش سياسيًا، وأن يُحاسب على برنامجه ومواقفه، لا أن يُختزل في أوصاف تقلل من قيمته.

وإذا كان أسامة باريك قد نجح في الوصول إلى المواطنين والتعبير عن بعض مطالبهم، فإن ذلك بحد ذاته معطى سياسي واجتماعي يستحق الدراسة، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه.

المطلوب اعتذار أم توضيح؟

إذا كانت العبارات المتداولة قد نقلت فعلًا بالمعنى المنسوب إليها، فمن المسؤولية السياسية أن يتم توضيح السياق، وتحديد المقصود، وتجاوز أي إساءة شخصية إن ثبت وقوعها.

فالاعتذار في السياسة ليس ضعفًا، بل يمكن أن يكون تعبيرًا عن قوة المسؤولية الأخلاقية.

وفي المقابل، فإن الرد السياسي المسؤول على أي انتقاد لا يكون بالتصعيد الشخصي، وإنما بالحجة والوثيقة والبرنامج والعمل الميداني.

من الجبل إلى المؤسسات... صوت جديد يستحق أن يُسمع

المشهد السياسي المغربي في حاجة إلى فتح المجال أمام طاقات جديدة، خصوصًا من المناطق التي ظلت لسنوات تشكو من ضعف التمثيلية وغياب الإنصات الكافي لمطالبها.

والجبال المغربية ليست مجرد جغرافيا بعيدة عن مراكز المدن؛ إنها فضاء يعيش فيه مواطنون لهم مطالب وحقوق وانتظارات، ولهم كذلك الحق في أن يكون بينهم من يتحدث باسمهم ويشارك في صناعة القرار.

لذلك فإن القضية الحقيقية ليست أسامة باريك في مواجهة نبيلة منيب، وإنما سؤال أكبر: كيف نريد أن تكون علاقتنا بالجيل الجديد من الفاعلين السياسيين؟

هل نفتح أمامهم الباب للنقاش والمنافسة والتجربة، أم نطالبهم بالمشاركة ثم نواجههم عندما يقتحمون المجال السياسي؟

السياسة التي تحترم نفسها هي التي تستطيع أن تختلف دون أن تُهين، وأن تنتقد دون أن تُحقّر، وأن تنتصر بالحجة لا بالتجريح.

وفي نهاية المطاف، فإن صندوق الاقتراع، والبرامج، والعمل الميداني، وثقة المواطنين هي التي ينبغي أن تحسم التنافس السياسي، لا الأوصاف الشخصية ولا الحملات المتبادلة.

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

بالصور : الأمم المتحدة والمغرب في مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح بين الأديان والثقافات

 


بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
نيويورك – في ظل عالم يشهد تنامي خطاب الكراهية وتزايد سرعة انتشار المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، باتت مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربات دولية تتجاوز الإجراءات التقليدية، وتقوم على تعزيز الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات والأديان.
وفي هذا السياق، احتضنت مدينة نيويورك مؤتمراً عالمياً رفيع المستوى حول تعزيز الحوار والتسامح بين الأديان والثقافات في مواجهة خطاب الكراهية، بمبادرة مشتركة بين مكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن الحماية، وتحالف الأمم المتحدة للحضارات، والمملكة المغربية.
وشكل المؤتمر مناسبة لبحث سبل التصدي لخطاب الكراهية، خصوصاً في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي جعلت انتشار الرسائل والمواقف المحرضة على الكراهية أمراً يتم في دقائق، بل وفي لحظات، بما قد يساهم في تأجيج التوترات الاجتماعية والدينية والثقافية، وقد يصل في بعض الحالات إلى التحريض على العنف.
الحوار في مواجهة الكراهية
المشاركون في المؤتمر ناقشوا أهمية الاستثمار في الحوار بين الأديان والثقافات باعتباره إحدى الأدوات الأساسية للوقاية من التوترات والصراعات، وترسيخ قيم التسامح والتعايش والاحترام المتبادل.
كما سلط اللقاء الضوء على مسؤولية الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات الدينية والأكاديمية والمجتمع المدني، إلى جانب الفاعلين في المجال الرقمي، في مواجهة المحتويات التي تحرض على الكراهية أو التمييز والعنف.
وجمع المؤتمر ممثلي عدد من الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية، إلى جانب قادة دينيين وأكاديميين وممثلي المجتمع المدني، فضلاً عن ممثلين عن المجتمعات اليهودية والمسيحية والمسلمة والهندوسية، في تأكيد على أهمية إشراك مختلف المكونات الدينية والثقافية في بناء جسور التفاهم.
الذكاء الاصطناعي.. تحدٍّ وفرصة
ويكتسب النقاش حول خطاب الكراهية أهمية إضافية في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادراً على إنتاج النصوص والصور والمقاطع الصوتية والمرئية ونشرها على نطاق واسع وبسرعة غير مسبوقة.


وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يواجه خطاب الكراهية قبل أن يتحول من مجرد رسالة رقمية إلى سلوك يحرض على العنف؟
المقاربة المطروحة لا تقتصر على محاربة المحتوى الضار بعد انتشاره، وإنما تتطلب تعزيز التربية على المواطنة الرقمية، ونشر ثقافة الحوار، ودعم خطاب التسامح، وتشجيع الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، مع احترام حرية التعبير والحقوق الأساسية.
المغرب وتعزيز ثقافة التعايش
وتأتي مشاركة المملكة المغربية في هذا المؤتمر في سياق اهتمامها بالحوار بين الثقافات والأديان وتعزيز قيم التعايش والاعتدال، فضلاً عن حضورها في المبادرات الدولية المرتبطة بالحوار الحضاري ومكافحة التطرف وخطاب الكراهية.
ويؤكد انعقاد هذا المؤتمر أن مواجهة الكراهية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تعاون الدول والمؤسسات الدولية والدينية والأكاديمية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا.
من خطاب الكراهية إلى خطاب السلام


وفي عالم أصبحت فيه المعلومة تعبر الحدود في ثوانٍ، لم يعد خطاب الكراهية قضية محلية أو مرتبطة بمجتمع بعينه، بل أصبح تحدياً عالمياً يمكن أن تكون له تداعيات اجتماعية وأمنية وإنسانية واسعة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من مجرد مواجهة خطاب الكراهية إلى بناء خطاب بديل يقوم على الحوار والاحترام والتسامح والسلام، بما يجعل الاختلاف بين الأديان والثقافات عاملاً للتعارف والتعاون، وليس سبباً للصراع والانقسام.
ويبقى الرهان الأكبر هو قدرة المجتمع الدولي على تحويل توصيات ومخرجات مثل هذه المؤتمرات إلى ممارسات وبرامج ملموسة، خصوصاً لدى الأجيال الشابة وفي الفضاء الرقمي، حتى لا تتحول التكنولوجيا من وسيلة للتواصل بين البشر إلى أداة لتوسيع دائرة الكراهية والتحريض.