بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
من «الوقود الانتخابي» إلى الفاعل السياسي: لماذا يبتعد الشباب عن السياسة؟
لم تعد العلاقة بين الشباب والسياسة في المغرب تختزل في سؤال المشاركة من عدمها، بل أصبحت تطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الشباب والمؤسسات السياسية، وبين الناخب والنخب الحزبية، وبين الوعود الانتخابية وانتظارات الأجيال الجديدة.
فالشاب المغربي لا يبدو بالضرورة رافضاً للسياسة باعتبارها فعلاً مجتمعياً، بقدر ما أصبح جزء منه متشككاً في الممارسة السياسية وفي قدرتها على الاستجابة الفعلية لانتظاراته. ومن هنا يمكن فهم ظاهرة العزوف السياسي والانتخابي باعتبارها ظاهرة مركبة، لا يمكن تفسيرها بعامل واحد.
وتكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بلغ عددهم حوالي 5.9 ملايين سنة 2021، أي ما يعادل 16.2% من مجموع السكان.
لكن الأهمية الديموغرافية للشباب لا تنعكس بالضرورة بالحجم نفسه داخل المؤسسات السياسية الرسمية.
العزوف: هل الشباب يرفض السياسة أم يرفض طريقة ممارستها؟
إن أخطر ما ينبغي أن تتوقف عنده الأحزاب والنخب السياسية ليس فقط عدد الشباب الذين لا يصوتون، وإنما لماذا لا يصوتون؟ ولماذا لا يسجل بعضهم أصلاً في اللوائح الانتخابية؟ ولماذا يبتعد عدد كبير منهم عن الانخراط في الأحزاب والتنظيمات السياسية؟
فالعزوف قد يكون تعبيراً عن اللامبالاة، لكنه قد يكون أيضاً تعبيراً عن فقدان الثقة، أو الإحساس بعدم جدوى المشاركة، أو الاعتقاد بأن القرار السياسي لا يستجيب بما يكفي للمطالب الاجتماعية والاقتصادية للشباب.
وقد أظهرت دراسة للمندوبية السامية للتخطيط حول المشاركة السياسية أن نسبة 77.3% من الشباب في الفئة العمرية 18-24 سنة صرحوا بأنهم لم يشاركوا قط في الانتخابات، مقابل 15.5% قالوا إن مشاركتهم كانت منتظمة و7.2% غير منتظمة، وفق المعطيات التي شملتها الدراسة. كما أظهرت أن 99.3% من الفئة نفسها لم يكونوا أعضاء نشطين في حزب سياسي.
وهذه الأرقام، رغم قدمها، تكشف أن ظاهرة الابتعاد عن العمل السياسي ليست جديدة، وأن معالجة العلاقة بين الشباب والسياسة تحتاج إلى قراءة تتجاوز الحملات الانتخابية الموسمية.
التسجيل في اللوائح الانتخابية: الحلقة الأولى في المشاركة
لا تبدأ المشاركة السياسية يوم الاقتراع فقط؛ بل تبدأ قبل ذلك بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، ومعرفة الحقوق والواجبات، ومتابعة البرامج، ومساءلة المرشحين، ثم اتخاذ القرار الانتخابي بحرية ووعي.
وفي سنة 2026، فتحت السلطات المغربية فترة جديدة لتقديم طلبات التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة، بالنسبة لمن بلغوا 18 سنة أو سيبلغونها في 23 شتنبر 2026، وذلك خلال الفترة الممتدة من 15 ماي إلى 13 يونيو 2026.
وهنا تبرز مفارقة سياسية واجتماعية تستحق البحث:
كيف يمكن لشباب يطالب بالتغيير أن يتحول جزء منه إلى قوة انتخابية غير مشاركة؟
إن عدم التسجيل، ثم عدم التصويت، ثم عدم الانخراط في العمل السياسي، كلها حلقات يمكن أن تتراكم لتنتج مسافة متزايدة بين الجيل الجديد والمؤسسات السياسية.
لكن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية العزوف سيكون تبسيطاً للمشكلة؛ لأن مسؤولية إعادة بناء الثقة تقع أيضاً على المؤسسات والأحزاب والنخب السياسية.
من الشباب كقوة انتخابية إلى الشباب كقوة لصناعة القرار
تؤكد الأدبيات الدولية المتعلقة بالمشاركة السياسية للشباب أن الأجيال الشابة قد تكون حاضرة بقوة في أشكال المشاركة غير الرسمية، مثل العمل المدني والنشاط المجتمعي والمبادرات المطلبية، في الوقت الذي تظل فيه مشاركتها محدودة في المؤسسات السياسية الرسمية. وقد اعتبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن ضعف التمثيل السياسي للشباب يمكن أن يؤثر في جودة الحكامة الديمقراطية.
وهنا يجب طرح سؤال جوهري:
هل تريد المؤسسات السياسية من الشباب أن يكونوا مواطنين فاعلين، أم تريد منهم فقط أن يكونوا كتلة انتخابية في موسم الانتخابات؟
فالشباب لا ينبغي أن يُستدعى فقط خلال الحملات الانتخابية، ولا أن يتحول إلى جمهور للصور والخطابات والوعود، ثم يعود إلى الهامش بعد انتهاء الاقتراع.
المشاركة الحقيقية تعني أن يكون للشباب موقع في صياغة البرامج، وإنتاج الأفكار، وتحمل المسؤوليات التنظيمية، والمشاركة في صناعة القرار، والترشح للمؤسسات المنتخبة، ومراقبة الأداء العمومي ومساءلة المسؤولين.
أزمة أخرى: عندما تتحول المسؤولية السياسية إلى إقامة دائمة
إن الديمقراطية لا تعني فقط إجراء الانتخابات، وإنما تعني أيضاً التداول على المسؤوليات، وتجديد النخب، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة.
ومن هنا تبرز إشكالية استمرار بعض الوجوه السياسية لفترات طويلة داخل مواقع المسؤولية، سواء في المؤسسات المنتخبة أو داخل التنظيمات الحزبية.
فالمشكلة ليست في تقدم السياسي في السن بحد ذاته؛ فالخبرة السياسية قيمة مهمة، ولا ينبغي تحويل العمر إلى معيار للإقصاء. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الخبرة إلى احتكار دائم للمواقع، ويصبح انتقال المسؤولية إلى جيل جديد أمراً مؤجلاً باستمرار.
إن التداول بين الأجيال لا يعني إقصاء الكبار، كما أن تمكين الشباب لا يعني منح المسؤولية لمجرد صغر السن.
المطلوب هو الجمع بين الخبرة والكفاءة والتجديد.
فالشباب يحتاج إلى فرصة، لكن الفرصة ينبغي أن تكون مرتبطة بالكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية.
لماذا ينفر الشباب من الأحزاب؟
قد نجد شاباً ناشطاً في المجتمع المدني، أو في العمل الثقافي، أو في المبادرات الاجتماعية، أو في المجال الرقمي، لكنه لا يجد نفسه داخل حزب سياسي.
وهنا ينبغي على الأحزاب أن تسأل نفسها:
هل خطابها قريب من لغة الشباب؟
هل تقدم له مساحة حقيقية لصناعة القرار؟
هل تفتح أمامه الطريق نحو المسؤولية؟
هل تستمع إلى مشكلاته المتعلقة بالتعليم والشغل والسكن والعدالة الاجتماعية والاقتصاد الرقمي؟
أم أنها لا تتذكره إلا عندما تقترب الانتخابات؟
إن استمرار الفجوة بين الشباب والأحزاب يمكن أن يؤدي إلى نتيجة خطيرة: شباب حاضر بقوة في المجتمع، لكنه غائب نسبياً عن المؤسسات السياسية.
الشباب ليس «وقوداً انتخابياً»
إن وصف الشباب بأنه «وقود انتخابي» يحمل دلالة سياسية قوية، لأنه يشير إلى الفرق بين استعمال الشباب كوسيلة للوصول إلى السلطة وبين تمكين الشباب ليكون شريكاً في ممارسة السلطة وصناعة السياسات العامة.
فالعملية الديمقراطية لا تكتمل بمجرد أن يدلي الشاب بصوته؛ بل تكتمل عندما يشعر أن صوته له قيمة، وأن بإمكانه أن يصبح هو أيضاً فاعلاً في صناعة القرار.
ومن هنا فإن مواجهة العزوف لا تكون فقط بدعوة الشباب إلى صناديق الاقتراع، وإنما بإعادة النظر في العلاقة السياسية معه.
كوفي عنان: الديمقراطية عملية تتجدد عبر الأجيال
كان الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان يؤكد أن المواطن الصالح والديمقراطي لا يولد مكتمل التكوين، وأن المواطنة والديمقراطية مساران يتطوران عبر الحياة، محذراً من أن المجتمع الذي يعزل نفسه عن شبابه يعزل نفسه عن أحد مصادر حيويته. وقد وثقت الأمم المتحدة هذا التصور في موادها المتعلقة بمشاركة الشباب.
كما دعا عنان الشباب إلى الانخراط في الشأن العام والسياسة، مؤكداً أن المشاركة المدنية الواعية لا ينبغي أن تُترك للآخرين وحدهم.
أما بان كي مون، فقد شدد خلال فترة توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة على أهمية الاستماع إلى أصوات الشباب وإدماج احتياجاتهم ومخاوفهم في عملية صنع القرار، مؤكداً أن طاقة الشباب ومبادراتهم يمكن أن تسهم في معالجة قضايا السلام والتنمية وحقوق الإنسان.
السؤال الذي لا يمكن تأجيله
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس:
لماذا يعزف الشباب عن السياسة فقط؟
بل يجب أن يكون:
ما الذي جعل جزءاً من الشباب يعتقد أن السياسة لا تحتاجه إلا يوم الاقتراع؟
وهل تستطيع الأحزاب السياسية أن تنتقل من منطق استقطاب الشباب انتخابياً إلى منطق تمكين الشباب سياسياً؟
وهل تستطيع النخب السياسية أن تؤمن بأن التداول بين الأجيال ليس تهديداً للخبرة، بل وسيلة لتجديد الحياة السياسية؟
ثم، في المقابل، هل يستطيع الشباب نفسه أن ينتقل من موقع المتفرج والناقد إلى موقع المواطن الفاعل، وأن يسجل في اللوائح الانتخابية، ويصوت، ويناقش البرامج، وينخرط في المجتمع المدني، ويشارك في الأحزاب، ويترشح، ويمارس حقه في المساءلة؟
إن الديمقراطية لا تُبنى بالشباب وحده، ولا بالنخب وحدها؛ وإنما تُبنى عندما يلتقي جيل يملك الخبرة مع جيل يملك الطاقة والأفكار الجديدة.
الشباب المغربي ليس بالضرورة ضد السياسة، لكنه يطرح أسئلة جديدة حول جدوى المشاركة، ومصداقية الخطاب، وتجديد النخب، وعدالة توزيع الفرص، ومدى قدرة المؤسسات على تحويل المطالب إلى سياسات عمومية.
ولهذا فإن معالجة العزوف لا تبدأ باتهام الشباب باللامبالاة، كما لا تبدأ بإلقاء المسؤولية كاملة على السياسيين؛ بل تبدأ بفهم أسباب الفجوة بين الطرفين.
فإذا كان المطلوب من الشاب أن يسجل في اللوائح، وأن يصوت، وأن يشارك، وأن يتحمل المسؤولية، فمن حقه أيضاً أن يسأل:
ماذا ستقدم لي السياسة؟ وما مكاني فيها؟ وهل سأكون شريكاً في صناعة المستقبل، أم مجرد رقم إضافي في حسابات الانتخابات؟
وهنا تحديداً تتحدد إحدى أهم رهانات الديمقراطية المغربية:
هل سيبقى الشباب جمهوراً انتخابياً، أم سيصبح شريكاً فعلياً في صناعة القرار؟.









