الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

«الرحامنة عشرة في عقيل »… حكاية مثل شعبي بين الذاكرة الجماعية والتأويل التاريخي

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

قراءة في الجذور التاريخية والحمولة الاجتماعية لعبارة «الرحامنة عشرة في عقيل»

 حين تتحول الذاكرة الشعبية إلى سجل للتاريخ

لا تختزن الذاكرة الشعبية المغربية مجرد أمثال وعبارات عابرة، بل تحمل في ثناياها شذرات من التاريخ الاجتماعي والسياسي، وتحتفظ بصور من المعاناة والصراع والتحولات التي عرفتها القبائل والمجتمعات المحلية عبر العصور. فكثيراً ما تختزل عبارة دارجة قصيرة أحداثاً طويلة، وتتحول مع مرور الزمن إلى مرجع رمزي يستحضره الناس للتعبير عن وقائع أو تجارب جماعية ظلت راسخة في الوجدان.

وفي هذا السياق، تبرز عبارة «الرحامنة عشرة في عقيل» باعتبارها إحدى العبارات المتداولة في الذاكرة الشعبية ببعض مناطق المغرب، ولا سيما في المجال المرتبط بالرحامنة والشاوية ومحيطهما. وهي عبارة تثير أسئلة تتجاوز ظاهر ألفاظها إلى البحث في خلفياتها التاريخية، ودلالاتها اللسانية، والظروف الاجتماعية التي ربما أسهمت في نشأتها وانتشارها.

غير أن التعامل العلمي مع مثل هذه التعبيرات يقتضي التمييز بين ما تتناقله الرواية الشفهية، وما تثبته الوثائق التاريخية، وما يقدمه الباحث من تأويلات محتملة. فالذاكرة الشعبية مصدر مهم لفهم الماضي، لكنها تحتاج، شأنها شأن غيرها من المصادر، إلى النقد والمقارنة والتحقق.

أولاً: قبيلة الرحامنة في سياق التاريخ السياسي المغربي

تحتل قبيلة الرحامنة مكانة بارزة في التاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب، بحكم امتدادها الجغرافي شمال مدينة مراكش، وصلاتها بالمجالات القبلية المجاورة، وموقعها ضمن التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي عرفتها المنطقة.

وخلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، شهد المغرب تحولات عميقة ارتبطت بطبيعة العلاقة بين السلطة المركزية والقبائل، وبالتحديات المالية والعسكرية والسياسية التي واجهتها الدولة. وفي ظل هذه الظروف، عرفت بعض المجالات القبلية توترات ومواجهات مع المخزن، الذي كان يسعى إلى تثبيت سلطته، وضمان استخلاص الجبايات، وإعادة فرض النظام والنفوذ المركزي.

ولم تكن هذه العلاقة، في مختلف مراحلها، علاقة صدام دائم أو رفض مطلق؛ بل تداخلت فيها أشكال متعددة من التفاوض والولاء والاحتجاج والمقاومة، بحسب الظروف السياسية وموازين القوى والمصالح المحلية.

ومن هذا المنطلق، فإن قراءة تاريخ الرحامنة تستوجب وضع الأحداث المرتبطة بها ضمن سياقها الوطني العام، بعيداً عن الأحكام التعميمية التي تختزل تاريخ القبيلة في التمرد أو العصيان، أو تجعل من الصراعات التي عرفتها وحدها عنواناً لهويتها التاريخية.

فالقبيلة، مثل غيرها من البنيات الاجتماعية المغربية، كانت فضاءً للتفاعل بين السلطة والمجتمع، وبين المصالح المحلية ومتطلبات الدولة، وهو ما انعكس، بصورة أو بأخرى، في الذاكرة الشفهية المتوارثة.

ثانياً: «عشرة في عقيل»… ماذا تخفي العبارة وراء ألفاظها؟

إن الإشكال الأساسي الذي تطرحه العبارة لا يتعلق بمجرد معناها الظاهر، بل بأصل لفظة «عقيل» والدلالة التي كانت تحملها في سياقها الأول.

فالتداول الشفهي، بطبيعته، قد يحافظ على العبارة العامة، لكنه يُحدث تغييرات في نطق بعض كلماتها أو في فهمها، خصوصاً عندما تنتقل من جيل إلى آخر، أو من منطقة إلى أخرى. وقد يؤدي ذلك إلى تعدد التأويلات، بحيث تصبح العبارة الواحدة قابلة لقراءات مختلفة، تبعاً للخلفية اللغوية والتاريخية لكل متلقٍّ.

ومن هنا، يمكن تناول المقولة من خلال فرضيتين أساسيتين:

الفرضية الأولى: التأويل المرتبط بالعقل والحكمة

قد يذهب بعض المتلقين إلى ربط لفظة «عقيل» بالعقل أو التعقل، ثم إسقاط هذا الفهم على صورة نمطية عن القبيلة وسلوكها السياسي أو الاجتماعي.

غير أن هذا التأويل، ما لم تسنده شواهد لغوية أو روايات تاريخية موثوقة، يظل مجرد احتمال تفسيري، ولا يجوز اعتماده أساساً للحكم على تاريخ الرحامنة أو على شخصيتها الجماعية.

فالأمثال الشعبية لا تصلح، في حد ذاتها، دليلاً على صفات ثابتة لدى جماعة بشرية، كما أن التوترات السياسية التي عرفتها بعض القبائل لا يمكن تفسيرها باختزالها في الحكمة أو الطيش، وإنما ينبغي فهمها ضمن ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

الفرضية الثانية: ارتباط العبارة بـ«العقال» والتقييد الجماعي

يذهب تأويل آخر إلى احتمال ارتباط لفظة «عقيل» بكلمة «العقال»، أي القيد أو وسيلة الربط، وفق الاستعمال المقصود في الرواية المحلية. وبحسب هذا التفسير، قد تكون العبارة استحضاراً لمشهد اعتقال جماعي، جرى فيه تقييد مجموعة من الأشخاص واقتيادهم تحت الحراسة، في سياق حملات عسكرية أو إجراءات عقابية عرفتها بعض المناطق.

ويمنح هذا التأويل العبارة دلالة اجتماعية وتاريخية مختلفة؛ إذ تصبح الإشارة إلى «العقال» رمزاً للأسر والتضييق وفقدان الحرية، لا حكماً على القدرات العقلية لأبناء القبيلة.

ومع ذلك، فإن قوة هذا التفسير تظل رهينة العثور على روايات شفوية متطابقة، أو نصوص تاريخية، أو وثائق محلية تثبت الصلة بين العبارة وممارسة التقييد الجماعي.

وعليه، فإن تفسير «عقيل» باعتبارها تحريفاً لـ«العقال» يظل فرضية جديرة بالبحث، لكنه لا يمكن تقديمه باعتباره حقيقة تاريخية محسومة من دون أدلة مستقلة تؤيده.

ثالثاً: العقوبات المخزنية والذاكرة القبلية

عرف التاريخ السياسي المغربي أشكالاً مختلفة من الحملات السلطانية التي كانت تهدف إلى إعادة بسط النفوذ، ومعالجة حالات العصيان، وتأمين الطرق، وضمان انتظام الجبايات. وكانت بعض هذه الحملات تترافق مع إجراءات قاسية، من بينها الاعتقال والعقاب ومصادرة الممتلكات، بحسب طبيعة المواجهة والسياق التاريخي.

ومن الطبيعي أن تترك مثل هذه الأحداث آثاراً في الذاكرة الجماعية للمناطق التي شهدتها؛ فالوقائع التي تمس الحرية والكرامة والاستقرار لا تنتهي آثارها دائماً بانتهاء المواجهة، بل قد تستمر في الحكايات والأمثال والأغاني الشعبية والروايات العائلية.

وفي هذا الإطار، يمكن افتراض أن بعض العبارات المرتبطة بالرحامنة قد تكون احتفظت بصدى أحداث من هذا النوع، سواء تعلقت بالاعتقال أو العقاب أو المواجهات بين السلطة المركزية وبعض المجموعات القبلية.

لكن المنهج التاريخي يفرض التمييز بين وجود ممارسات عقابية في تاريخ المغرب، وهو أمر يمكن بحثه في مصادر تلك المرحلة، وبين إثبات أن ممارسة بعينها هي التي أنتجت مقولة «عشرة في عقيل». فالأمر الثاني يحتاج إلى دليل خاص يربط بين الحدث والعبارة، ولا يكفي فيه التشابه في المعنى أو الانسجام مع السياق العام.

رابعاً: الذاكرة الشفهية بوصفها مصدراً للتاريخ الاجتماعي

لا تقل الرواية الشفهية أهمية عن بعض المصادر المكتوبة في دراسة التاريخ الاجتماعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتجارب الفئات المحلية، والتمثلات الجماعية، والأحداث التي لم تحظَ بتوثيق كافٍ في السجلات الرسمية.

غير أن قيمتها العلمية تتوقف على طريقة جمعها وتحليلها. فالرواية المتوارثة قد تحفظ جانباً من الحقيقة، لكنها قد تتعرض أيضاً للنسيان أو الاختصار أو المبالغة أو إعادة التأويل، بفعل التحولات التي يعرفها المجتمع.

ولذلك، فإن دراسة عبارة «الرحامنة عشرة في عقيل» تقتضي العودة إلى كبار السن وحملة الذاكرة المحلية في الرحامنة والشاوية ومحيطهما، وتسجيل الصيغ المختلفة التي ترد بها العبارة، ومعرفة المناطق التي تنتشر فيها، والسياقات التي تُستعمل فيها، وما إذا كانت هناك روايات متقاربة بشأن أصلها.

كما ينبغي مقارنة هذه الروايات بالمصادر التاريخية المكتوبة، ولا سيما المؤلفات التي تناولت القبائل المغربية وعلاقاتها بالمخزن، وتاريخ الحملات السلطانية، والتحولات السياسية التي شهدها المغرب خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ومن شأن هذا العمل الميداني أن يحول المثل من مجرد عبارة متداولة إلى موضوع بحث علمي قابل للفحص والمناقشة، وأن يساعد على الفصل بين الذاكرة الرمزية والواقعة التاريخية.

خامساً: من التأويل اللغوي إلى الإنصاف التاريخي

إن أخطر ما قد يترتب على تداول الأمثال التاريخية دون تمحيص هو تحولها إلى أحكام جاهزة على الجماعات والقبائل. فقد تحمل العبارة، في أصلها، معنى مختلفاً تماماً عما يفهمه منها المتلقي المعاصر، وقد يكون ما يبدو وصفاً سلبياً في ظاهر اللفظ انعكاساً لواقعة مؤلمة أو تجربة جماعية من القهر والمعاناة.

ومن هنا، فإن إعادة قراءة الموروث الشعبي لا تعني البحث عن تفسير يرضي الاعتزاز المحلي فحسب، وإنما تعني أيضاً التحرر من الأحكام المسبقة، واعتماد البحث والتوثيق والمقارنة.

فالإنصاف التاريخي لا يتحقق باستبدال تأويل غير موثق بتأويل آخر غير موثق، بل بإخضاع مختلف الفرضيات لمعيار واحد: قوة الدليل، وتماسك الحجة، ومدى انسجامها مع الشواهد اللغوية والتاريخية.

كما أن الاعتزاز بتاريخ الرحامنة لا يحتاج إلى نفي ما عرفته المنطقة من صراعات أو توترات؛ بل يقتضي فهم تلك الأحداث في سياقها، والنظر إلى القبيلة باعتبارها جزءاً من التاريخ المغربي المركب، بما يحمله من تفاعلات ومقاومات وتحالفات وتحولات.

ختاما : حين يصبح المثل الشعبي سؤالاً مفتوحاً أمام الباحث

إن عبارة «الرحامنة عشرة في عقيل» ليست مجرد تركيب لغوي متداول، بل يمكن أن تشكل مدخلاً لدراسة العلاقة بين اللغة والذاكرة والتاريخ، وبين التجربة الاجتماعية وطريقة تمثيلها في الوعي الجماعي.

وإذا كان تفسيرها من خلال لفظة «العقال» يفتح احتمالاً مثيراً للبحث، باعتباره إحالة محتملة إلى التقييد والأسر الجماعي، فإن إثبات هذا الأصل يظل مشروطاً بتوثيق الروايات المحلية ومقارنتها بالمصادر التاريخية ذات الصلة.

إن القيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في الانتصار لتفسير بعينه قبل التحقق منه، وإنما في تحويل الموروث الشفهي إلى موضوع بحث جاد، يساهم في صون الذاكرة المحلية، ويعيد قراءة التاريخ من زاوية المجتمع وتجارب الناس، لا من خلال الأحكام الجاهزة وحدها.

فالأمثال الشعبية قد تحفظ أصداء أحداث نسيها الزمن، لكنها لا تكشف أسرارها كاملة إلا حين يلتقي صوت الذاكرة بصرامة البحث العلمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق