الأحد، 4 أكتوبر 2026

134 نائباً في المعارضة… حين يتحول الرقم إلى ورقة ضغط دستورية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في المشهد السياسي المغربي المرتقب، لا تختزل معادلة تشكيل الحكومة في عدد المقاعد التي ستجتمع حول الأغلبية، ولا في توزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب المشاركة في الحكم. فهناك رقم آخر يفرض نفسه بقوة على طاولة الحسابات السياسية: 134 نائباً في صفوف المعارضة.

قد يبدو الرقم، للوهلة الأولى، مجرد نتيجة حسابية، لكنه يتحول إلى رقم ذي دلالة سياسية ومؤسساتية عندما يُقرأ في ضوء العتبات التي حددها الدستور لممارسة عدد من أدوات الرقابة البرلمانية.

فمجلس النواب يتكون من 395 عضواً، ما يجعل ثلث أعضائه يتجاوز قليلاً 131 نائباً، وتحديداً 132 نائباً عند احتساب الحد الأدنى اللازم. وبذلك، فإن معارضة تضم 134 نائباً ستكون، وفق هذا السيناريو، قد تجاوزت هذه العتبة بنائبين.

وهنا تبدأ أهمية الرقم.

فالثلث البرلماني ليس مجرد نسبة حسابية، وإنما يرتبط بمجموعة من الآليات الدستورية للرقابة على العمل الحكومي. فالفصل 67 يتيح طلب تشكيل لجان تقصي الحقائق من طرف ثلث أعضاء مجلس النواب، كما ينص الفصل 101 على إمكانية طلب عرض رئيس الحكومة للحصيلة المرحلية لعمل الحكومة من طرف ثلث أعضاء المجلس، بينما يسمح الفصل 66 بطلب عقد دورة استثنائية للبرلمان من طرف ثلث أعضاء مجلس النواب.

وبالتالي، فإن امتلاك 134 مقعداً يمنح المعارضة المفترضة هامشاً مؤسساتياً مهماً للتحرك والرقابة والمساءلة، شريطة توفر الشروط والإجراءات القانونية المنظمة لكل آلية.

الأغلبية الكبيرة… والتحدي الأصعب

في المقابل، يتداول سيناريو لأغلبية قد تصل إلى 236 مقعداً، عبر تحالف يضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.

من الناحية العددية، تبدو هذه الأغلبية واسعة. غير أن الحساب البرلماني شيء، والسياسة شيء آخر.

فجمع خمسة أو ستة أحزاب حول طاولة واحدة قد يكون ممكناً عند لحظة تشكيل الحكومة، لكن المحافظة على وحدة التصويت والمواقف طوال الولاية التشريعية تتطلب أكثر من مجرد اتفاق على توزيع المسؤوليات.

إنها تحتاج إلى برنامج سياسي واضح، والتزامات مشتركة، وآلية دائمة لتدبير الخلافات، حتى لا تتحول الاختلافات الطبيعية بين مكونات التحالف إلى أزمات سياسية عند كل محطة تشريعية.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الدور الذي تضطلع به فاطمة الزهراء المنصوري في السيناريو المتداول، باعتبار أن المهمة لا تتعلق فقط بتجميع المقاعد، وإنما ببناء صيغة سياسية قادرة على الحفاظ على تماسك الأغلبية بعد تشكيلها.

المعارضة… من الرقم إلى الفعل

في الجهة المقابلة، قد تضم المعارضة، وفق السيناريو نفسه، قوتين سياسيتين بارزتين هما التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، إلى جانب احتمال تموقع 25 نائباً في صيغة يمكن وصفها بالمساندة النقدية.

لكن امتلاك المقاعد لا يعني بالضرورة امتلاك موقف سياسي موحد.

فقد تتقاطع القوى المعارضة في ملف معين، وتختلف في ملف آخر. وقد تتفق على ممارسة الرقابة على الحكومة، دون أن تتفق بالضرورة على البدائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام المعارضة سيكون هو تحويل العدد إلى تنسيق، والتنسيق إلى ممارسة رقابية فعالة.

134 نائباً لا تعني إسقاط الحكومة

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: امتلاك أدوات الرقابة، وامتلاك القدرة على إسقاط الحكومة.

فالفصل 105 من الدستور يجعل ملتمس الرقابة قابلاً للتقديم بتوقيع خُمس أعضاء مجلس النواب على الأقل، لكن الموافقة عليه تتطلب الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس. وبما أن المجلس يضم 395 عضواً، فإن تمرير ملتمس الرقابة يحتاج إلى 198 صوتاً.

وبالتالي، فإن معارضة من 134 نائباً تستطيع بلوغ عتبة التوقيع على ملتمس الرقابة بفارق كبير، لكنها لا تستطيع بمفردها تمريره.

حتى لو أضيف إليها 25 نائباً في صيغة المساندة النقدية، فإن مجموعها سيصل إلى 159 نائباً، أي إنها ستظل بحاجة إلى 39 صوتاً إضافياً للوصول إلى الأغلبية المطلقة.

وهنا تكمن المفارقة السياسية:

المعارضة قد تمتلك أدوات قوية للمساءلة، لكنها لا تمتلك وحدها العدد الكافي لإسقاط الحكومة.

وهذا يعني أن أي تصدع كبير داخل الأغلبية يمكن أن يتحول، في لحظة سياسية معينة، إلى عنصر حاسم في ميزان القوة داخل مجلس النواب.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد تشكيل الحكومة

لذلك، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن سيدخل الحكومة ومن سيبقى خارجها، وإنما بكيفية إدارة العلاقة بين مكونات الأغلبية من جهة، وبين الحكومة والمعارضة من جهة أخرى.

فالأغلبية التي تضم عدة أحزاب تحتاج إلى آلية تنسيق سياسية تمنع الخلافات من التحول إلى أزمات علنية، بينما تحتاج المعارضة إلى تنسيق يجعل من حضورها البرلماني قوة رقابية متماسكة، دون أن يعني ذلك بالضرورة توحيد مواقفها في كل الملفات.

ومن هنا، فإن المشاورات السياسية لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية توزيع الحقائب والمواقع، وإنما باعتبارها عملية لإعادة رسم ميزان القوة داخل البرلمان.

معادلة المرحلة المقبلة

236 مقعداً تمنح الأغلبية هامشاً واسعاً لتدبير الشأن الحكومي.

134 نائباً تمنح المعارضة، وفق السيناريو المطروح، قدرة معتبرة على استعمال عدد من الأدوات الدستورية للرقابة والمساءلة.

لكن الأرقام وحدها لا تصنع الاستقرار السياسي.

فالأغلبية تحتاج إلى تحويل عددها إلى انسجام والتزام وتصويت موحد عند المحطات الحاسمة، بينما تحتاج المعارضة إلى تحويل عددها إلى تنسيق ورقابة ومساءلة مؤسساتية.

وفي النهاية، قد لا تكون المعركة السياسية الحقيقية في عدد المقاعد التي حصل عليها كل طرف، وإنما في كيفية استعمال هذه المقاعد داخل المؤسسة التشريعية.

فالأغلبية ستُختبر بقدرتها على البقاء موحدة عندما تختلف المصالح، والمعارضة ستُختبر بقدرتها على ممارسة الرقابة عندما تتباين المواقف.

وبين 236 مقعداً في الحكم و134 مقعداً في المعارضة، تتشكل معادلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز:

الأرقام تمنح القوة… لكن التصويت هو الذي يكشف موازينها الحقيقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق