الأربعاء، 8 يوليو 2026

رسالة إلى الإعلام والجماهير العربية والإفريقية: كرة القدم تصنعها التفاصيل

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لطالما كانت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة؛ فهي مساحة تلتقي فيها مشاعر الشعوب، وتعكس طموحاتها وآمالها، كما تختزن لحظات الفرح والانكسار في دقائق قد تغيّر مسار بطولة بأكملها. ومن هنا، فإن تقبل الهزيمة في اللحظات الأخيرة يظل من أصعب ما يمكن أن تواجهه الجماهير، خاصة عندما يكون الحلم قريباً من التحقق قبل أن يتبدد في الأنفاس الأخيرة.

لقد عاشت جماهير كوت ديفوار والسنغال، واليوم الجماهير المصرية، هذا الشعور القاسي بعد أن اقتربت منتخباتها من تحقيق إنجاز كبير قبل أن تتغير موازين المباريات في اللحظات الحاسمة. ومثل هذه الخسائر غالباً ما تكون أكثر إيلاماً من الإقصاء الواضح الذي تعرضت له منتخبات عريقة، لأن مرارة ضياع الفرصة تكون أشد وقعاً من الهزيمة الصريحة.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الطبيعي أن ترتفع الأصوات التي تبحث عن تفسيرات للهزيمة، سواء عبر انتقاد التحكيم أو الحديث عن سوء الحظ. والكرة المغربية نفسها عاشت مثل هذه التجارب، حيث لا تزال الذاكرة الرياضية تحتفظ بأحداث أثارت الكثير من الجدل، سواء في مونديال 1998 أو خلال نهائيات كأس العالم بروسيا سنة 2018. غير أن التجارب أثبتت أن أفضل رد على الإحباطات لا يكون بالاستغراق في خطاب المظلومية، بل بالعمل والتطوير، وهو ما جسده المنتخب المغربي عندما عاد ليحقق إنجازاً تاريخياً في مونديال قطر.

كما أن المنتخبات الإفريقية والعربية مطالبة دائماً بالتعامل مع المنافسة بروح رياضية ومسؤولية، بعيداً عن ردود الأفعال الانفعالية أو المواقف التي قد تسيء إلى صورة الرياضة ورسالتها.

وبخصوص المنتخب المصري، فإن التعاطف مع خروجه لا يمنع من الإشارة إلى أن العلاقة بين الجماهير العربية والإفريقية تتأثر أيضاً بالخطاب الإعلامي والتصريحات الرسمية. فقد استقبلت مدينة أكادير، خلال نهائيات كأس إفريقيا، المنتخب المصري بحفاوة كبيرة عكست كرم الشعب المغربي، غير أن بعض التصريحات التي صدرت آنذاك وأُسيء فهمها أو اعتُبرت مسيئة للمغرب ولتنظيمه، خلقت حالة من الاحتقان لدى جزء من الجماهير، وهو ما انعكس لاحقاً على مواقف بعض المتابعين أثناء المنافسات.

ومن هنا، تبرز مسؤولية الإعلام الرياضي في تهدئة الأجواء، وتوجيه النقاش نحو تقييم الأداء الفني بدل تأجيج الانفعالات أو ترسيخ ثقافة البحث الدائم عن شماعات للهزيمة. فالمراجعة الموضوعية هي السبيل الحقيقي للتطور، بينما يبقى تعليق الإخفاق على عوامل خارجية مجرد تأجيل للمشكلات الحقيقية.

ومن الناحية الفنية، فإن كرة القدم الحديثة تُحسم غالباً بالتفاصيل الصغيرة. فبعد التقدم في النتيجة، يصبح حسن إدارة المباراة عاملاً حاسماً، سواء من خلال التغييرات المناسبة أو المحافظة على التوازن التكتيكي. وكثير من المنتخبات دفعت ثمناً باهظاً بسبب قرارات فنية لم تكن موفقة، وهو درس يتكرر باستمرار في البطولات الكبرى.

واليوم، ومع استمرار المنافسة وبقاء المنتخب المغربي ممثلاً للعرب وإفريقيا في البطولة، تتباين مواقف الجماهير بين من يتمنى له مواصلة المشوار وتحقيق إنجاز جديد، وبين من تدفعه المنافسة أو المواقف السابقة إلى تمني خروجه. وهذا أمر يرافق كرة القدم منذ نشأتها، غير أن نتائج المباريات تبقى رهينة بما يقدم داخل المستطيل الأخضر، ولا يمكن الجزم مسبقاً بما ستؤول إليه المنافسة.

لقد أثبت تاريخ كأس العالم أن البطولات لا تُحسم بالأمنيات ولا بنظريات المؤامرة، بل بالتفاصيل الفنية والقرارات الصحيحة واستغلال الفرص. فكم من منتخب كان على بعد ثوانٍ من المجد قبل أن تتغير النتيجة، وكم من بطل كتب تاريخه لأنه عرف كيف يدير اللحظات الحاسمة.

لذلك، فإن الرسالة الموجهة إلى الجماهير والإعلام الرياضي في مختلف الدول العربية والإفريقية، وفي مقدمتها مصر، هي أن الهزيمة يجب أن تتحول إلى فرصة للمراجعة والتطوير، لا إلى مناسبة لتغذية الإحباط أو البحث عن مبررات جاهزة. فالنجاح في كرة القدم أصبح مرتبطاً بمنظومة احترافية متكاملة، تبدأ بالتخطيط العلمي، وتمر بالتكوين والإعداد النفسي والتكتيكي، وتنتهي بحسن تدبير أدق تفاصيل المباريات.

ختاماً، نتقدم بخالص المواساة للجماهير المصرية بعد هذا الإقصاء، مع كامل الاحترام لتاريخ الكرة المصرية ومكانتها في القارة الإفريقية والعالم العربي. كما نتمنى للمنتخب المغربي التوفيق في بقية مشواره، وأن يستفيد من دروس الماضي، وأن يحافظ على تركيزه حتى صافرة النهاية، لأن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يجمع بين الموهبة والانضباط وحسن إدارة التفاصيل.

الأحد، 5 يوليو 2026

الغرور والتفكك القيمي: دراسة اجتماعية في أسباب الظاهرة وآثارها على التماسك المجتمعي.

 



بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يعد الغرور من الظواهر الاجتماعية والنفسية التي صاحبت الإنسان منذ نشأة الحضارات، وهو ليس مجرد صفة فردية، بل يمثل سلوكاً اجتماعياً يؤثر في العلاقات الإنسانية، وفي تماسك المجتمع، وفي استقرار المؤسسات. وقد اهتم علماء الاجتماع بدراسة الغرور باعتباره أحد أشكال الانحراف القيمي الناتج عن اختلال عملية التنشئة الاجتماعية وضعف الضبط الاجتماعي، بينما تناولته الشريعة الإسلامية باعتباره من الأمراض القلبية التي تفسد الفرد والمجتمع.

ومع التطور الرقمي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الغرور أكثر حضوراً من خلال ثقافة الاستعراض، والبحث عن الشهرة، وتضخم صورة الذات، مما جعل الظاهرة تستحق دراسة علمية متعمقة.

أولاً: مفهوم الغرور

لغة : جاء في لسان العرب أن الغرور هو الخداع، ويقال: غرّه إذا خدعه حتى ظن الباطل حقاً.

اصطلاحاً : الغرور هو شعور الإنسان بتفوقه على الآخرين بصورة مبالغ فيها، مع اعتقاد امتلاكه صفات أو قدرات استثنائية تجعله أفضل من غيره، وينعكس ذلك في سلوكه وتعاملاته.

ثانياً: الغرور في علم الاجتماع

يرى علماء الاجتماع أن الغرور ليس ظاهرة نفسية فقط، بل هو نتاج للتفاعل الاجتماعي.

فالفرد لا يولد مغروراً، وإنما يكتسب هذا السلوك من خلال الأسرة، والمدرسة، والثقافة، ووسائل الإعلام، والبيئة الاجتماعية.

وقد أكد عالم الاجتماع إميل دوركايم أن المجتمع يصنع شخصية الإنسان من خلال منظومة القيم والمعايير، وعندما تختل هذه المنظومة تظهر سلوكيات منحرفة كالتكبر والأنانية.

أما ماكس فيبر فقد اعتبر أن المكانة الاجتماعية قد تدفع بعض الأفراد إلى الشعور بالتفوق والتعالي عندما تتحول السلطة أو الثروة أو الشهرة إلى وسيلة لإثبات الذات.

ويرى بيير بورديو أن امتلاك رأس المال الاقتصادي أو الثقافي أو الرمزي قد يولد لدى البعض شعوراً بالاستعلاء الاجتماعي إذا غابت القيم الأخلاقية.

بينما يفسر إرفنغ غوفمان الظاهرة من خلال نظرية "تقديم الذات"، حيث يسعى بعض الأشخاص إلى صناعة صورة مثالية عن أنفسهم أمام الآخرين حتى وإن كانت مخالفة للواقع.

ثالثاً: أسباب الغرور اجتماعياً

من أبرز الأسباب:

التنشئة الأسرية الخاطئة.

الإفراط في المدح.

الثراء المفاجئ.

السلطة والنفوذ.

الشهرة.

النجاح غير المصحوب بالتواضع.

المقارنة الاجتماعية.

ضعف الوازع الديني.

ثقافة الاستهلاك والاستعراض.

وسائل التواصل الاجتماعي.

رابعاً: النظريات الاجتماعية المفسرة للغرور

1- نظرية التنشئة الاجتماعية

ترى أن الغرور سلوك مكتسب من الأسرة والمحيط الاجتماعي.

2- نظرية التفاعل الرمزي

تؤكد أن الإنسان يبني صورته من خلال نظرة الآخرين إليه.

3- نظرية الصراع

ترى أن الشعور بالتفوق ينتج عن امتلاك السلطة أو المال أو المكانة.

4- نظرية الأنومي (اللامعيارية)

عندما تنهار القيم الأخلاقية يصبح الغرور سلوكاً عادياً داخل المجتمع.

خامساً: آثار الغرور على الفرد

ضعف العلاقات الاجتماعية.

فقدان الأصدقاء.

رفض النصيحة.

صعوبة التعلم.

انخفاض الذكاء الاجتماعي.

كثرة الصراعات.

العزلة الاجتماعية.

اضطرابات نفسية عند فقدان المكانة.

سادساً: آثار الغرور على المجتمع

تفكك العلاقات الاجتماعية.

انتشار الحسد والكراهية.

ضعف روح التعاون.

انهيار الثقة بين الأفراد.

زيادة الصراعات داخل المؤسسات.

عرقلة التنمية الاجتماعية.

سابعاً: الغرور في القرآن الكريم

قال تعالى:

﴿ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً﴾ (سورة الإسراء: 37)

وقال سبحانه:

﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ (سورة لقمان: 18)

وقال تعالى:

﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً﴾ (سورة لقمان: 18)

وقال عز وجل:

﴿كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ (سورة غافر: 35)

ثامناً: الغرور في السنة النبوية

قال رسول الله ﷺ:

"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر." (رواه مسلم)

وقال ﷺ:

"الكبر بطر الحق وغمط الناس." (رواه مسلم)

أي رفض الحق واحتقار الناس.

تاسعاً: الغرور في الدراسات النفسية

تشير أبحاث علم النفس الاجتماعي إلى أن الغرور يرتبط بما يعرف بـ:

اضطراب الشخصية النرجسية.

تضخم تقدير الذات.

الحاجة المستمرة للإعجاب.

ضعف التعاطف مع الآخرين.

وقد أوضح الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-5 أن الشخصية النرجسية تتسم بالعظمة، والحاجة للإعجاب، والشعور بالاستحقاق، واستغلال الآخرين.

عاشراً: مؤشرات الشخص المغرور

كثرة الحديث عن نفسه.

احتقار الآخرين.

رفض النقد.

حب المدح.

التفاخر بالمال أو المنصب.

الغيرة من الناجحين.

الاعتقاد بأنه دائماً على صواب.

التعالي في الحديث.

الاهتمام بالمظاهر.

التقليل من إنجازات الآخرين.

ضعف الاعتذار.

الحادي عشر: المعالجة الاجتماعية

تتمثل في:

التربية على التواضع.

تعزيز الرقابة الذاتية.

نشر ثقافة الحوار.

تصحيح أساليب التنشئة.

ضبط المحتوى الإعلامي.

ترسيخ قيم المواطنة.

تعزيز العمل التطوعي.

تنمية الذكاء الاجتماعي.

التربية الدينية.

الثاني عشر: النصوص التشريعية المغربية

ينص دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على ترسيخ مبادئ الكرامة والمساواة وعدم التمييز، وهي قيم تتعارض مع مظاهر الاستعلاء والغرور، كما تؤكد التشريعات المنظمة للتربية والتكوين على غرس قيم المواطنة والتواضع والاحترام المتبادل.

يتضح من خلال هذه الدراسة أن الغرور ليس مجرد سلوك فردي، بل ظاهرة اجتماعية معقدة تتداخل فيها عوامل التنشئة والثقافة والسلطة والإعلام. وقد أثبتت الدراسات السوسيولوجية أن المجتمع الذي تنتشر فيه قيم التواضع والتعاون يكون أكثر استقراراً وتماسكاً، بينما يؤدي انتشار الغرور إلى تفكك العلاقات الاجتماعية، وإضعاف الثقة، وتعميق الصراعات.

ومن المنظور الإسلامي، يمثل التواضع قيمة أخلاقية عليا، بينما يُعد الغرور من أخطر أمراض القلوب، لأنه يمنع صاحبه من قبول الحق ويزرع الاحتقار في علاقته بالناس. ومن ثم فإن بناء مجتمع متوازن يقتضي تكامل أدوار الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، لترسيخ ثقافة التواضع والاعتراف بالآخر واحترام كرامته.

أهم المراجع العلمية

ابن منظور، لسان العرب.

القرآن الكريم.

صحيح مسلم.

إميل دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع.

ماكس فيبر، الاقتصاد والمجتمع.

بيير بورديو، التمييز.

إرفنغ غوفمان، عرض الذات في الحياة اليومية.

الجمعية الأمريكية للطب النفسي، DSM-5.

دستور المملكة المغربية لسنة 2011.

السبت، 4 يوليو 2026

الفتنة وصناعة الانقسام في المجتمعات الإسلامية: من النزاعات التاريخية إلى الاستقطاب الرقمي والرياضي


 بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تُعد الفتنة من أخطر الظواهر التي عرفتها المجتمعات الإنسانية عموماً، والمجتمع الإسلامي على وجه الخصوص، لما تخلفه من انقسام، وتفكك اجتماعي، وقطيعة بين الأفراد والشعوب. ولم يكن القرآن الكريم ولا السنة النبوية يحذران من الفتنة عبثاً، بل لأن آثارها تتجاوز الخلافات الظاهرة لتطال وحدة الأمة واستقرارها وأمنها الفكري والاجتماعي.

قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]، وهي آية تؤكد أن الفتنة إذا انتشرت فإن ضررها يعم الجميع، ولا يقتصر على من أشعلها.

الفتنة في التاريخ الإسلامي

شهد التاريخ الإسلامي منذ العهد الأول أحداثاً مؤلمة عُرفت في كتب التاريخ بـ"الفتنة الكبرى"، والتي كانت من أصعب المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية، وأدت إلى انقسامات سياسية وفكرية امتدت آثارها عبر القرون. وقد تعامل علماء الأمة مع تلك المرحلة بالدعوة إلى الكف عن إثارة الأحقاد، والترحم على جميع الصحابة رضي الله عنهم، وترك ما شجر بينهم لله تعالى، انطلاقاً من قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 134].

وهذا يؤكد أن استحضار التاريخ ينبغي أن يكون للعبرة واستخلاص الدروس، لا لإحياء الخلافات أو تأجيج الانقسامات.

الفتنة في العصر الرقمي

في العصر الحديث، تغيرت وسائل صناعة الفتنة، لكنها لم تتغير في أهدافها. فبعد أن كانت تعتمد على الإشاعات والخطب، أصبحت تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الأخبار المضللة، وخطابات الكراهية، والمقاطع المجتزأة بسرعة غير مسبوقة.

وقد أثبتت العديد من الدراسات في علم الاجتماع والإعلام أن خوارزميات المنصات الرقمية تعطي انتشاراً أكبر للمحتوى المثير للغضب والاستفزاز، لأنه يحقق تفاعلاً أعلى، مما يجعل بعض صناع المحتوى يستثمرون في نشر الكراهية والإشاعات من أجل الشهرة أو المكاسب المادية، دون اعتبار لما يخلفونه من أضرار اجتماعية ونفسية.

الرياضة بين التقارب والاستغلال

الأصل في الرياضة أنها وسيلة للتعارف والتنافس الشريف، وقد قال النبي ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار"، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].

غير أن بعض المنافسات الرياضية تحولت إلى منصات لإثارة العصبية الوطنية أو القومية، وأصبحت بعض المباريات تُستغل لإشعال الخلافات بين الشعوب، خصوصاً عندما تتدخل الحسابات الوهمية، والإعلام غير المهني، وصناع المحتوى الباحثون عن الإثارة.

ولا ينبغي أن تتحول مباراة لا تتجاوز تسعين دقيقة إلى سبب لعداوات تستمر سنوات، أو إلى مبرر للإساءة إلى شعوب تجمعها روابط الدين والتاريخ والجغرافيا.

المغرب والجزائر... روابط أكبر من الخلاف

يربط الشعبين المغربي والجزائري تاريخ طويل من الأخوة والجوار، ووحدة الدين الإسلامي، واللغة، والهوية الحضارية، والعادات والتقاليد، كما يجمعهما تاريخ مشترك في مقاومة الاستعمار والتضامن في المحطات الكبرى.

ومن المنظور السوسيولوجي، فإن العلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تُختزل في الخلافات السياسية أو في نتائج المنافسات الرياضية، لأن العلاقات الاجتماعية والثقافية والإنسانية أعمق وأكثر رسوخاً من الأحداث العابرة.

حتى داخل الأسرة... تبدأ الفتنة بكلمة

الفتنة لا تقتصر على العلاقات بين الدول أو الشعوب، بل تبدأ أحياناً داخل الأسرة الواحدة، وبين الإخوة والأقارب والأصدقاء، بسبب كلمة منقولة، أو إشاعة، أو سوء فهم، أو تحريض من طرف ثالث.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10]، فجعل الإصلاح بين الناس عبادة عظيمة تحفظ تماسك المجتمع.

كما قال النبي ﷺ: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين."

مسؤولية الفرد والإعلام

إن مواجهة الفتنة مسؤولية مشتركة بين الفرد، والأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، وصناع المحتوى، وذلك عبر:

التثبت من الأخبار قبل نشرها.

نبذ خطاب الكراهية والتحريض.

ترسيخ ثقافة الحوار والاحترام.

تقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية.

نشر قيم الأخوة والتسامح بين الشعوب.

إن أخطر ما يهدد الأمم ليس اختلاف الآراء، وإنما تحويل الاختلاف إلى عداوة دائمة. فالفتنة لا تنتصر إلا عندما يفقد الناس وعيهم، ويصبحون أدوات في يد من يتاجرون بالأزمات والانقسامات.

وستبقى رسالة الإسلام واضحة وخالدة، تدعو إلى الوحدة والإصلاح، وإلى إطفاء نار الفتن قبل أن تمتد إلى الجميع، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

إن الشعوب الإسلامية والعربية تحتاج اليوم إلى بناء جسور الثقة والمحبة أكثر من حاجتها إلى تأجيج الخلافات، لأن ما يجمعها من دين وتاريخ وحضارة ومصير مشترك أكبر بكثير مما يفرقها.


الخميس، 2 يوليو 2026

الحركة الشعبية تراهن على الكفاءات بمراكش... والأنظار تتجه إلى اللائحة النسوية لاستكمال رسالة التجديد

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في خطوة تحمل رسائل سياسية واضحة قبل الاستحقاقات التشريعية المقبلة، كشف حزب الحركة الشعبية بمدينة مراكش عن أسماء مرشحيه لعدد من الدوائر الانتخابية، معتمدًا على شخصيات تنتمي إلى مجالات مهنية مختلفة، في محاولة لتقديم صورة حزب يراهن على الكفاءة والخبرة بدل الحسابات الضيقة.
وقد ضمت اللائحة أسماء وازنة، يتقدمها النقيب الأستاذ مولاي سليمان العمراني، المحامي ونقيب هيئة المحامين بمراكش ورزازات، الذي سيدخل غمار المنافسة بدائرة جليز، مستندًا إلى رصيد مهني وقانوني طويل يجعله من أبرز الوجوه القانونية بالمدينة.
أما بدائرة مراكش المنارة، فقد منح الحزب ثقته لـ العربي ازبيطو، التقني المتخصص في الفلاحة البيولوجية، وصاحب تجربة مهنية امتدت لأكثر من خمسة عشر عامًا في مجال اللوجستيك الدولي بفرنسا، وهي تجربة يرى متتبعون أنها قد تشكل قيمة مضافة في تدبير الشأن العام وخدمة التنمية المحلية.
وفي دائرة المدينة – سيدي يوسف بن علي، وقع الاختيار على الأستاذ عبد الصادق بيطاري، رئيس الجامعة الملكية المغربية للجمباز، الذي راكم تجربة مهمة في مجالي التربية والتدبير الرياضي، ويعد من الأسماء التي تراهن على الاستثمار في العنصر البشري، خاصة الشباب، باعتباره مدخلًا أساسيًا للتنمية.
وتعكس هذه الاختيارات، بحسب متابعين، رغبة الحركة الشعبية في الدفع بوجوه ذات كفاءة ومسارات مهنية متنوعة، قادرة على تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم داخل المؤسسة التشريعية، بما ينسجم مع شعار الحزب القائم على الكفاءة والخبرة والالتزام في خدمة المواطن والوطن.
وقد لقي الإعلان عن هذه الأسماء ارتياحًا لدى عدد من المواطنين والمهتمين بالشأن المحلي، الذين اعتبروا أن الرهان على الكفاءات يمثل خطوة إيجابية تستجيب لتطلعات المرحلة، وتعزز الثقة في العمل السياسي إذا ما اقترنت بالمصداقية والالتزام.
وفي المقابل، تتجه الأنظار اليوم نحو اللائحة النسوية، حيث يأمل العديد من المتابعين أن يواصل الحزب النهج نفسه، من خلال تقديم وجه نسائي جديد يمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على تمثيل مدينة مراكش بما يليق بمكانتها التاريخية والحضارية، بعيدًا عن منطق إعادة تدوير الأسماء أو تغليب الاعتبارات الشخصية.
إن المرحلة الراهنة تفرض على جميع الأحزاب السياسية أن تجعل المصلحة العليا للوطن، ومصلحة الحزب، فوق أي اعتبارات فردية، وأن تراهن على الكفاءات الحقيقية القادرة على خدمة المواطنين وتحقيق التنمية، لأن البرلمان ليس فضاءً للمجاملات، بل مؤسسة دستورية تتطلب الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية.
ويبقى الرهان الحقيقي هو أن تتحول هذه التزكيات إلى عمل ميداني جاد يلامس انتظارات المواطنين، ويعيد الثقة في الفعل السياسي، خاصة بمدينة عريقة بحجم مراكش، التي تستحق ممثلين في مستوى تاريخها ومكانتها الوطنية والدولية.

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

وصيتي إليكم : أبنائي الأعزاء


 

إلى ابني الحبيب........ وابني الغالي 

قد لا أترك لكما ثروةً تُعد، ولا مالًا يُورث، ولا عقاراتٍ تتنافسا عليها الأجيال، فقد عشت مؤمنًا بأن المال يذهب ويأتي، وأن الأرزاق بيد الله وحده.

ولكنني أرجو أن أترك لكما ما هو أثمن من المال، وأبقى من الممتلكات، وأنفع لكما في دنياكما وآخرتكما : وصية صادقة، هي خلاصة سنوات من التجربة، وما تعلمته من الحياة، وما أدركته من الناس.

أبنائي الأعزاء.......

إذا كنتما يومًا وحيدين، فانتبها لأفكاركما ، فإن الأفكار هي التي تصنع القرارات، والقرارات هي التي ترسم مصير الإنسان. اجعلا وحدتكما خلوةً مع نفسكما ، لا سجنًا لأوهامكما.

وإذا كنتما بين الناس، فانتبها لتصرفاتكما، فالأخلاق تسبق الأسماء، والاحترام يُكتسب بالأفعال لا بالأقوال.

وإذا غضبتما فاحرسا لسانكما، واضبطا انفعالكما، فكم من كلمة هدمت علاقة، وكم من لحظة غضب غيّرت حياة إنسان.

وإذا أحببتما، فلا تعدا إلا بما تستطيعا الوفاء به، فالوفاء خُلُق الكبار، والصدق أساس كل علاقة ناجحة.

وإذا أنعم الله عليكماةبعلم، أو مال، أو جاه، أو منصب، فلا يدخلا الغرور إلى قلبكما، ولا تظنا أن ما أنتما فيه من نفسكما، بل احمدا الله دائمًا، وتواضعا لعباده، فكل نعمة قد تزول، ولا يبقى إلا العمل الصالح.

وإذا ضاقت بكما الدنيا، وأغلقت الأبواب، وخذلكما الناس، فلا تكثرا الوقوف على أبواب البشر، بل اطرقا باب الله أولًا، فهو الكريم الذي لا يرد سائلًا، ولا يخيب راجيًا، ولا يخذل عبدًا أحسن الظن به.

ابنائي الأعزاء.......

لا تغرنكما الحياة الدنيا بزخرفها، ولا يخدعكما بريقها، فهي زائلة مهما طالت، وكل ما فيها إلى فناء. ولا يجعلنكما الشيطان من المغترين بالله، فتؤجلا التوبة، أو تركنا إلى المعاصي، أو تظنا أن العمر طويل، فالأعمار بيد الله.

واعلما أن زمنكم مليء بالفتن، والأحداث المتسارعة، والشهوات، والشبهات، والتضليل، والصراعات، والمظاهر الخادعة، والجواهر الاجتماعية التي قد تُزين الباطل وتُقبح الحق. فلا تتبعا كل ناعق، ولا تنسقا وراء كل فكرة، واجعلا ميزانكما كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعقل السليم، والخلق القويم.

اخترا طريق الصالحين، ولو كان أصعب الطرق، فإن نهايته نور وطمأنينة، وابتعدا عن طريق الباطل، ولو ازدحم بالسائرين، فإن نهايته ندم وحسرة.

وتذكرا دائمًا أن هذه الدنيا ليست دار إقامة، وإنما هي ممر للاختبار، وأن الآخرة هي دار القرار. فازرعا هنا ما تحبا أن تحصداه هناك، واعملا ليومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

وأوصيكما بالصلاة، فإنها صلتك بربك، وبالصدق، فإنه مفتاح كل خير، وبالعلم، فإنه نور العقل، وبالتواضع، فإنه يرفع صاحبه، وببر والديك، وصلة رحمك، والإحسان إلى الناس، فخير الناس أنفعهم للناس.

وأخيرًا...

إذا ذكرتماني بعد رحيلي، فلا تبكِيا على ما لم أتركه لكما من مال، ولكن ادعُوا لي بالرحمة والمغفرة، واعملا بهذه الوصية إن وجدتما فيها خيرًا، فذلك هو الإرث الحقيقي الذي أتمنى أن يبقى بين يديك.

أسأل الله أن يحفظكما، ويثبتكما على الحق، ويجعلكما من عباده الصالحين، وأن يرزقكما خير الدنيا، ونعيم الآخرة. واعلما إنني كنت احبكما فانتما فلدتا كبدي وسندي ونورا وقرة عيني ....وكنا إخوانا وعلى دين الله اعوانا ......وكن لأخيك سندا يكون لك عونا 

وصية كتبها الأب المحب:

العبد الفقير الى الله الفاني : د. خليفة مزضوضي

.

الاثنين، 29 يونيو 2026

ناصر بوريطة... دبلوماسية هادئة وحضور يفرض الإحترام

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!! 

في عالم السياسة الخارجية، لا تُقاس قوة المسؤول بعلو صوته، بل بقدرته على تحقيق مصالح بلده، وإدارة الملفات المعقدة بثبات وحكمة. ومن هذا المنطلق، يُعد ناصر بوريطة أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتبط اسمه بإدارة ملفات إقليمية ودولية حساسة، معتمداً أسلوباً يجمع بين الهدوء، والوضوح، والحزم في الدفاع عن المواقف الرسمية للمملكة المغربية. 

لا يعتمد بوريطة على الخطابات الانفعالية أو التصريحات المثيرة، بل يترك للوقائع والنتائج أن تتحدث. فقد تدرج في مختلف المناصب الدبلوماسية قبل تعيينه وزيراً للشؤون الخارجية سنة 2017، ثم جُددت الثقة فيه، وهو ما يعكس استمرارية في إدارة السياسة الخارجية المغربية.

ويصف كثير من المتابعين أداءه بأنه يجمع بين الابتسامة الهادئة والموقف الصارم؛ فهو يحرص على لغة دبلوماسية متزنة، لكنه في الوقت نفسه يدافع بقوة عن المصالح العليا للمغرب في مختلف المحافل الدولية، خاصة في القضايا التي تعتبرها المملكة ذات أولوية استراتيجية. وهذا ما جعل حضوره يحظى باهتمام واسع داخل المغرب وخارجه.

لقد أصبحت الدبلوماسية المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، تعتمد على خطاب أكثر وضوحاً في تحديد الشركاء والمواقف، وكان بوريطة أحد أبرز الوجوه التي جسدت هذا التوجه من خلال لقاءاته وتحركاته الدولية. 

قد يختلف المراقبون في تقييم سياساته أو نتائج بعض الملفات، كما هو الحال مع أي مسؤول سياسي، لكن من الصعب إنكار أن ناصر بوريطة أصبح اسماً بارزاً في المشهد الدبلوماسي الإقليمي، وأن أسلوبه القائم على الهدوء والثبات جعله يحظى باهتمام واسع في الأوساط السياسية والإعلامية.

إن قوة الدبلوماسية لا تكمن في رفع الصوت، بل في تحقيق المصالح الوطنية، وبناء الشراكات، والدفاع عن ثوابت الدولة بثقة وحكمة. وهذا ما يجعل ناصر بوريطة، في نظر كثير من المغاربة، أحد أبرز رموز الدبلوماسية المغربية المعاصرة.

الأربعاء، 24 يونيو 2026

المذهب المالكي ومكانته في هندسة التشريع الأسري المغربي: قراءة في المرجعيات والامتدادات

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!! يُعد الفقه المالكي أحد أهم المكونات الحضارية والقانونية للمملكة المغربية، حيث ارتبط تاريخياً ببناء الدولة المغربية منذ قيام الدول الإسلامية المتعاقبة على حكم المغرب. وقد شكّل المذهب المالكي المرجعية الأساسية للتشريع والقضاء في مختلف المجالات، ولا سيما في الأحوال الشخصية والأسرة والميراث. ومن ثم فإن دراسة دور الفقه المالكي في تشكيل قانون الأسرة وقانون الميراث المغربي تكشف عن عمق الارتباط بين الهوية الدينية للمجتمع المغربي والمنظومة القانونية المعاصرة. لقد حافظ المشرع المغربي عند صياغة مدونة الأسرة على المرجعية الإسلامية المالكية، مع الاستفادة من الاجتهادات الفقهية الحديثة ومقاصد الشريعة الإسلامية، بما يحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع المغربي. أولاً: مفهوم الفقه المالكي ومكانته في المغرب الفقه المالكي هو المنظومة الفقهية المستمدة من اجتهادات الإمام مالك بن أنس (93-179 هـ)، الذي اعتمد في استنباط الأحكام على القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس والمصلحة المرسلة والعرف وسد الذرائع. وقد انتشر المذهب المالكي في المغرب منذ القرن الثاني الهجري، وأصبح المذهب الرسمي للدولة المغربية، وذلك لعدة أسباب: مرونته وقدرته على مواكبة الواقع. اعتماده على المصلحة العامة. احترامه للأعراف الصحيحة. انسجامه مع خصوصيات المجتمع المغربي. ويؤكد الفصل الثالث من الدستور المغربي أن الإسلام دين الدولة، وهو ما يجعل المرجعية الفقهية الإسلامية حاضرة في التشريع الأسري. ثانياً: الأسس المالكية لقانون الأسرة المغربي تمثل مدونة الأسرة المغربية الصادرة سنة 2004 الإطار القانوني المنظم للعلاقات الأسرية، وقد استمدت معظم أحكامها من الفقه المالكي مع الانفتاح على الاجتهادات المقاصدية. ومن أبرز المجالات التي تأثرت بالفقه المالكي: 1. مؤسسة الزواج عرف الفقه المالكي الزواج بأنه: "عقد يفيد حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع." وقد استمدت مدونة الأسرة هذا التصور، حيث اعتبرت الزواج ميثاقاً شرعياً وقانونياً يقوم على: الرضا المتبادل. الإيجاب والقبول. الأهلية. الإشهاد. الدليل الشرعي قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (الروم: 21) 2. الولاية في الزواج كان الفقه المالكي التقليدي يشترط وجود الولي للمرأة في عقد الزواج. غير أن المشرع المغربي اجتهد في مدونة الأسرة وأقر للمرأة الراشدة حق إبرام عقد زواجها بنفسها مع إمكانية الاستعانة بوليها اختيارياً. ويعد ذلك نموذجاً للاجتهاد داخل المرجعية المالكية بالاعتماد على مقاصد الشريعة ومصلحة المرأة. 3. الحقوق والواجبات المتبادلة استمدت المدونة من الفقه المالكي مبدأ: حسن المعاشرة. التعاون الأسري. النفقة. رعاية الأبناء. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19) 4. الطلاق والتطليق رغم أن الفقه المالكي يجيز الطلاق بإرادة الزوج، فإن المدونة قيدت ممارسته برقابة القضاء. ومن الاجتهادات المالكية التي اعتمدتها المدونة: التطليق للضرر. التطليق لعدم الإنفاق. التطليق للهجر. الشقاق بين الزوجين. وهي حلول مستمدة من اجتهادات فقهاء المالكية الذين أولوا أهمية كبرى لحماية الأسرة من التعسف. 5. الحضانة اعتمد المشرع المغربي قواعد الحضانة المالكية مع تطويرها وفق مصلحة الطفل الفضلى. وتعتبر مصلحة المحضون المعيار الأساسي في منح الحضانة. ثالثاً: دور الفقه المالكي في تنظيم قانون الميراث المغربي يُعتبر نظام الميراث من أكثر المجالات ارتباطاً بالنصوص الشرعية القطعية. وقد استند المشرع المغربي إلى الفقه المالكي في تنظيم أحكام الإرث. 1. الأساس القرآني للميراث قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (النساء: 11) وقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (النساء: 12) وتُعد هذه الآيات المرجع الأساسي لأحكام الإرث. 2. أسباب الإرث في الفقه المالكي حدد الفقه المالكي أسباب الإرث في: أ- النسب مثل: الأبوة. البنوة. الأخوة. ب- الزوجية لقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ ج- الولاء وهو سبب تاريخي كان معمولاً به في بعض الحالات. 3. موانع الإرث اعتمد القانون المغربي ما قرره الفقه المالكي من موانع الإرث: القتل العمد. اختلاف الدين. الرق (وقد انتهى وجوده قانونياً). 4. أصحاب الفروض والعصبات يقسم الفقه المالكي الورثة إلى: أصحاب الفروض مثل: الزوج. الزوجة. الأب. الأم. البنات. العصبات مثل: الأبناء. الإخوة في بعض الحالات. وقد تبنى المشرع المغربي هذه القواعد بالكامل تقريباً. 5. الوصية الواجبة من أهم الاجتهادات الحديثة التي تبناها القانون المغربي. وتقضي باستحقاق أبناء الابن المتوفى قبل جده نصيباً من تركة الجد. وقد استند المشرع إلى اجتهادات فقهية ومقاصدية لتحقيق العدالة الاجتماعية داخل الأسرة. رابعاً: تجليات المرونة والاجتهاد داخل الفقه المالكي من الخصائص التي جعلت الفقه المالكي صالحاً لتأطير التشريع المغربي: 1. المصلحة المرسلة اعتمد الإمام مالك على تحقيق مصالح الناس. ومن تطبيقاتها: توثيق الزواج. إلزامية التسجيل المدني. رقابة القضاء على الطلاق. 2. العرف يعتبر العرف مصدراً معتبراً في الفقه المالكي. ومن تطبيقاته: تقدير النفقة. تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج. بعض الالتزامات الأسرية. 3. سد الذرائع وهو منع الوسائل المؤدية إلى الضرر. وقد انعكس في: حماية حقوق الأطفال. تقييد التعدد بشروط صارمة. مراقبة إجراءات الطلاق. خامساً: التحديات المعاصرة للفقه المالكي في مجال الأسرة والميراث رغم أهمية المرجعية المالكية، تواجه عدة تحديات: 1. التحولات الاجتماعية ارتفاع سن الزواج. خروج المرأة للعمل. تغير بنية الأسرة. 2. قضايا المساواة أثارت بعض المقتضيات المتعلقة: بالإرث. الولاية. النفقة. نقاشات قانونية وحقوقية واسعة. 3. التطورات الدولية تتطلب المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والطفل والمرأة اجتهاداً فقهياً متجدداً يحقق التوازن بين الخصوصية الدينية والانفتاح الحقوقي. سادساً: مقاصد الشريعة والفقه المالكي في الإصلاح التشريعي يعتمد الاجتهاد المغربي المعاصر على مقاصد الشريعة التي تتمثل في: حفظ الدين. حفظ النفس. حفظ العقل. حفظ النسل. حفظ المال. وقد أصبحت هذه المقاصد أساساً لتطوير التشريع الأسري دون الخروج عن المرجعية المالكية. ومن أبرز الأمثلة: توسيع صلاحيات القضاء الأسري. حماية حقوق المرأة والطفل. تنظيم التعدد. تطوير آليات الوساطة الأسرية. يتضح من خلال هذه الدراسة أن الفقه المالكي شكّل الركيزة الأساسية لقانون الأسرة وقانون الميراث المغربي، وأن المشرع المغربي استند إلى أصوله وقواعده في بناء المنظومة القانونية للأسرة. كما أظهر الفقه المالكي قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات الاجتماعية من خلال آليات الاجتهاد والمصلحة والعرف ومقاصد الشريعة. وبذلك يظل الفقه المالكي أحد أهم عناصر الاستقرار التشريعي بالمغرب، ومصدراً أساسياً لتحقيق التوازن بين المحافظة على الهوية الإسلامية للمجتمع المغربي والاستجابة لمتطلبات التطور القانوني والحقوقي المعاصر. أهم المراجع القرآن الكريم. الموطأ. المدونة الكبرى. بداية المجتهد ونهاية المقتصد. مقاصد الشريعة الإسلامية. مدونة الأسرة المغربية. اجتهادات المحاكم المغربية في قضايا الأسرة والميراث.