الاثنين، 23 مارس 2026

حين يتواطأ الموت والفقر والمطر على إنسان واحد مسن


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام  للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!


تُعدّ لحظات الفقد من أشدّ التجارب الإنسانية وقعًا على النفس، إذ تتقاطع فيها مشاعر الحزن العميق مع تأملات الوجود والهشاشة البشرية. وتتضاعف قسوة هذه اللحظات عندما تتزامن مع ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، تجعل الفرد يعيش الحداد لا فقط على فقدان الأحبة، بل أيضًا على فقدان الإحساس بالأمان والاحتواء. في هذا السياق، أروي  تجربة شخصية مؤلمة وقعت ليلة أمس، تمزج بين رهبة الموت، وقسوة الطبيعة، وضيق ذات اليد، في مشهد إنساني بالغ التأثير.

أولاً: سياق الحدث الجنائزي وأبعاده الروحية

شاركت في تشييع جنازة صهرتي ، السيدة أجميعة، التي وافتها المنية بالديار الفرنسية الثلاثاء الماضي 17 مارس 2026، قبل أن يتم نقل جثمانها امس الاحد 22 مارس 2026 إلى مدينة مراكش لدفنها بمقبرة أغمات التاريخية بمنطقة سيدي يوسف بن علي. وقد تزامن الدفن مع صلاة المغرب، وهي لحظة ذات دلالة رمزية وروحية عميقة، حيث يجتمع الغروب، بما يحمله من إيحاءات النهاية، مع شعائر الوداع الأخيرة.

وفي ذروة هذا المشهد، انقلبت الأحوال الجوية بشكل مفاجئ؛ فدوّى الرعد، ولمع البرق، وانهمرت الأمطار بغزارة، وكأن الطبيعة تشارك المشيعين حزنهم، أو تعكس اضطرابًا كونيًا يتماهى مع ألم الفقد. هذا التزامن بين الدفن والتقلب المناخي يضفي على الحدث بعدًا دراميًا وروحيًا يرسّخ في الذاكرة.

ثانيًا: العوز المادي كعامل مضاعف للمعاناة

بعد انتهاء مراسم الدفن، وجدت  نفسي في وضعية صعبة، إذ لم يكن بحوزتي سوى درهمين، مبلغ لا يكفي حتى لتأمين وسيلة نقل بسيطة داخل المدينة. وهنا تتجلى مفارقة مؤلمة: إنسان خارج لتوّه من المقبرة، مثقل بالحزن، يجد نفسه مضطرًا لمواجهة قسوة الواقع المادي في آنٍ واحد.

اضطررت إلى قطع مسافة طويلة مشيًا على الأقدام، من منطقة المحاميد مرورًا بعدة شوارع رئيسية، تحت أمطار غزيرة وبرد قارس. هذا المسار الجغرافي يتحول في النص إلى مسار رمزي، يعكس رحلة داخلية من الانكسار والتعب والبحث عن ملاذ، ولو مؤقت.

ثالثًا: المقهى كفضاء للجوء المؤقت والهشاشة

توقّفت في أحد المقاهي، حيث طلبت فنجان قهوة سوداء "على وجه السلف"، في مشهد يعكس أقصى درجات العوز والاحتياج. المقهى هنا لا يمثل فقط مكانًا للراحة، بل يتحول إلى فضاء مؤقت للنجاة من قسوة الطقس، ومن وطأة المشاعر المتراكمة.

جلست في زاوية، أمام شاشة تعرض مشاهد مرعبة، بعينين شاردتين وعقل مثقل، وكأن الواقع الخارجي والداخلي يتداخلان في حالة من الاغتراب. وفي نهاية المطاف، غلبنب التعب، فنمت على كرسي بلاستيكي، مرتجف الأطراف من البرد، في ليلة وصفها بـ"ليلة عذاب".

رابعًا: البعد النفسي والإنساني للتجربة

تتداخل في هذه التجربة ثلاثة مستويات من المعاناة:

المعاناة الروحية: الناتجة عن فقدان قريبة عزيزة، وما يرافق ذلك من شعور بالفناء والتأمل في الموت.

المعاناة المادية: المتمثلة في الفقر والعجز عن تلبية أبسط الحاجيات.

المعاناة النفسية: الناتجة عن الوحدة، والإرهاق، وغياب الدعم العاطفي.

وإد أعبر عن احساسي في هذه اللحظة عن حاجة إنسانية عميقة: الحاجة إلى الدفء، ليس فقط الجسدي، بل العاطفي أيضًا؛ إلى كلمة طيبة، إلى حضن يحتوي الألم، إلى حضور إنساني يخفف وطأة اللحظة.

تُبرز هذه التجربة كيف يمكن للحظة واحدة أن تختزل أبعادًا متعددة من المعاناة الإنسانية، حيث يتقاطع الفقد مع الفقر، والوحدة مع قسوة الطبيعة. إنها شهادة حية على هشاشة الإنسان، وعلى حاجته الدائمة إلى التضامن والدعم، خاصة في أوقات الأزمات.

كما تفتح هذه القصة الباب أمام تساؤلات أعمق حول دور المجتمع في احتواء أفراده، وأهمية بناء شبكات دعم إنساني تضمن الحد الأدنى من الكرامة، حتى في أحلك الظروف.

الأحد، 22 مارس 2026

أزمة التمثيل الحزبي المحلي: حزب التقدم والاشتراكية بمقاطعة جليز مراكش نموذجاً (2)

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يُعد حزب التقدم والاشتراكية من الأحزاب ذات الرصيد التاريخي في المغرب، غير أن التحولات التي عرفها في العقود الأخيرة، خاصة على المستوى المحلي، تطرح تساؤلات عميقة حول مدى انسجام ممارساته مع مرجعيته اليسارية. وتبرز مقاطعة جليز كحالة دالة تستحق التحليل.

أولاً: من الشرعية التاريخية إلى إشكالية الشرعية المحلية

ارتبطت شرعية الحزب تاريخياً بالنضال الذي قاده رموز مثل علي يعته، حيث تأسس على:

التأطير الإيديولوجي

النضال القاعدي

إنتاج النخب

غير أن هذه الشرعية أصبحت، في بعض الفروع المحلية، رمزية أكثر منها فعلية، حيث لم تعد الكفاءة والنضال معياراً حاسماً في التموقع داخل الهياكل.

ثانياً: مظاهر الأزمة في مقاطعة جليز

من خلال الطرح الذي قدمته، يمكن رصد عدة مؤشرات دالة على أزمة تنظيمية:

1. اختلال معايير الانتقاء

يُفترض في حزب يساري أن يعتمد:

التدرج النضالي

الكفاءة السياسية

الالتزام الفكري

لكن في بعض الحالات، يُلاحظ:

إسناد المسؤوليات لأشخاص دون تجربة تنظيمية كافية

تراجع دور المناضلين القدامى

تغليب علاقات شخصية أو حسابات ظرفية

2. تهميش الكفاءات الحزبية

أسماء ذات وزن أكاديمي أو سياسي، مثل الطيب الشكيلي، تمثل نموذجاً للكفاءات التي راكمت تجربة داخل الحزب.

غير أن تراجع حضور هذا النوع من الأطر على المستوى المحلي قد يعكس:

ضعف آليات الاعتراف الداخلي

غياب استراتيجية لتثمين الرأسمال البشري

3. تحول الحزب إلى إطار انتخابي محض

من أخطر التحولات:

الانتقال من حزب تأطيري إلى حزب انتخابي

التركيز على الاستحقاقات بدل البناء التنظيمي

في هذه الحالة، تصبح:

“الوجاهة الاجتماعية” أهم من الكفاءة

“القدرة على الحشد” أهم من الموقف السياسي

4. أزمة الديمقراطية الداخلية

تُطرح تساؤلات حول:

شفافية اتخاذ القرار

مدى احترام المساطر التنظيمية

دور القواعد في اختيار القيادات

وفي حال ضعف هذه الآليات، تتحول الفروع إلى:

هياكل مغلقة تُدار بمنطق الولاءات بدل المؤسسات

ثالثاً: تفسير التحولات (مقاربة سوسيولوجية وسياسية)

1. براغماتية المشاركة السياسية

منذ انخراط الحزب في الحكومات، خاصة بقيادة نبيل بنعبد الله، أصبح أكثر ميلاً إلى:

التوافق السياسي

الواقعية بدل الراديكالية

هذا التحول انعكس محلياً في شكل:

مرونة مفرطة في اختيار الأطر

تراجع الصرامة الإيديولوجية

2. ضعف التأطير الحزبي

تراجع:

التكوين السياسي

النقاش الفكري

التأطير الإيديولوجي

يؤدي إلى:

فراغ تنظيمي يتم ملؤه بأشخاص غير مؤطرين حزبياً

3. تأثير السياق المحلي

في مناطق مثل جليز:

الطابع الحضري والسياحي

تشابك المصالح الاقتصادية

قد يفرز:

أنماطاً من الفاعلين السياسيين غير التقليديين

اختراق العمل الحزبي بمنطق المصالح

رابعاً: هل نحن أمام انحراف أم مرحلة انتقالية؟

يمكن طرح احتمالين:

الفرضية الأولى: انحراف عن المبادئ

تراجع اليسار لصالح البراغماتية

إضعاف الكفاءات لصالح الولاءات

الفرضية الثانية: أزمة انتقال

صعوبة التكيف مع التحولات السياسية

حاجة الحزب لإعادة بناء ذاته

والراجح أن الوضع يجمع بين الاثنين بدرجات متفاوتة.

خامساً: آفاق الإصلاح

لتجاوز هذه الأزمة، يحتاج الحزب إلى:

إعادة الاعتبار للكفاءة

تعزيز الديمقراطية الداخلية

إحياء التأطير الفكري

ربط المسؤولية بالمحاسبة

إدماج المناضلين القدامى مع تجديد النخب

خاتمة نقدية

حالة مقاطعة جليز لا يمكن فصلها عن التحولات البنيوية التي يعرفها حزب التقدم والاشتراكية. فهي تعكس توتراً بين:

تاريخ نضالي قائم على المبادئ

وواقع سياسي تحكمه التوازنات والمصالح

وبينما لا يمكن اختزال الحزب في اختلالات محلية، فإن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى:

فقدان الثقة، وتآكل الرصيد الرمزي، وتحول الحزب من فاعل تغييري إلى مجرد إطار انتخابي.

إذا رغبت، يمكنني:

تحويل هذا النص إلى مقال صحفي قوي بصيغة نقدية مباشرة للنشر

أو صياغته كرسالة مفتوحة لقيادة الحزب

أو إضافة أمثلة مقارنة مع أحزاب يسارية أخرى في المغرب

يُعد حزب التقدم والاشتراكية من الأحزاب ذات الرصيد التاريخي في المغرب، غير أن التحولات التي عرفها في العقود الأخيرة، خاصة على المستوى المحلي، تطرح تساؤلات عميقة حول مدى انسجام ممارساته مع مرجعيته اليسارية. وتبرز مقاطعة جليز كحالة دالة تستحق التحليل.

أولاً: من الشرعية التاريخية إلى إشكالية الشرعية المحلية

ارتبطت شرعية الحزب تاريخياً بالنضال الذي قاده رموز مثل علي يعته، حيث تأسس على:

التأطير الإيديولوجي

النضال القاعدي

إنتاج النخب

غير أن هذه الشرعية أصبحت، في بعض الفروع المحلية، رمزية أكثر منها فعلية، حيث لم تعد الكفاءة والنضال معياراً حاسماً في التموقع داخل الهياكل.

ثانياً: مظاهر الأزمة في مقاطعة جليز

من خلال الطرح الذي قدمته، يمكن رصد عدة مؤشرات دالة على أزمة تنظيمية:

1. اختلال معايير الانتقاء

يُفترض في حزب يساري أن يعتمد:

التدرج النضالي

الكفاءة السياسية

الالتزام الفكري

لكن في بعض الحالات، يُلاحظ:

إسناد المسؤوليات لأشخاص دون تجربة تنظيمية كافية

تراجع دور المناضلين القدامى

تغليب علاقات شخصية أو حسابات ظرفية

2. تهميش الكفاءات الحزبية

أسماء ذات وزن أكاديمي أو سياسي، مثل الطيب الشكيلي، تمثل نموذجاً للكفاءات التي راكمت تجربة داخل الحزب.

غير أن تراجع حضور هذا النوع من الأطر على المستوى المحلي قد يعكس:

ضعف آليات الاعتراف الداخلي

غياب استراتيجية لتثمين الرأسمال البشري

3. تحول الحزب إلى إطار انتخابي محض

من أخطر التحولات:

الانتقال من حزب تأطيري إلى حزب انتخابي

التركيز على الاستحقاقات بدل البناء التنظيمي

في هذه الحالة، تصبح:

“الوجاهة الاجتماعية” أهم من الكفاءة

“القدرة على الحشد” أهم من الموقف السياسي

4. أزمة الديمقراطية الداخلية

تُطرح تساؤلات حول:

شفافية اتخاذ القرار

مدى احترام المساطر التنظيمية

دور القواعد في اختيار القيادات

وفي حال ضعف هذه الآليات، تتحول الفروع إلى:

هياكل مغلقة تُدار بمنطق الولاءات بدل المؤسسات

ثالثاً: تفسير التحولات (مقاربة سوسيولوجية وسياسية)

1. براغماتية المشاركة السياسية

منذ انخراط الحزب في الحكومات، خاصة بقيادة نبيل بنعبد الله، أصبح أكثر ميلاً إلى:

التوافق السياسي

الواقعية بدل الراديكالية

هذا التحول انعكس محلياً في شكل:

مرونة مفرطة في اختيار الأطر

تراجع الصرامة الإيديولوجية

2. ضعف التأطير الحزبي

تراجع:

التكوين السياسي

النقاش الفكري

التأطير الإيديولوجي

يؤدي إلى:

فراغ تنظيمي يتم ملؤه بأشخاص غير مؤطرين حزبياً

3. تأثير السياق المحلي

في مناطق مثل جليز:

الطابع الحضري والسياحي

تشابك المصالح الاقتصادية

قد يفرز:

أنماطاً من الفاعلين السياسيين غير التقليديين

اختراق العمل الحزبي بمنطق المصالح

رابعاً: هل نحن أمام انحراف أم مرحلة انتقالية؟

يمكن طرح احتمالين:

الفرضية الأولى: انحراف عن المبادئ

تراجع اليسار لصالح البراغماتية

إضعاف الكفاءات لصالح الولاءات

الفرضية الثانية: أزمة انتقال

صعوبة التكيف مع التحولات السياسية

حاجة الحزب لإعادة بناء ذاته

والراجح أن الوضع يجمع بين الاثنين بدرجات متفاوتة.

خامساً: آفاق الإصلاح

لتجاوز هذه الأزمة، يحتاج الحزب إلى:

إعادة الاعتبار للكفاءة

تعزيز الديمقراطية الداخلية

إحياء التأطير الفكري

ربط المسؤولية بالمحاسبة

إدماج المناضلين القدامى مع تجديد النخب

خاتمة نقدية

حالة مقاطعة جليز لا يمكن فصلها عن التحولات البنيوية التي يعرفها حزب التقدم والاشتراكية. فهي تعكس توتراً بين:

تاريخ نضالي قائم على المبادئ

وواقع سياسي تحكمه التوازنات والمصالح

وبينما لا يمكن اختزال الحزب في اختلالات محلية، فإن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى:

فقدان الثقة، وتآكل الرصيد الرمزي، وتحول الحزب من فاعل تغييري إلى مجرد إطار انتخابي.

السبت، 21 مارس 2026

حزب التقدم والاشتراكية من الجذور الشيوعية إلى التحولات السياسية المعاصرة 1

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يُعد حزب التقدم والاشتراكية من أعرق الأحزاب السياسية في المغرب، حيث ارتبط تاريخه بمسار الحركة اليسارية والنضال الاجتماعي منذ منتصف القرن العشرين. وقد مرّ الحزب بتحولات فكرية وتنظيمية عميقة، جعلته ينتقل من مرجعية شيوعية صلبة إلى تبني الاشتراكية الديمقراطية والانخراط في العمل المؤسساتي. غير أن هذا المسار لم يخلُ من تحديات وانتقادات، خاصة على المستوى المحلي.

أولاً: الجذور التاريخية والتأسيس

يرجع أصل الحزب إلى الحزب الشيوعي المغربي الذي تأسس سنة 1943، في سياق مقاومة الاستعمار الفرنسي. وبعد حظره سنة 1960، أعاد المناضلون تنظيم أنفسهم تحت اسم “حزب التحرر والاشتراكية”، إلى أن تأسس رسمياً حزب التقدم والاشتراكية سنة 1974.

وقد كان علي يعته من أبرز القادة التاريخيين للحزب، حيث لعب دوراً محورياً في إعادة بناء التنظيم وترسيخ حضوره في المشهد السياسي المغربي.

ثانياً: المرجعية الفكرية والسياسية

تبنى الحزب منذ نشأته مبادئ:

العدالة الاجتماعية

المساواة

الدفاع عن الطبقات الشعبية

دعم الحريات والديمقراطية

ومع التحولات الدولية (خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي)، انتقل الحزب تدريجياً نحو الاشتراكية الديمقراطية، مع الحفاظ على هويته اليسارية.

ثالثاً: المشاركة السياسية والمؤسساتية

شارك الحزب في عدة حكومات مغربية، خاصة خلال مرحلة التناوب التوافقي (1998)، واستمر حضوره في حكومات لاحقة. ومن أبرز قياداته:

نبيل بنعبد الله (الأمين العام الحالي)

إسماعيل العلوي (أمين عام سابق)

كما ساهم الحزب في تأطير عدد من الكفاءات السياسية والفكرية، من بينها شخصيات أكاديمية وبرلمانية.

رابعاً: التحولات التنظيمية والتحديات

رغم تاريخه النضالي، يواجه الحزب عدة تحديات:

تراجع القاعدة الشعبية مقارنة بفترات سابقة

صعوبات تجديد النخب واستقطاب الشباب

الانتقادات المرتبطة بالمشاركة الحكومية وتأثيرها على مصداقية الخطاب اليساري

اختلالات محلية في بعض الفروع، حيث تُطرح تساؤلات حول معايير اختيار الأطر والكفاءات

خامساً: إشكالية التمثيل المحلي (حالة جليز مثالاً)

تشير بعض الانتقادات، كما ورد في طرحك، إلى وجود:

ضعف في التأطير الحزبي المحلي

تغليب اعتبارات غير سياسية في اختيار المسؤولين

تهميش مناضلين تاريخيين أو ذوي كفاءة

هذه الظواهر، إن ثبتت، لا تعني بالضرورة تخلي الحزب عن مبادئه على المستوى المركزي، لكنها قد تعكس:

أزمة حكامة داخلية

ضعف آليات المراقبة التنظيمية

تأثير السياق السياسي المحلي

سادساً: هل تخلى الحزب عن مبادئه؟ (مقاربة تحليلية)

لا يمكن الجزم بشكل مطلق بأن الحزب “تخلى” عن مبادئه، لكن يمكن الحديث عن:

فجوة بين الخطاب والممارسة

تحولات براغماتية فرضتها المشاركة السياسية

تراجع الفعالية النضالية التقليدية

فالأحزاب السياسية عموماً تتأثر بالسياق العام، وقد تمر بمراحل قوة وضعف.

خاتمة

يبقى حزب التقدم والاشتراكية فاعلاً سياسياً له تاريخ نضالي مهم في المغرب، غير أن استمراريته وتأثيره مرهونان بقدرته على:

تجديد هياكله

إعادة الاعتبار للكفاءة والنضال

تعزيز الديمقراطية الداخلية

ربط الخطاب بالممارسة

انا عودة في الجزء الثاني من  هذا الموضوع الايام القليلة القادمة 

الأربعاء، 18 مارس 2026

21 مارس في اليوم العالمي للشعر : تحية الى صناع الجمال بالكلمة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

بمناسبة 21 مارس، اليوم العالمي للشعر، أبعث بأسمى عبارات التقدير والاعتزاز إلى كل الشعراء والكتاب، أولئك الذين جعلوا من الكلمة نورًا، ومن الحرف حياة، ومن الإحساس رسالة إنسانية خالدة.

إن الشعر ليس مجرد وزن وقافية، بل هو نبض الروح، وصوت الضمير، ومرآة تعكس آلام الإنسان وآماله. هو لغة تتجاوز الحدود، وتوحد القلوب، وتمنح للحياة معنى أعمق وأجمل.

إلى كل شاعر يكتب ليوقظ الوعي، ولكل كاتب يسطر ليبني الفكر، أنتم حراس الجمال، وحملة مشاعل الحقيقة، وصناع الأمل في عالم يزداد حاجة إلى الكلمة الصادقة.

فلنحتفِ اليوم بالشعر، لا كفن فحسب، بل كقيمة إنسانية راقية، تزرع فينا الإحساس، وتُعلي من شأن الإنسان.

كل عام وأنتم مبدعون، وكل حرف تكتبونه هو حياة تُهدى لهذا العالم .

الاثنين، 16 مارس 2026

فلسفة الصيام في الإسلام بين المقصد الشرعي والممارسة الاجتماعية المعاصرة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يُعد شهر رمضان من أعظم المواسم الروحية في الإسلام، إذ جعله الله تعالى فرصة لتزكية النفس وتقوية الصلة بين العبد وربه، وتعزيز قيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع. فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو عبادة شاملة تهدف إلى تهذيب السلوك الإنساني وترسيخ معاني الرحمة والعدل الاجتماعي. غير أن الملاحظ في بعض المجتمعات الإسلامية في السنوات الأخيرة هو تحول شهر رمضان لدى فئات من الناس من شهر للعبادة والزهد إلى موسم للاستهلاك المفرط والتباهي بالموائد، الأمر الذي يتعارض مع المقاصد الشرعية للصيام ويُضعف رسالته الإنسانية.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة فلسفة الصيام في الإسلام وبيان مقاصده، ومقارنة ذلك ببعض الممارسات الاجتماعية المعاصرة.

أولاً: مشروعية الصيام ومكانته في الإسلام

الصيام ركن من أركان الإسلام الخمسة، وقد فرضه الله تعالى على المسلمين كما فرضه على الأمم السابقة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

(سورة البقرة: 183)

ويستفاد من الآية أن الغاية الأساسية من الصيام هي تحقيق التقوى، أي مراقبة الله تعالى في السر والعلن.

كما قال النبي ﷺ:

"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" (رواه البخاري ومسلم).

ومن ثم فإن الصيام ليس عبادة شكلية، بل هو نظام تربوي متكامل يهدف إلى إصلاح الفرد والمجتمع.

ثانياً: المقاصد الروحية والتربوية للصيام

1. تزكية النفس وتهذيب السلوك

الصيام يربي الإنسان على ضبط الشهوات والتحكم في الغرائز.

قال النبي ﷺ:

"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (رواه البخاري).

وهذا يدل على أن الصيام الحقيقي هو الذي ينعكس على أخلاق الصائم وسلوكه.

2. تقوية الصلة بالله

رمضان شهر القرآن والذكر والدعاء، وفيه نزل القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾

(سورة البقرة: 185)

ولهذا يُعد رمضان موسماً للعودة إلى الله عبر الصلاة والقيام وتلاوة القرآن.

3. تعزيز روح التضامن الاجتماعي

الصيام يجعل الإنسان يشعر بمعاناة الفقراء والمحتاجين، مما يدفعه إلى العطاء والإحسان.

قال تعالى:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾

(سورة الإنسان: 8)

كما قال النبي ﷺ:

"من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء" (رواه الترمذي).

ثالثاً: رمضان شهر القرآن والإصلاح الروحي

من الخصائص الكبرى لشهر رمضان ارتباطه بالقرآن الكريم، إذ كان النبي ﷺ يكثر فيه من تلاوة القرآن ومدارسته.

وقد ورد في الحديث أن جبريل عليه السلام كان يدارس النبي القرآن في رمضان (رواه البخاري).

وهذا يبين أن رمضان هو شهر العلم والهداية والتأمل الروحي وليس مجرد شهر للطعام والشراب.

رابعاً: ظاهرة التبذير والتفاخر في رمضان

رغم المقاصد السامية للصيام، ظهرت في بعض المجتمعات الإسلامية مظاهر سلبية خلال شهر رمضان، من أبرزها:

1. التبذير في الطعام

تتحول موائد الإفطار لدى بعض الأسر إلى مظاهر استهلاكية مفرطة، حيث تُعد كميات كبيرة من الطعام يفوق الحاجة، وينتهي جزء كبير منها في النفايات.

وقد نهى الإسلام عن التبذير، قال تعالى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾

(سورة الأعراف: 31)

وقال أيضاً:

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾

(سورة الإسراء: 27)

2. التفاخر الاجتماعي

أصبحت بعض الموائد وسيلة للتباهي الاجتماعي بدلاً من كونها وسيلة للكرم والتكافل. وهذا يتناقض مع روح التواضع التي يدعو إليها الإسلام.

3. الغفلة عن الفقراء والمحتاجين

في مقابل الإسراف لدى بعض الناس، هناك فئات واسعة تعاني من الفقر ولا تجد قوت يومها. وقد أشار القرآن الكريم إلى فئة من الفقراء الذين لا يسألون الناس تعففاً، قال تعالى:

﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ... يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾

(سورة البقرة: 273)

وهؤلاء أولى بالعناية والبحث عنهم لمساعدتهم.

خامساً: التكافل الاجتماعي في الإسلام

جعل الإسلام مساعدة الفقراء والمحتاجين جزءاً أساسياً من العبادة، ويتجلى ذلك في عدة صور:

1. الزكاة

وهي ركن من أركان الإسلام ووسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

2. الصدقات

حث الإسلام على الإكثار منها خاصة في رمضان.

3. زكاة الفطر

وهي تهدف إلى إغناء الفقراء يوم العيد.

قال النبي ﷺ:

"فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين" (رواه أبو داود).

سادساً: البعد الأخلاقي والإنساني لشهر رمضان

رمضان مدرسة أخلاقية يتعلم فيها الإنسان:

الصبر

الرحمة

الكرم

التضامن

الإحساس بالآخر

ولهذا قال النبي ﷺ:

"ليس الصيام عن الطعام والشراب، إنما الصيام عن اللغو والرفث".

سابعاً: سبل إحياء المقاصد الحقيقية لرمضان

لإعادة الاعتبار لرسالة رمضان الحقيقية ينبغي العمل على:

نشر الوعي الديني بمقاصد الصيام.

محاربة مظاهر الإسراف والتبذير في الطعام.

تشجيع المبادرات التضامنية لمساعدة الفقراء.

الاهتمام بالقرآن والعبادة خلال الشهر الكريم.

تعزيز ثقافة الاعتدال والاستهلاك المسؤول.

إن شهر رمضان ليس مجرد تقليد اجتماعي أو موسم استهلاكي، بل هو مشروع تربوي وروحي يهدف إلى بناء الإنسان الصالح والمجتمع المتضامن. غير أن الممارسات السلبية مثل الإسراف والتفاخر بالموائد تُفرغ الصيام من معناه الحقيقي وتتناقض مع مقاصده الشرعية. ومن هنا فإن استعادة روح رمضان الحقيقية تتطلب العودة إلى تعاليم الإسلام القائمة على الاعتدال والتقوى والتكافل الاجتماعي، حتى يبقى هذا الشهر المبارك موسماً للرحمة والإصلاح الروحي والإنساني.

الأحد، 15 مارس 2026

المحجوبي أحرضان: مسار سياسي وثقافي في تاريخ المغرب المعاصر

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية ؛ رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكّل المحجوبي أحرضان إحدى الشخصيات المحورية في الحياة السياسية المغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. فقد ارتبط اسمه بتأسيس وتطوير الحركة الشعبية، وبالدفاع عن التعددية السياسية والهوية الأمازيغية داخل المشروع الوطني المغربي. كما لعب دوراً مهماً في بناء مؤسسات الدولة المغربية بعد الاستقلال في ظل حكم الملك محمد الخامس ثم الملك الحسن الثاني.

أولاً: النشأة والتكوين

ولد المحجوبي أحرضان سنة 1921 ببلدة والماس في منطقة الأطلس المتوسط، وهي منطقة ذات أغلبية أمازيغية. وقد نشأ في بيئة قبلية محافظة، حيث تشكّلت شخصيته في إطار ثقافي أمازيغي تقليدي.

تلقى تعليمه الأولي بمدينة آزرو، وهي من أهم المراكز التعليمية في المنطقة خلال فترة الحماية الفرنسية. بعد ذلك التحق بالمدرسة العسكرية في مكناس، حيث تخرّج سنة 1940 برتبة ضابط، وهو ما أتاح له الاحتكاك المباشر بالمؤسسة العسكرية والإدارة الاستعمارية، مما ساهم في تشكيل وعيه السياسي المبكر.

ثانياً: دوره في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة

مع حصول المغرب على استقلاله سنة 1956 في عهد الملك محمد الخامس، برز المحجوبي أحرضان كأحد الأطر الوطنية التي ساهمت في بناء الإدارة المغربية الحديثة.

وقد عُيّن عاملاً على الرباط بعد الاستقلال مباشرة، في فترة كانت الدولة المغربية بصدد إعادة تنظيم مؤسساتها الإدارية والسياسية. وكان لهذا المنصب دور مهم في تعزيز حضور الدولة المركزية وإرساء النظام الإداري الجديد.

ثالثاً: تأسيس الحركة الشعبية ودورها السياسي

يُعتبر المحجوبي أحرضان أحد المؤسسين الرئيسيين لحزب الحركة الشعبية سنة 1957 إلى جانب عبد الكريم الخطيب.

وقد جاء تأسيس الحزب في سياق سياسي اتسم بالصراع بين النخب السياسية حول طبيعة النظام السياسي والتعددية الحزبية. وقد مثّلت الحركة الشعبية آنذاك تياراً سياسياً يدافع عن:

التعددية السياسية

تمثيل العالم القروي

الدفاع عن الهوية الأمازيغية داخل الإطار الوطني

دعم الملكية الدستورية

وقد أصبح أحرضان الكاتب العام للحزب في المؤتمر الثاني للحركة الشعبية الذي انعقد بمدينة مراكش سنة 1962.

رابعاً: مشاركته في الحكومات المغربية

شارك المحجوبي أحرضان في عدة حكومات مغربية خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حيث تولّى عدداً من المناصب الوزارية المهمة، من بينها:

وزير الدفاع الوطني (1961–1964)

وزير الفلاحة (1964–1965)

وزير الدولة مكلف بالدفاع الوطني (1966–1967)

وزير الدولة مكلف بالبريد والمواصلات (1977)

وزير التعاون (1979–1983)

وقد جاءت هذه المشاركة في سياق ترسيخ التعددية السياسية في عهد الملك الحسن الثاني، حيث لعبت الأحزاب الوطنية دوراً في تدبير الشأن العام.

خامساً: انشقاق الحركة الشعبية وتأسيس الحركة الوطنية الشعبية

شهدت الحركة الشعبية عدة انقسامات تنظيمية نتيجة الخلافات الداخلية حول التوجهات السياسية والتنظيمية. وفي هذا السياق أسس المحجوبي أحرضان سنة 1991 حزب الحركة الوطنية الشعبية.

وقد شكّل هذا الحزب امتداداً فكرياً للحركة الشعبية الأصلية، حيث ركّز على الدفاع عن:

الديمقراطية

العدالة الاجتماعية

حقوق المناطق القروية

الهوية الأمازيغية

سادساً: دفاعه عن الثقافة الأمازيغية

يُعدّ المحجوبي أحرضان من الشخصيات السياسية التي دافعت عن الاعتراف بالمكون الأمازيغي في الهوية المغربية. فقد دعا إلى الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي للمغرب، وإلى إدماج الثقافة الأمازيغية في المشروع الوطني.

وقد ساهم هذا التوجه في ترسيخ النقاش حول الهوية الثقافية المغربية، وهو نقاش بلغ ذروته لاحقاً مع دسترة اللغة الأمازيغية في دستور 2011 في عهد الملك محمد السادس.

سابعاً: أحرضان الفنان والكاتب

لم يكن المحجوبي أحرضان سياسياً فقط، بل كان أيضاً فناناً تشكيلياً وكاتباً. فقد اهتم بالرسم والفنون التشكيلية، وعُرضت أعماله في عدة معارض داخل المغرب وخارجه.

وتتميّز لوحاته الفنية بطابع أمازيغي واضح، حيث استلهم في أعماله عناصر من الثقافة الشعبية المغربية والطبيعة الأطلسية.

ثامناً: مكانته في التاريخ السياسي المغربي

يعتبر العديد من الباحثين أن المحجوبي أحرضان يمثل نموذجاً للسياسي الذي جمع بين:

العمل العسكري

النضال الوطني

العمل الحزبي

الدفاع عن الهوية الثقافية

كما أن مسيرته الطويلة الممتدة لأكثر من ستة عقود تعكس التحولات الكبرى التي عرفها المغرب منذ الاستقلال.

تاسعاً: وفاته وإرثه السياسي

توفي المحجوبي أحرضان يوم 15 نوفمبر 2020 بمدينة الرباط عن عمر ناهز مائة سنة. وقد دُفن في مسقط رأسه بمدينة أولماس.

وقد ترك وراءه إرثاً سياسياً وثقافياً مهماً، يتمثل في:

مساهمته في بناء الدولة المغربية الحديثة

دفاعه عن التعددية السياسية

حضوره في تاريخ الحركة الحزبية المغربية

دفاعه المبكر عن الثقافة الأمازيغية

يشكل المحجوبي أحرضان إحدى الشخصيات التاريخية التي ساهمت في صياغة المشهد السياسي المغربي خلال مرحلة ما بعد الاستقلال. فقد جمع بين النضال الوطني والعمل الحكومي والعمل الحزبي، كما لعب دوراً مهماً في إبراز البعد الأمازيغي في الهوية الوطنية المغربية. وبذلك يبقى اسمه حاضراً في الذاكرة السياسية والثقافية للمغرب المعاصر.

السبت، 14 مارس 2026

أزمة القيم وتدبير الاختلاف في المجتمع المعاصر : التحديات وافاق المعالجة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

مقدمة

يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة على المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية، أدت إلى بروز ما يُعرف في الفكر الاجتماعي بـ أزمة القيم، وهي حالة من الاضطراب أو التراجع في منظومة المبادئ الأخلاقية والمعايير التي تنظّم سلوك الأفراد والجماعات. وفي مقابل ذلك برزت تحديات مرتبطة بقدرة المجتمعات على تدبير الاختلاف بين مكوناتها الفكرية والثقافية والدينية والسياسية.

وتتجلى أهمية هذا الموضوع في كونه يمسّ جوهر الاستقرار الاجتماعي والتنمية الإنسانية، لأن المجتمع الذي يعجز عن الحفاظ على منظومة قيم متماسكة، أو يفشل في إدارة الاختلاف بشكل حضاري، يكون معرضًا لمظاهر الصراع والتفكك. لذلك تسعى هذه الدراسة إلى تحليل مفهوم أزمة القيم، وبيان أسبابها وتجلياتها، ثم دراسة مفهوم تدبير الاختلاف وآلياته، مع تقديم بعض المقترحات العملية لمعالجة هذه الإشكالية.

أولًا: مفهوم القيم وأهميتها في بناء المجتمع

1. تعريف القيم

القيم هي مجموعة من المبادئ والمعايير الأخلاقية والاجتماعية التي توجه سلوك الإنسان وتحدد ما يعتبره المجتمع خيرًا أو شرًا، صوابًا أو خطأً.

ويعرّف علماء الاجتماع القيم بأنها:

معايير ثقافية تحدد ما هو مرغوب فيه أو غير مرغوب فيه داخل المجتمع.

أما في المنظور الإسلامي، فالقيم هي المبادئ التي تضبط سلوك الإنسان وفق مقاصد الشريعة، مثل:

العدل

الصدق

الأمانة

التسامح

احترام الآخر

وقد أكد القرآن الكريم على مركزية القيم في بناء المجتمع، قال تعالى:

"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ" (النحل: 90).

كما قال النبي ﷺ:

"إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق".

2. أهمية القيم في استقرار المجتمع

تلعب القيم دورًا أساسيًا في تنظيم الحياة الاجتماعية، ومن أبرز وظائفها:

1. ضبط السلوك الاجتماعي

القيم تحدد المقبول والمرفوض داخل المجتمع.

2. تعزيز التماسك الاجتماعي

القيم المشتركة توحد أفراد المجتمع وتخلق بينهم شعورًا بالانتماء.

3. توجيه عملية التنمية

المجتمعات التي تحترم قيم العمل والجدية والمسؤولية تحقق تقدمًا أكبر.

4. حماية المجتمع من الانحراف

كلما كانت القيم قوية، قلت مظاهر الفساد والجريمة.

ثانيًا: مفهوم أزمة القيم

1. تعريف أزمة القيم

أزمة القيم هي حالة من التراجع أو الاختلال في منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية داخل المجتمع، بحيث تصبح المعايير غير واضحة أو متناقضة.

ويصف عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم هذه الحالة بمفهوم الأنومي (Anomie)، أي حالة فقدان المعايير الاجتماعية التي تضبط السلوك.

2. مظاهر أزمة القيم

تتجلى أزمة القيم في عدة مظاهر، منها:

1. انتشار الفردانية

تقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة.

2. ضعف روح التضامن الاجتماعي

تراجع قيم التعاون والتكافل.

3. انتشار الفساد

بمختلف أشكاله الاقتصادية والإدارية.

4. تراجع قيمة الحوار

واللجوء إلى العنف اللفظي أو الرمزي.

5. الاستقطاب الفكري

وهو ما يؤدي إلى صعوبة قبول الاختلاف.

ثالثًا: أسباب أزمة القيم

1. التحولات الاجتماعية السريعة

العولمة والتطور التكنولوجي أدّيا إلى تغيرات عميقة في أنماط الحياة.

وقد ناقش عالم الاجتماع ماكس فيبر أثر التحولات الاقتصادية والثقافية في تغيير منظومة القيم داخل المجتمعات.

2. تأثير العولمة الثقافية

تساهم وسائل الإعلام الحديثة وشبكات التواصل في نقل نماذج ثقافية مختلفة، مما يؤدي أحيانًا إلى تصادم القيم بين الثقافات.

3. ضعف مؤسسات التنشئة الاجتماعية

مثل:

الأسرة

المدرسة

المؤسسات الدينية

الإعلام

هذه المؤسسات تلعب دورًا رئيسيًا في غرس القيم، وعندما تضعف يتراجع تأثيرها التربوي.

4. الأزمات الاقتصادية

الفقر والبطالة قد يؤديان إلى انتشار سلوكيات تتعارض مع القيم الاجتماعية.

رابعًا: مفهوم الاختلاف في المجتمع

الاختلاف ظاهرة طبيعية في كل المجتمعات البشرية.

وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى:

"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" (هود: 118).

معنى الاختلاف

الاختلاف هو تنوع الآراء والمعتقدات والتوجهات الفكرية والثقافية بين الأفراد أو الجماعات.

وهو يختلف عن الخلاف الذي قد يتضمن صراعًا أو تنازعًا.

خامسًا: أهمية تدبير الاختلاف

تدبير الاختلاف يعني إدارة التنوع داخل المجتمع بطريقة سلمية وعادلة.

ومن فوائده:

1. تعزيز الاستقرار الاجتماعي

عندما يشعر الجميع بأن اختلافهم محترم.

2. تشجيع الإبداع الفكري

تنوع الأفكار يؤدي إلى تقدم المعرفة.

3. تقوية الديمقراطية

حيث يقوم النظام الديمقراطي على التعددية.

وقد أكد الفيلسوف السياسي جون لوك في كتاباته على أهمية التسامح الديني والفكري لضمان الاستقرار السياسي.

سادسًا: آليات تدبير الاختلاف في المجتمع

1. الحوار

الحوار هو أهم وسيلة لتدبير الاختلاف.

قال تعالى:

"وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النحل: 125).

2. التربية على قيم التسامح

التعليم يجب أن يرسخ قيم:

احترام الآخر

قبول التعدد

نبذ التعصب

3. سيادة القانون

القانون يضمن حماية حقوق الجميع بغض النظر عن اختلافاتهم.

4. تعزيز الثقافة الديمقراطية

من خلال:

حرية التعبير

المشاركة السياسية

احترام حقوق الإنسان

سابعًا: تدبير الاختلاف في التجربة المغربية

يُعد المغرب نموذجًا متميزًا في تدبير التنوع الثقافي والديني، حيث يتشكل المجتمع المغربي من روافد متعددة:

العربي - الأمازيغي - الحساني - العبري

وقد نص دستور المغرب على الاعتراف بهذا التنوع الثقافي باعتباره جزءًا من الهوية الوطنية.

كما يعتمد المغرب على مؤسسات دينية وثقافية للحفاظ على الوسطية والتسامح.

ثامنًا: آفاق معالجة أزمة القيم

لمواجهة أزمة القيم وتعزيز تدبير الاختلاف، يمكن اعتماد مجموعة من الإجراءات:

1. إصلاح المنظومة التربوية

بإدماج التربية على القيم في المناهج الدراسية.

2. دعم دور الأسرة

لأنها المدرسة الأولى للقيم.

3. ترسيخ ثقافة الحوار

في الإعلام والفضاء العمومي.

4. تعزيز العدالة الاجتماعية

لأن الاستقرار القيمي مرتبط بالاستقرار الاقتصادي.

5. تشجيع العمل المدني

الذي يساهم في نشر ثقافة المواطنة.

إن أزمة القيم ليست ظاهرة معزولة، بل هي نتيجة لتحولات اجتماعية وثقافية عميقة يشهدها العالم المعاصر. غير أن هذه الأزمة يمكن تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء منظومة قيمية أكثر توازنًا، تقوم على مبادئ العدالة والتسامح والاحترام المتبادل.

كما أن تدبير الاختلاف بشكل حضاري يعد شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار والتنمية داخل المجتمعات، لأن التنوع ليس مصدر ضعف بل مصدر غنى حضاري إذا أُحسن تدبيره.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تكامل جهود الدولة والمؤسسات التربوية والدينية والثقافية، من أجل ترسيخ قيم الحوار والتعايش، وبناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة تحديات العصر.