بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
مقدمة :
شهدت البنية الاجتماعية في العصر الحديث تحولات جوهرية مست الأسرة والعلاقات داخلها، نتيجة تغير الأدوار الاقتصادية والثقافية وتنامي النزعة الفردانية. وفي ظل هذه التحولات، ظهرت مفاهيم جديدة في الخطاب الاجتماعي، من بينها ما يُطلق عليه البعض “جحود المرأة العنيدة”.
ورغم أن هذا المصطلح غير دقيق علميًّا، لأنه ينسب سلوكيات إنسانية عامة للمرأة وحدها، إلا أن تداوله يعكس وجود إشكالات حقيقية في التواصل والتفاهم داخل الأسرة تستحق الدراسة من منظور فقهي واجتماعي وعلمي.
أولًا: التأصيل المفاهيمي والفقهي
1. الجحود والعناد لغةً واصطلاحًا
الجحود في اللغة: نكران الفضل وعدم الاعتراف بالإحسان.
العناد: الإصرار على الرأي ورفض التراجع رغم وجود مرجحات منطقية.
وفي الفقه الإسلامي جاء النص الشرعي محذّرًا من كفران العشير لما له من آثار سلبية على استقرار الأسرة.
إلا أن الفقهاء أكدوا أن السلوك المذموم هو السلوك لا الجنس، وأن الجحود قد يصدر من الرجل والمرأة معًا.
2. الموازنة الفقهية
يقرر الفقه الإسلامي مبدأين أساسيين يحكمان العلاقة الزوجية:
1. العدل والوصية بالنساء: “واستوصوا بالنساء خيرًا”، وهو توجيه نبوي يحثّ على رحمة النساء والرفق بهن.
2. التوازن في الحقوق والواجبات: “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف”.
وعليه، فإن تفسير سلوكيات المرأة في ضوء المفهوم الفقهي يجب أن يتم ضمن السياق الكامل للمنظومة الأخلاقية والتربوية، لا بمنطق التعميم أو الاتهام.
ثانيًا: البعد الاجتماعي والسوسيولوجي للظاهرة
1. تغير الأدوار الاجتماعية
أدى ارتفاع نسب التعليم لدى النساء، ودخولهن بقوة لسوق الشغل، إلى إعادة تشكيل علاقة السلطة داخل الأسرة. هذا التحول دفع بعض الرجال إلى تفسير assertiveness أو قوة الشخصية لدى المرأة بأنها عناد أو جحود، بينما هي في حقيقتها استقلالية معرفية ونفسية.
2. سيولة القيم الحديثة
هيمنة الخطابات الفردانية والعرضية (اللازمنية) في الإعلام ومواقع التواصل أدت إلى ظهور نزعات جديدة لدى بعض النساء، مثل:
تضخيم مفهوم “الاستقلال المطلق”.
الحساسية من السلطة الأبوية والزوجية السابقة.
تبني قيم “التحقق الذاتي” على حساب “التكامل الأسري”.
3. أزمة التواصل الأسري
ضعف مهارات الحوار بين الزوجين وغياب التربية على “لغة الاحترام” يخلق بيئة خصبة لتحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات عناد، ثم إلى ما يصطلح الناس عليه “الجحود”.
ثالثًا: البعد النفسي والعلمي
تشير الدراسات النفسية إلى عدة عوامل قد تفسّر السلوكيات المتصلبة عند المرأة، منها:
1. تجارب الطفولة والتنشئة
تنشئة تقوم على النقد المستمر أو غياب الاحتواء العاطفي تؤدي غالبًا إلى نمط الشخصية الدفاعية.
المرأة ذات التاريخ الأسري المتوتر تميل لاستخدام العناد لحماية ذاتها.
2. الضغوط النفسية والإنهاك العاطفي
المرأة العاملة تعيش عبئًا مزدوجًا (عمل–منزل). الإرهاق المستمر يجعلها أقل قدرة على ضبط العاطفة، مما يُظهر شكلًا من أشكال التصلب أو عدم الاعتراف بجهود الطرف الآخر، دون أن يكون ذلك نية واعية بالجحود.
3. اضطراب التوقعات
عدم وضوح الأدوار بين الزوجين يزيد من التصادم.
عندما تتوقع المرأة دعمًا نفسيًا أو تحملًا أكبر من الزوج ولا تجده، يتولد انسحاب عاطفي يظهر في صورة عناد.
رابعًا: الآثار الأسرية والاجتماعية
تفكك الروابط العاطفية بين الزوجين.
تشوّه صورة القدوة عند الأطفال.
ارتفاع مستويات التوتر الأسري.
زيادة نسب الطلاق في البيئات التي تضعف فيها ثقافة الحوار.
خامسًا: معالجة الظاهرة من منظور فقهي–اجتماعي–علمي
1. تعزيز قيمة الامتنان (الاعتراف بالفضل)
حثّ الإسلام على الشكر، وعدّه من مكارم الأخلاق.
التربية على الامتنان تُخفف من كل مظاهر الجحود.
2. بناء مهارات الحوار بين الزوجين
تدريب على الاستماع الفعّال.
التعبير دون جرح.
إدارة الخلاف بدل خوض الصراع.
3. دور الاستشارات الأسرية
الدعم النفسي والزوجي يوضح جذور السلوك ويعالجها علميًا دون إلقاء اللوم على طرف واحد.
4. إعادة التوازن في الأدوار
ينبغي للزوجين أن يدركا أن الأسرة ليست ساحة “غلبة”، بل منظومة تعاون.
تفهم الزوج لاستقلالية المرأة، وتفهم المرأة لحاجة الرجل للتقدير، يحقق التوازن .
خاتمة :
إنّ ما يُطلق عليه “جحود المرأة العنيدة” ليس ظاهرة قائمة بذاتها بقدر ما هو نتاج تغيرات عميقة يعيشها المجتمع الحديث، تجمع بين التحولات الفقهية في فهم الأدوار، والتحديات الاجتماعية، والعوامل النفسية المؤثرة.
ومعالجة الظاهرة تستلزم رؤية شمولية تُعيد بناء العلاقة الزوجية على أسس من الرحمة، والعدل، والحوار، والامتنان، لا على الخطاب الاتهامي أو التعميم الذي يفتقر إلى الأساس العلمي .







