بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
تُعدّ قصبة مراكش او دار الحجر او قصر الحجر كما كان يطلق عليها في عهد الدولة المرابطية من أبرز الفضاءات التاريخية التي تختزن ذاكرة المدينة الحمراء، بما تحمله من شواهد معمارية وحضارية تعكس تعاقب الدول والسلالات التي حكمت المغرب، وما تركته من آثار في مجالات العمران والدين والسياسة والفن. فالقصبة ليست مجرد حيّ عتيق داخل أسوار مراكش، بل هي مجال تاريخي ارتبط بالحكم والعبادة والدفن الملكي، وتجاورت فيه معالم كبرى، في مقدمتها جامع القصبة، المعروف بجامع المنصور أو مسجد مولاي اليزيد اليوم، وقبور السعديين التي تشكل إحدى أروع الشواهد على فن العمارة الجنائزية المغربية.وتكمن أهمية هذا الفضاء في كونه يجمع بين ثلاث دلالات أساسية: سلطة الدولة، ومكانة المؤسسة الدينية، وذاكرة الملوك الذين تعاقبوا على حكم البلاد. ومن هنا، فإن قراءة تاريخ القصبة تقتضي الوقوف عند نشأتها، والتعريف بمسجدها الأعظم، ثم استحضار القيمة التاريخية والفنية لقبور السعديين، باعتبارها حلقات مترابطة في تاريخ مراكش والمغرب.
أولاً: نشأة القصبة ودورها في تاريخ مراكش
تأسست مدينة مراكش في العصر المرابطي، خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1070 و1072م تقريباً، على يد المرابطين، لتتحول تدريجياً إلى مركز سياسي واقتصادي وثقافي بارز في الغرب الإسلامي. ومع تعاقب الدول، شهدت المدينة توسعاً عمرانياً مهماً، وبرزت القصبة باعتبارها فضاءً ملكياً وإدارياً ذا مكانة استراتيجية داخل المدينة المسوّرة.
وقد ارتبطت القصبة في صورتها الموحدية بالخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور، الذي عمل على تطويرها وجعلها مقراً للحكم ومركزاً للحياة السلطانية. وفي أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، اكتسب هذا المجال طابعاً عمرانياً مميزاً، تجسّد في القصور والمنشآت الدينية والأسوار والأبواب، بما يعكس قوة الدولة الموحدية واهتمامها بتنظيم المجال الحضري.
ولم يكن اختيار القصبة مجرد قرار عمراني، بل كان تعبيراً عن تصور سياسي وحضاري يجعل من مقر الحكم فضاءً متكاملاً، تتجاور فيه السلطة والعبادة والإدارة، وتُبرز معالمه هيبة الدولة ومكانتها. وقد ظل هذا الموقع يحتفظ بأهميته في العهود اللاحقة، خاصة في العصر السعدي، حين شهدت مراكش نهضة عمرانية وفنية جديدة.
وتؤكد هذه المراحل المتعاقبة أن تاريخ القصبة لا يمكن اختزاله في عهد واحد، وإنما هو حصيلة تراكمات تاريخية ساهمت فيها دول متعددة، لكل منها بصمتها الخاصة في تشكيل هوية المكان.
ثانياً: جامع القصبة أو مسجد المنصور.. صرح ديني من العصر الموحدي
يحتل جامع القصبة مكانة بارزة ضمن المعالم الدينية التاريخية بمراكش، إذ يُنسب بناؤه إلى الخليفة الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور، ولذلك عُرف بجامع المنصور، كما يُعرف اليوم بمسجد مولاي اليزيد.
وقد شُيّد المسجد ليكون الجامع الرئيسي للقصبة الملكية، ومكاناً لأداء الصلاة وإقامة الشعائر الدينية، في ارتباط وثيق بمقر الخليفة ومرافق الحكم. وكان الوصول إلى هذا الفضاء يتم عبر ساحة واسعة تُعرف بالمشور، مع ارتباط المدخل الرئيسي للقصبة بباب أكناو، أحد أشهر الأبواب التاريخية للمدينة.
وتكشف هذه العلاقة بين المسجد والقصر عن طبيعة التنظيم الحضري في الدولة الموحدية؛ إذ لم تكن المساجد الكبرى مجرد أماكن للعبادة، بل كانت جزءاً أساسياً من بنية المدينة السياسية والاجتماعية، حيث تلتقي الشعائر الدينية بالحياة العامة، ويحتل الجامع موقعاً مركزياً في المجال الملكي.
ومن الناحية المعمارية، يمثل المسجد شاهداً على تطور فن بناء المساجد بالمغرب في العصر الموحدي، من حيث تنظيم الفضاء الداخلي، وتوظيف العناصر الزخرفية، والاهتمام بالمحراب والأروقة ومرافق الصلاة. وقد ساهم استمرار المسجد في أداء وظيفته الدينية عبر القرون في ترسيخ مكانته ضمن الذاكرة الروحية والعمرانية لمراكش.
إن جامع القصبة ليس مجرد أثر من الماضي، بل هو معلم حيّ يربط الحاضر بتاريخ المدينة، ويذكّر بأهمية العمارة الدينية في تشكيل الهوية الحضارية المغربية.
ثالثاً: قبور السعديين.. ذاكرة الأسرة الحاكمة وروعة الفن الجنائزي
على مقربة من جامع القصبة، تقع قبور السعديين، وهي من أشهر المعالم التاريخية بمراكش، وتُعرف أيضاً باسم روضة السعديين أو قبور الأشراف السعديين. وتمثل هذه المقبرة الملكية شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، ارتبطت بالدولة السعدية التي جعلت من مراكش إحدى أهم عواصمها السياسية والحضارية.
وتعود النواة الأولى لهذه الروضة إلى سنة 1557م، حين أمر السلطان السعدي عبد الله الغالب بإنشاء ضريح لدفن والده محمد الشيخ، مؤسس الدولة السعدية. ثم اتسع المجمع الجنائزي في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، الذي اهتم بتطويره وتزيينه، وجعله فضاءً يعكس مكانة الأسرة السعدية وما بلغته من قوة وثراء وازدهار فني.
وتضم الروضة عدداً من قبور أفراد الأسرة الحاكمة، من بينهم محمد الشيخ، وعبد الله الغالب، وأحمد المنصور الذهبي، إلى جانب لالة مسعودة، والدة أحمد المنصور، فضلاً عن أفراد آخرين من الأسرة السعدية. كما تضم بعض المدافن المرتبطة بعصور لاحقة، ومنها قبر السلطان العلوي مولاي اليزيد.
ومن أبرز مكونات هذا المجمع قاعة الاثني عشر عموداً، التي تتميز بأعمدتها الرخامية وسقفها المزخرف بعناية، إلى جانب قاعة المحراب وقاعة الكوات الثلاث وقبة لالة مسعودة. وتتجلى في هذه الفضاءات براعة الصانع المغربي في النقش على الجبس، وتنسيق الزليج، وتوظيف الرخام، والكتابة الزخرفية، وتشكيل الأسقف وفق تقاليد فنية راقية.
ولا تقتصر أهمية قبور السعديين على جمالها المعماري، بل تتجاوز ذلك إلى قيمتها التاريخية؛ فهي توثق مرحلة من تاريخ الدولة المغربية، وتتيح للباحثين دراسة علاقة السلطة بالموت والذاكرة، وكيف عبّرت الأسر الحاكمة عن مكانتها من خلال بناء الأضرحة الملكية وتزيينها.
وقد اكتُشف هذا المجمع الجنائزي من جديد سنة 1917م على يد مصلحة الفنون الجميلة والمعالم التاريخية، بعد أن ظل محجوباً عن الأنظار مدة طويلة. ومنذ ذلك الحين، أصبح من أبرز المواقع التراثية التي تستقطب الباحثين والزوار المهتمين بتاريخ مراكش وفنونها الإسلامية.
رابعاً: العلاقة التاريخية بين المسجد الأعظم وقبور السعديين
إن ما يمنح قصبة مراكش خصوصيتها التاريخية هو التقارب المكاني بين جامع القصبة وقبور السعديين، وهو تقارب يكشف عن استمرارية الوظائف الدينية والملكية داخل هذا المجال الحضري.
فالمسجد يمثل فضاء العبادة والشعائر الدينية، بينما تمثل الروضة السعدية فضاء الذاكرة الجنائزية للأسرة الحاكمة. وقد ارتبطت المقبرة تاريخياً بالمسجد، وكانت هناك صلة معمارية بينهما، قبل أن يُفتح للضريح مدخل مستقل في فترة الحماية الفرنسية، عقب إعادة اكتشافه سنة 1917م.
ويعكس هذا التجاور جانباً من التصور الحضاري الذي ساد في تاريخ المغرب، حيث كانت المساجد والأضرحة الملكية جزءاً من النسيج العمراني للمدينة، تؤدي وظائف دينية واجتماعية ورمزية متكاملة. كما يبرز انتقال مركز الثقل السياسي من الدولة الموحدية إلى الدولة السعدية، مع احتفاظ المكان بمكانته وأهميته عبر العصور.
ومن منظور سوسيولوجي وتاريخي، يمكن النظر إلى هذه المعالم بوصفها ذاكرة جماعية تحفظ آثار السلطة والمجتمع، وتكشف عن علاقة الإنسان بالمكان، وعن الطريقة التي تحافظ بها المجتمعات على ماضيها من خلال المباني والطقوس والرموز.
خامساً: القصبة باعتبارها تراثاً حضارياً مغربياً
لا تقتصر أهمية القصبة على كونها مجالاً يضم معالم تاريخية متجاورة، بل تكمن أيضاً في قدرتها على تقديم صورة متكاملة عن تطور الحضارة المغربية عبر قرون طويلة.
فالأسوار والأبواب التاريخية، وجامع القصبة، وقبور السعديين، وما يحيط بها من فضاءات عمرانية، تشكل عناصر متكاملة لفهم تاريخ مراكش، وتحولات السلطة، وتطور الفنون المعمارية، واستمرار الوظائف الدينية في المدينة.
وقد أُدرجت المدينة العتيقة لمراكش ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو سنة 1985، اعترافاً بقيمتها التاريخية والحضارية وما تزخر به من معالم معمارية وثقافية متميزة.
ومن هنا، فإن الحفاظ على قصبة مراكش لا ينبغي أن يقتصر على ترميم المباني وصيانة الزخارف، بل يتطلب كذلك توثيق تاريخها، وتشجيع البحث العلمي بشأنها، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمتها، حتى لا تتحول هذه المعالم إلى مجرد واجهات سياحية منفصلة عن سياقها التاريخي والاجتماعي.
خاتمة
إن قصبة مراكش، بما تحتضنه من جامع القصبة أو جامع المنصور، وقبور السعديين، وسائر المعالم التاريخية المحيطة بها، تمثل صفحة مشرقة من صفحات التاريخ المغربي، تتداخل فيها السياسة بالدين، والعمران بالفن، والذاكرة بالمكان.
فمن العهد الموحدي الذي ارتبط بتشييد المسجد وتطوير القصبة الملكية، إلى العصر السعدي الذي شهد إنشاء الروضة الملكية وتزيينها، ظل هذا المجال شاهداً على تعاقب الدول وتحولاتها، وعلى قدرة الحضارة المغربية على إنتاج معالم تجمع بين الوظيفة والجمال والرمزية التاريخية.
إن زيارة هذه المعالم أو الكتابة عنها ليست مجرد استحضار للماضي، بل هي أيضاً دعوة إلى فهم الحاضر وصيانة الذاكرة الوطنية، باعتبار التراث جسراً يصل الأجيال بتاريخها، ويمنح المدن هويتها وعمقها الحضاري.
فقصبة مراكش ليست حجارة صامتة، بل ذاكرة وطنية تنطق بتاريخ دولة، وإبداع أمة، واستمرارية حضارة مغربية ضاربة في عمق التاريخ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق