بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
قراءة لغوية أكاديمية في تأنيث الألقاب والمناصب بين القاعدة النحوية والاستعمال المعاصر
ليس كل اختلاف في التعبير اللغوي خطأً، وليس كل خروج عن المألوف النحوي دليلًا على الجهل باللغة. فالعربية، بما تمتلكه من ثراء صرفي ومرونة تركيبية وتاريخ طويل من التطور، تتيح في بعض السياقات أكثر من صيغة للتعبير عن المعنى الواحد. غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول مسألة لغوية قابلة للنقاش العلمي إلى وسيلة لإصدار أحكام قاطعة، أو حين يُقدَّم أحد أوجه الاستعمال باعتباره خطأً فادحًا دون الاستناد إلى حجة لغوية دقيقة.
ومن هذا المنطلق، يبرز الجدل الذي أُثير حول استعمال عبارة «رئيس الحكومة» في الإشارة إلى امرأة تشغل موقعًا سياسيًا، وما إذا كان الأصح أن يقال «رئيس الحكومة» أم «رئيسة الحكومة». وهو نقاش يستحق أن يُتناول بعيدًا عن الانفعال السياسي، وبالعودة إلى أصول العربية وقواعدها الصرفية والنحوية وتطور استعمالها في المؤسسات الحديثة.
أولًا: هل التذكير في أسماء المناصب قاعدة مطلقة؟
تُظهر العربية في بعض الأوصاف التي تختص بالإناث ميلًا إلى استعمال الصيغة غير المؤنثة، كما في قولنا: امرأة حامل، وامرأة حائض، وامرأة طالق. وقد تناول النحاة هذه الأوصاف ضمن أبواب التذكير والتأنيث، مع مراعاة طبيعة الصفة ودلالتها والاستعمال العربي الموروث.
لكن تعميم هذه الظاهرة على أسماء المناصب والوظائف تعميم يحتاج إلى تدقيق؛ إذ لا يصح اعتبار كل اسم يدل على وظيفة أو منصب مستثنى من التأنيث لمجرد أن المنصب، من حيث المفهوم الإداري، شيء مجرد.
فاللغة لا تصف المفاهيم المجردة وحدها، بل تصف الأشخاص الذين يشغلون المناصب أيضًا. وعندما نقول: «فلانة رئيسة الحكومة»، فإننا لا نؤنث المنصب في ذاته، وإنما نؤنث اسم الفاعل أو اللقب الوظيفي باعتبار شاغلته امرأة.
ومن هنا، فإن القول إن المنصب مذكر بالضرورة، ولذلك يجب أن يبقى اللقب مذكرًا، ليس قاعدة نحوية عامة ملزمة، بل هو توجّه اصطلاحي قد تتبناه بعض المؤسسات في سياقات معينة.
ثانيًا: بين «رئيس» و«رئيسة»؛ ماذا تقول القواعد الصرفية؟
تُعد كلمة «رئيس» من الأسماء التي يصح تأنيثها بإلحاق تاء التأنيث، فنقول: رئيس ورئيسة، ومدير ومديرة، ووزير ووزيرة، ومفتش ومفتشة، وقاضٍ وقاضية.
وتأنيث هذه الأسماء ليس خروجًا عن العربية الفصحى، بل يجري وفق أنماط صرفية معروفة ومستعملة في العربية قديمًا وحديثًا.
والأهم أن التأنيث هنا لا يعني الانتقاص من المنصب أو تقليل هيبته؛ فالتاء المربوطة علامة صرفية تؤدي وظيفة لغوية، وليست حكمًا على مكانة صاحب المنصب أو شاغلته.
وعليه، فإن عبارة «رئيسة الحكومة» سليمة من الناحية اللغوية، كما أن استعمال «رئيس الحكومة» في بعض السياقات المؤسسية يمكن أن يُفهم بوصفه اصطلاحًا وظيفيًا لا يراعي جنس شاغل المنصب في صياغة اللقب.
غير أن سلامة الصيغة المذكرة في بعض الاستعمالات لا تعني أن تأنيثها خطأ، كما أن شيوع صيغة معينة في الإدارة لا يجعلها وحدها الصيغة الصحيحة التي لا يجوز سواها.
ثالثًا: هل التأنيث اللغوي انتقاص من الهيبة البروتوكولية؟
من الحجج التي تُستحضر في هذا النقاش أن بعض البيئات الإدارية كانت تميل إلى إبقاء ألقاب مثل «الدكتور» و«الوزير» و«الرئيس» في صيغة المذكر، حتى عند الإشارة إلى امرأة، بحجة الحفاظ على الصفة الرسمية أو هيبة المنصب.
وقد تأثرت بعض الاستعمالات الإدارية في البلدان المغاربية بالتقاليد الفرنسية، التي عرفت بدورها نقاشًا طويلًا حول تأنيث أسماء المهن والوظائف والألقاب الرسمية.
لكن ينبغي التمييز هنا بين ثلاثة مستويات:
المستوى النحوي: ما تسمح به قواعد العربية في التأنيث والتذكير.
المستوى الاصطلاحي والمؤسساتي: الصيغة التي تعتمدها إدارة أو مؤسسة في وثائقها ومراسلاتها.
المستوى الاجتماعي والثقافي: التصورات المرتبطة بمكانة المرأة واللغة المستعملة في وصفها.
ولا يجوز الخلط بين هذه المستويات، لأن اعتماد مؤسسة لصيغة معينة لا يجعل الصيغ الأخرى خاطئة بالضرورة، كما أن التحفظ الثقافي تجاه التأنيث لا يشكل حجة نحوية.
فالهيبة لا تصنعها التاء المربوطة ولا يلغيها غيابها؛ وإنما تصنعها المسؤولية والكفاءة واحترام القانون وأداء المهام.
رابعًا: هل حسم مجمع اللغة العربية بالقاهرة المسألة سنة 1998؟
من الضروري، في أي معالجة أكاديمية، التعامل بحذر مع نسبة القرارات اللغوية إلى المجامع العربية، ولا سيما حين يتعلق الأمر بتاريخ محدد أو بعبارة من قبيل «حُسم الأمر نهائيًا».
فلا يصح الجزم بأن مجمع اللغة العربية بالقاهرة أصدر سنة 1998 قرارًا يجعل التأنيث أولى وأفصح في جميع أسماء المناصب، ما لم يُستند إلى نص القرار الأصلي أو إلى مرجع موثوق يورد رقمه ومضمونه.
ومع ذلك، فإن المبدأ اللغوي العام واضح: تأنيث أسماء المهن والوظائف التي تقبل التأنيث أمر سائغ في العربية المعاصرة، ولا يحتاج إثبات صحته إلى الاستناد إلى قرار غير موثق.
أما المفاضلة بين الصيغتين من حيث الأفصحية، فتحتاج إلى مراعاة نوع الاسم، والسياق، والاستعمال العربي، والمعيار الذي تعتمده المؤسسة المعنية. ولا ينبغي تحويل حكم جزئي أو اجتهاد لغوي إلى قاعدة عامة دون دليل.
خامسًا: ما الصيغة الأرجح في العربية المعاصرة؟
إذا كان المقصود هو الإشارة إلى امرأة تتولى رئاسة الحكومة، فإن عبارة «رئيسة الحكومة» تتمتع بوضوح دلالي، وتنسجم مع القياس الصرفي العربي ومع الاتجاه المعاصر إلى تأنيث الألقاب الوظيفية بحسب جنس شاغل المنصب.
كما أن قولنا «السيدة الوزيرة» و«السيدة المديرة» و«السيدة القاضية» تعبيرات سليمة ومفهومة، ولا ينتقص استعمالها من مكانة الوظيفة أو من قيمة المسؤولية التي تتضمنها.
أما استعمال «السيدة الوزير» أو «رئيس الحكومة» للإشارة إلى امرأة، فيمكن أن يرد في سياقات تتبنى فيها المؤسسة صيغة موحدة غير مرتبطة بجنس شاغل المنصب. غير أن هذا الاختيار الاصطلاحي لا يمنح الصيغة المذكرة حصانة نحوية، ولا يجعل التأنيث خروجًا عن الفصحى.
والأدق أكاديميًا هو القول إن التأنيث هنا اختيار لغوي صحيح، في حين أن الإبقاء على التذكير قد يكون اختيارًا اصطلاحيًا أو مؤسساتيًا، تبعًا للسياق المعتمد.
سادسًا: ماذا كان ينبغي أن يكون عليه الرد داخل البرلمان؟
حين يُثار نقاش من هذا النوع داخل مؤسسة تشريعية، فإن المطلوب ليس الانتصار للغة عبر إطلاق الأحكام، بل تقديم جواب يستند إلى المعرفة اللغوية الدقيقة، ويفصل بين الخطأ النحوي والاختلاف الاصطلاحي.
فإذا اعتُبر استعمال «رئيس الحكومة» في الإشارة إلى امرأة خطأً فادحًا، فإن الرد العلمي المناسب كان يمكن أن يوضح أن العربية تجيز تأنيث كثير من أسماء الوظائف والمناصب، وأن «رئيسة الحكومة» صيغة صحيحة لا غبار عليها، وأن اعتماد صيغة المذكر في بعض المؤسسات لا يكفي للحكم بخطأ الصيغة المؤنثة.
وفي المقابل، فإن الرد العلمي الرصين لا يقتضي اتهام الطرف الآخر بالجهل باللغة، بل يقتضي بيان موضع الخلاف، والاستدلال بالقواعد والشواهد، ثم التمييز بين ما هو جائز نحويًا وما هو معتمد إداريًا.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الحضور اللغوي وسرعة البديهة في النقاش السياسي؛ فالنائب الذي يمتلك أدوات المعرفة لا يحتاج إلى المبالغة في الاتهام، لأن قوة حجته تكفي لإبراز موقفه.
هل الأقوى هيبة المنصب أم دقة اللغة؟
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل نؤنث المنصب أم نحافظ على هيبته؟ بل: هل نستعمل اللغة وفق قواعدها، أم نحمّل العلامات الصرفية دلالات ثقافية لا تقتضيها القاعدة النحوية؟
إن منصب رئاسة الحكومة لا يفقد شيئًا من هيبته حين نقول «رئيسة الحكومة»، كما أن سلامة اللغة لا تتحقق بمجرد الإصرار على صيغة المذكر. فاللغة العربية أوسع من أن تُختزل في أعراف إدارية، وأدق من أن تُحسم قضاياها بالشعارات أو بالمواقف الانفعالية.
وإذا كان البرلمان مؤسسة للتشريع والرقابة والحوار، فمن الأولى أن يكون فضاءً للمعرفة اللغوية الرصينة، لا ساحةً لتبادل الاتهامات بشأن مسائل تسمح قواعد العربية فيها بالتفصيل والتمييز.
فالمنصب يستمد هيبته من قيمة المسؤولية، واللغة تستمد قوتها من دقة الاستعمال، أما الحجة الأقوى فهي التي تقوم على العلم لا على الادعاء.
وبين «رئيس» و«رئيسة»، لا تنتصر العربية بإقصاء إحدى الصيغتين دون دليل، وإنما تنتصر حين نحسن فهم قواعدها، ونحترم تطورها، ونحتكم إلى العلم كلما اختلفنا في استعمالها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق