بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
قراءة قانونية في الفرق بين التسمية الشكلية والحقيقة الموضوعية للمحررات والوثائق
في عالم المعاملات القانونية والإدارية، لا تقتصر أهمية الوثائق على الكلمات التي تحملها عناوينها، بل تمتد إلى مضمونها، والغاية من تحريرها، والآثار القانونية التي يراد ترتيبها عليها. ومن هنا تبرز إشكالية تستحق النقاش والتأمل: هل تكفي التسمية التي توضع على رأس الوثيقة لتحديد طبيعتها القانونية، أم أن العبرة الحقيقية تكمن فيما تتضمنه من وقائع وتصريحات والتزامات؟
إن القاعدة التي ينبغي الانطلاق منها هي أن العبرة في فهم التصرفات القانونية ليست دائماً بالألفاظ المستعملة، وإنما كذلك بالمقاصد والمعاني والآثار المترتبة عنها. فقد تحمل وثيقة عنواناً يوحي بأنها مجرد تصريح أو إشهاد، بينما يكشف مضمونها عن تصرف قانوني آخر، أو عن محاولة إثبات واقعة لها آثار مباشرة على حقوق الأطراف ومراكزهم القانونية.
أولاً: العنوان لا يمنح الوثيقة حصانة قانونية
إن وضع عنوان مثل «إشهاد» أو «تصريح» أو «إقرار» أو «اتفاق» لا يجعل الوثيقة بالضرورة مستوفية للشروط القانونية المرتبطة بطبيعة التصرف الذي تتضمنه.
فالتسمية شيء، والتكييف القانوني شيء آخر.
وقد يكون المحرر معنونا بإشهاد، لكن مضمونه يتضمن إقراراً بحق، أو تنازلاً عن ملكية، أو إثباتاً لعلاقة تعاقدية، أو محاولة لإضفاء الشرعية على واقعة تحتاج إلى إثبات وفق إجراءات قانونية محددة.
وهنا يصبح من الضروري طرح السؤال: هل نحن أمام مجرد إشهاد على واقعة، أم أمام تصرف قانوني يستلزم شروطاً وشكليات خاصة؟
ثانياً: المضمون هو الذي يكشف الطبيعة الحقيقية للوثيقة
إن دراسة أي محرر قانوني تقتضي الوقوف عند مجموعة من العناصر، من بينها:
هوية الأطراف وصفاتهم القانونية.
طبيعة التصريحات والالتزامات الواردة في الوثيقة.
الغرض الحقيقي من تحريرها.
الحقوق التي يمكن أن تنشأ عنها أو تتأثر بها.
مدى احترام الشكليات والإجراءات التي يفرضها القانون.
الجهة التي حررتها أو صادقت على التوقيعات الواردة فيها، وحدود اختصاصها.
فالمصادقة على توقيع شخص لا تعني بالضرورة المصادقة على صحة جميع الوقائع الواردة في الوثيقة، ولا تمنح المحرر تلقائياً قوة عقد رسمي أو حجة قاطعة على صحة مضمونه.
ثالثاً: عندما تتحول التسمية إلى وسيلة لإثارة الشك
تزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بوثائق مرتبطة بالعقار أو الملكية أو الحقوق العينية، حيث يمكن أن يؤدي الخلط بين الإشهاد والإقرار والتصرف التعاقدي إلى نتائج تمس بحقوق الأفراد ومراكزهم القانونية.
فإذا تضمنت وثيقة معنونة بلفظ «إشهاد» بيانات أو تصريحات تتجاوز مجرد إثبات واقعة، وتوحي بإنشاء حق أو نقله أو تغييره، فإن ذلك يستدعي فحصاً قانونياً دقيقاً لمضمونها، ومدى استيفائها للشروط التي يفرضها القانون.
ولا يجوز أن تتحول التسمية الشكلية إلى غطاء يحجب الطبيعة الحقيقية للتصرف، كما لا يجوز اعتبار كل وثيقة تحمل عنواناً معيناً باطلة لمجرد اختلاف عنوانها عن مضمونها؛ بل يتعين إخضاعها للتكييف القانوني السليم وفق ظروف تحريرها ومحتوياتها والقواعد القانونية الواجبة التطبيق.
رابعاً: مسؤولية الجهات المختصة في حماية الحقوق
إن حماية الأمن القانوني تقتضي من الجهات المختصة التعامل مع الوثائق بمنهج يقوم على التدقيق والتحقق، لا الاكتفاء بالعناوين أو المظاهر الشكلية.
كما أن احترام الاختصاصات القانونية لكل جهة، والتمييز بين المصادقة على الإمضاء وتوثيق التصرفات القانونية، يشكلان ضمانتين أساسيتين لحماية حقوق المواطنين ومنع الالتباس في المعاملات.
ومن حق كل متضرر أن يلجأ إلى الجهات القضائية والإدارية المختصة لطلب التحقق من صحة الوثيقة، وطبيعتها القانونية، ومدى سلامة الإجراءات التي رافقت تحريرها والمصادقة عليها، مع ترك تقدير المسؤوليات والآثار القانونية للجهات المختصة.
خاتمة: القانون لا يحاكم العناوين وحدها، بل يفحص الحقائق
إن الإشكال الحقيقي ليس في الكلمة التي تتصدر الوثيقة، وإنما في السؤال عما تخفيه أو تكشفه تلك الوثيقة من وقائع وتصرفات وآثار قانونية.
فقد يكون العنوان صحيحاً والمضمون سليماً، وقد يكون العنوان مضللاً أو غير معبر عن حقيقة التصرف، وفي الحالتين تظل المرجعية هي القانون، بما يفرضه من شروط وضوابط وضمانات.
إن العدالة لا ينبغي أن تتوقف عند قراءة العنوان، بل عليها أن تنفذ إلى مضمون المحرر، وأن تتحقق من حقيقته القانونية، حفاظاً على الحقوق وصوناً للثقة في الوثائق والمعاملات.
فهل العبرة بعنوان الوثيقة أم بمضمونها؟
الجواب الذي يفرضه المنطق القانوني هو أن التسمية لا تكفي وحدها لتحديد الطبيعة القانونية للمحرر؛ وإنما ينبغي النظر إلى مضمونه وحقيقته وآثاره، في إطار احترام الشروط والإجراءات التي يحددها القانون.
