بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
لم تعد الفوضى في النظام الدولي المعاصر مجرد نتيجة عرضية للحروب والأزمات والصراعات السياسية، بل أصبحت ــ في بعض السياقات ــ جزءًا من آليات إدارة الصراع وإعادة تشكيل موازين القوة. فحين تستمر الأزمات الأمنية والاقتصادية والإنسانية دون أفق للحل، وحين يعجز المجتمع الدولي عن تحويل القرارات والمواثيق إلى إجراءات ملزمة، تنشأ بيئة سياسية ونفسية تسمح بظهور واقع جديد يتجاوز تدريجيًا القواعد التي يفترض أن تحكمه.
ومن هنا يمكن الحديث عن "سيكولوجيا الفوضى" باعتبارها حالة تتجاوز الفوضى المادية إلى التأثير في وعي المجتمعات وسلوكها وتوقعاتها. فالهدف ليس فقط إرباك الدولة أو المجتمع، وإنما دفعه إلى مرحلة يصبح فيها البقاء وإدارة الأزمات أولوية تتقدم على الدفاع عن الحقوق والسيادة والعدالة، بينما يجري في الخلفية تثبيت وقائع سياسية واقتصادية وجغرافية جديدة.
والخطير أن هذه العملية قد تجعل ما كان مرفوضًا قانونيًا وسياسيًا يبدو، مع مرور الوقت، وكأنه أمر واقع يصعب تغييره.
أولًا: الفوضى من الظاهرة العفوية إلى الأداة الاستراتيجية
الفوضى السياسية ليست بالضرورة غيابًا كاملًا للتخطيط، فقد تكون في بعض الحالات نتيجة مباشرة لتراكم أزمات داخلية، لكنها قد تتحول كذلك إلى بيئة تستفيد منها قوى تسعى إلى إعادة توزيع النفوذ.
وتكمن قوة الفوضى في أنها تستنزف المجتمع المستهدف من الداخل. فالدولة التي تواجه اضطرابات أمنية متواصلة، وأزمات اقتصادية، ونزوحًا سكانيًا، وتوترات اجتماعية، تصبح أقل قدرة على الدفاع عن مصالحها الخارجية وأكثر انشغالًا بإدارة أزماتها الداخلية.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة: كلما ازداد اضطراب المجتمع، ازدادت قدرة الأطراف الأكثر تنظيمًا على فرض أجنداتها.
فالفوضى لا تعني بالضرورة غياب الفاعل؛ بل قد تعني أحيانًا غياب القدرة على مواجهته.
ثانيًا: سيكولوجيا الإرباك وإعادة تشكيل الوعي
لا تعمل الفوضى على الأرض فقط، وإنما تعمل داخل العقل الجمعي أيضًا.
فعندما يعيش الإنسان سنوات طويلة تحت ضغط الحرب والخوف وعدم الاستقرار، تتغير أولوياته النفسية. يصبح الأمن أهم من العدالة، والاستقرار أهم من الحقوق، والنجاة اليومية أهم من الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسيادة والقانون.
وهنا تكمن إحدى أخطر وظائف الفوضى: إعادة ترتيب سلم الأولويات داخل المجتمع المستهدف.
فالمجتمع الذي كان يطالب باستعادة أرضه وحقوقه قد ينتهي إلى المطالبة فقط بوقف الحرب. والذي كان يرفض تغييرًا سياسيًا أو ديموغرافيًا قد يصبح، بفعل طول الأزمة، مستعدًا لقبول الأمر الواقع باعتباره أقل سوءًا من استمرار الفوضى.
وبذلك لا يتم تغيير الواقع بالقوة وحدها، وإنما يتم تدريجيًا تغيير القدرة النفسية على رفض الواقع.
ثالثًا: من الاحتلال الجغرافي إلى صناعة الوقائع الاقتصادية
إن التوسع في العصر الحديث لا يُقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تمت السيطرة عليها، بل كذلك بحجم المصالح الاقتصادية التي تُنشأ داخل المناطق المتنازع عليها.
فإنشاء الطرق، والمناطق الصناعية، والمشاريع الاستثمارية، وشبكات الطاقة، واستغلال الموارد الطبيعية، وربط المناطق اقتصاديًا وإداريًا بالدولة المسيطرة، كلها يمكن أن تسهم في خلق واقع جديد أكثر تعقيدًا من مجرد السيطرة العسكرية.
وهنا يصبح الاقتصاد أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا.
فالواقع الاقتصادي حين يترسخ يولّد مصالح جديدة، وهذه المصالح تنتج جماعات ضغط، وترتبط بشركات واستثمارات وبنى تحتية، الأمر الذي يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدًا.
وبعبارة أخرى: قد يبدأ التوسع بالدبابة، لكنه يصبح أكثر رسوخًا عندما يتحول إلى شبكة من المصالح الاقتصادية.
رابعًا: حين يتحول القانون الدولي إلى سلطة بلا أدوات تنفيذ
تتمثل إحدى أكبر أزمات النظام الدولي في الفجوة بين وجود القاعدة القانونية وقدرة المجتمع الدولي على تنفيذها.
فالقانون الدولي يضع مبادئ واضحة تتعلق بسيادة الدول، وحظر استخدام القوة، وحماية المدنيين، واحترام حقوق الشعوب، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح هذه المبادئ خاضعة لحسابات القوة والتحالفات والمصالح الاستراتيجية.
فالقرار الدولي الذي لا يجد طريقه إلى التنفيذ يتحول تدريجيًا من أداة للردع إلى مجرد وثيقة سياسية.
وهنا تتولد أزمة أخطر من النزاع نفسه: أزمة الثقة في العدالة الدولية.
فعندما يرى الرأي العام أن بعض القواعد تُطبق بصرامة على دول، بينما تتعطل أو تُفسر بصورة مختلفة عندما يتعلق الأمر بقوى أكثر نفوذًا، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بوجود القانون، وإنما بمصداقيته.
خامسًا: ازدواجية المعايير وأزمة الشرعية
إن النظام الدولي لا يستطيع الحفاظ على شرعيته بمجرد امتلاك مؤسسات قانونية، لأن الشرعية لا تُبنى بالنصوص وحدها، وإنما تتأسس على مبدأ المساواة في التطبيق.
فإذا أصبح القانون قويًا أمام الدول الضعيفة، ومرنًا أمام الدول القوية، فإن المشكلة لا تعود في القانون ذاته، بل في النظام السياسي الذي يقرر متى يُفعّل القانون ومتى يُجمّد.
ومن هنا فإن ازدواجية المعايير تمثل أحد أخطر مصادر تآكل النظام الدولي؛ لأنها تمنح القوى المتضررة شعورًا بأن المؤسسات الدولية لا تعمل دائمًا وفق معيار العدالة، وإنما وفق موازين النفوذ.
وهذا الشعور، إذا ترسخ، قد يدفع بعض الدول والفاعلين إلى البحث عن بدائل للقانون الدولي: التحالفات العسكرية، الردع، القوة الاقتصادية، أو فرض الأمر الواقع.
سادسًا: التطبيع النفسي مع الانتهاك
الأخطر من الانتهاك نفسه هو أن يصبح الانتهاك مألوفًا.
فالمجتمعات لا تتفاعل مع الأحداث بالطريقة نفسها عندما تقع للمرة الأولى مقارنة بما يحدث بعد سنوات من التكرار. الصدمة الأولى تتحول إلى غضب، ثم إلى احتجاج، ثم إلى إرهاق، ثم إلى نوع من التعايش النفسي مع الواقع.
وهنا تنتقل الفوضى من المجال السياسي إلى المجال النفسي.
ما كان غير مقبول بالأمس قد يصبح "واقعًا لا يمكن تغييره" اليوم.
وهذه المرحلة تمثل انتصارًا استراتيجيًا بالغ الخطورة؛ لأن السيطرة لا تعود بحاجة إلى القوة وحدها، بل يصبح جزء من المجتمع مقتنعًا بأن مقاومة الواقع أصبحت غير مجدية.
سابعًا: صناعة الأمر الواقع كاستراتيجية طويلة المدى
يمكن فهم صناعة الأمر الواقع باعتبارها عملية تراكمية تتكون من عدة مستويات:
خلق حالة من عدم الاستقرار.
استنزاف الخصم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
استثمار الفراغ الأمني والمؤسساتي.
فرض وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة.
بناء مصالح اقتصادية مرتبطة بالواقع الجديد.
تحويل الواقع المؤقت إلى وضع دائم.
انتظار تحوله تدريجيًا إلى مسألة تفاوضية بدل كونه انتهاكًا أصليًا للقانون.
وهنا تكمن المفارقة: كلما طال أمد الأزمة، أصبح الواقع الجديد أكثر اعتيادًا، وكلما أصبح اعتياديًا أصبح تغييره أكثر تكلفة.
ثامنًا: من شرعية القانون إلى شرعية القوة
إذا استمر المجتمع الدولي في إصدار القرارات دون توفير آليات فعالة لتنفيذها، فإن النظام الدولي يواجه خطرًا استراتيجيًا يتمثل في انتقال مركز الشرعية من القانون إلى القوة.
وفي هذه الحالة تصبح الرسالة الضمنية التي تصل إلى الفاعلين الدوليين خطيرة للغاية:
افعل ما تستطيع فعله أولًا، ثم تفاوض لاحقًا على شرعيته.
وهذا المنطق يهدم جوهر فكرة القانون الدولي؛ لأن القانون يفترض أن يسبق القوة ويضبطها، لا أن تأتي القوة أولًا ثم يأتي القانون لتفسير نتائجها.
ومن هنا، فإن السماح بتثبيت الوقائع بالقوة لا يشجع فقط الطرف الذي فرضها، وإنما يرسل إشارة إلى الآخرين بأن القانون يمكن تجاوزه إذا امتلك الفاعل ما يكفي من القوة والنفوذ والصبر السياسي.
تاسعًا: هل نحن أمام أزمة قانون أم أزمة إرادة؟
قد يكون من السهل تحميل القانون الدولي مسؤولية عجزه عن وقف بعض النزاعات، لكن التحليل الأعمق يقود إلى سؤال مختلف:
هل المشكلة في القانون أم في الإرادة السياسية لتطبيقه؟
فالعديد من قواعد القانون الدولي ليست غامضة إلى الحد الذي يجعل تفسيرها مستحيلًا، لكن تطبيقها يرتبط في النهاية بميزان القوة داخل النظام الدولي وبقدرة المؤسسات الدولية على إلزام الأطراف.
وبالتالي فإن أزمة القانون الدولي هي، في جانب كبير منها، أزمة إرادة سياسية ومؤسسات تنفيذية.
فالقانون بلا آليات إنفاذ فعالة يصبح ضعيفًا، والمؤسسات التي لا تستطيع تنفيذ قراراتها تفقد تدريجيًا جزءًا من هيبتها، والهيبة عندما تتآكل يصعب استعادتها بمجرد إصدار بيانات جديدة.
عاشرًا: نحو إعادة بناء الثقة في النظام الدولي
استعادة مكانة القانون الدولي لا تتطلب فقط المزيد من القرارات، وإنما تتطلب إعادة بناء العلاقة بين النص القانوني والقوة التنفيذية.
وهذا يستدعي تعزيز مبدأ المساواة في تطبيق القانون، والحد من الانتقائية، وتقوية آليات المساءلة، وربط القرارات الدولية بآليات تنفيذ أكثر فاعلية، وعدم السماح بتحويل الانتهاكات المستمرة إلى وقائع نهائية بفعل مرور الزمن.
كما أن مواجهة "سيكولوجيا الفوضى" تتطلب إدراك أن حماية المجتمعات لا تكون فقط عبر المساعدات الإنسانية، بل كذلك عبر حماية قدرتها على الحفاظ على مؤسساتها وحقوقها وذاكرتها السياسية والقانونية.
وأخيرا عندما يصبح الصمت جزءًا من صناعة الواقع
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للنظام الدولي ليس أن تقع انتهاكات للقانون، فالتاريخ الإنساني مليء بالصراعات والانتهاكات، وإنما أن تتحول الانتهاكات إلى وقائع دائمة لا تجد قوة سياسية أو قانونية كافية لإيقافها.
عندها لا تعود الفوضى مجرد نتيجة للصراع، بل يمكن أن تصبح أداة لإعادة تشكيل الصراع نفسه.
ولا يعود السؤال: من يملك الحق؟
بل يصبح: من يملك القدرة على فرض ما يريد؟
وهنا تكمن المعضلة الكبرى التي تواجه النظام الدولي اليوم: فإذا كان القانون يُطبق بصورة انتقائية، وإذا كانت القرارات الدولية عاجزة عن ردع من يمتلك القوة، وإذا كان الزمن يُستخدم لتحويل الوقائع غير المشروعة إلى حقائق سياسية واقتصادية، فإن العالم لا يواجه مجرد أزمات إقليمية متفرقة، بل يواجه أزمة في مفهوم العدالة الدولية ذاته.
إن أخطر انتصار للقوة ليس عندما تهزم القانون بالقوة، وإنما عندما تجعل الشعوب تفقد الإيمان بقدرة القانون على الانتصار.
ومن ثم، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، ولا داخل أروقة المنظمات الدولية، وإنما أيضًا داخل الوعي الإنساني:
هل يبقى القانون مرجعية تضبط القوة، أم تصبح القوة هي التي تمنح القانون معناه وحدوده؟
فإذا انتصر منطق الأمر الواقع على منطق الشرعية، فلن تكون الخسارة من نصيب طرف واحد؛ بل ستكون خسارة لفكرة النظام الدولي برمتها.






