بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
مقارنة بين قامتين في الشعر
محمد السرغيني ومينة حسيم: اختلاف الرؤية ووحدة الشعر
حين نضع شاعرين أمام بعضهما في فضاء نقدي واحد، فإن المقصود ليس إقامة مباراة بين شخصين، ولا البحث عن شاعر ينتصر وآخر ينهزم، وإنما محاولة الكشف عن اختلاف التجارب والرؤى والأسئلة التي يحملها كل صوت شعري. فالشعر، في جوهره، ليس مجرد وزن وقافية أو تراكم صور واستعارات، بل هو موقف من الإنسان والحياة والوجود والمجتمع والزمن.
ومن هذا المنطلق يمكن أن نقيم مقارنة نقدية «وجهاً لوجه» بين الشاعر محمد السرغيني والشاعرة مينة حسيم، باعتبارهما تجربتين تستحقان القراءة من زاوية ما تحمله كل واحدة منهما من أفكار ومبادئ وتوجهات جمالية وفكرية.
أولاً: محمد السرغيني... الشعر بوصفه سؤالاً فكرياً وجمالياً
يحضر محمد السرغيني في المشهد الشعري المغربي باعتباره شاعراً يميل إلى بناء القصيدة على أساس من الوعي باللغة والثقافة والتاريخ والأسئلة الفكرية. فالشعر عنده لا يبدو مجرد انفعال عابر، وإنما يتحول إلى فضاء للتأمل وإعادة مساءلة الأشياء.
وتبرز في تجربته أهمية اللغة الشعرية المركبة، والاشتغال على الصورة والرمز والإيحاء، بما يجعل القارئ أمام نص لا يمنحه معناه بسهولة، وإنما يدعوه إلى المشاركة في إنتاجه وتأويله.
ومن هنا يمكن النظر إلى توجهه باعتباره أقرب إلى الشعر الذي يضع الفكرة في حوار مع الجمال، فلا تنفصل القصيدة عن خلفيتها الثقافية والفكرية، ولا تتحول الفكرة في الوقت نفسه إلى خطاب مباشر يفقد الشعر خصوصيته.
ثانياً: مينة حسيم... الشعر من زاوية الإنسان والوجدان
أما مينة حسيم، فتقدم نموذجاً شعرياً يقوم على حضور الذات والوجدان والتجربة الإنسانية، وعلى تحويل المشاعر والأسئلة اليومية إلى مادة شعرية قابلة للتأمل والتأويل.
في تجربتها يمكن أن يصبح الشعر مساحة للبوح، ولكنه ليس بالضرورة بوحاً ساذجاً أو مباشراً؛ فالذات الشاعرة تستطيع أن تجعل من تجربتها الفردية مدخلاً إلى قضايا أكثر اتساعاً: الحب، والمرأة، والكرامة، والانتظار، والخذلان، والأمل، والبحث عن المعنى.
وهنا تتخذ القصيدة بعداً إنسانياً، لأن الشاعرة لا تتحدث عن ذاتها فقط، وإنما تحاول أن تجعل من تجربتها الفردية مرآة لتجارب الآخرين.
ثالثاً: وجهاً لوجه... أين يلتقيان وأين يختلفان؟
إذا وضعنا التجربتين في مواجهة نقدية، فإن الاختلاف الأول قد يظهر في طريقة بناء العلاقة بين الشعر والفكر.
فمحمد السرغيني يميل إلى جعل القصيدة فضاءً لتشابك اللغة والفكر والثقافة والرمز، بينما يمكن قراءة تجربة مينة حسيم من خلال اهتمام أكبر بالبعد الإنساني والوجداني وبالتجربة الذاتية.
لكن هذا الاختلاف لا يعني القطيعة.
فكلاهما ينطلق من قناعة ضمنية بأن الشعر ليس ترفاً لغوياً، وإنما وسيلة لفهم الإنسان والعالم.
السرغيني يسأل من خلال اللغة والرمز والثقافة:
كيف يمكن للشعر أن يعيد بناء علاقتنا بالوجود؟
ومينة حسيم تسأل من خلال الذات والتجربة الإنسانية:
كيف يمكن للشعر أن يمنح الإنسان صوتاً في مواجهة الألم والحياة والتحولات؟
وبين السؤالين تتسع مساحة الشعر.
رابعاً: الموقف من المجتمع
الشاعر الحقيقي لا يعيش خارج المجتمع، حتى عندما يكتب عن ذاته.
فالقصيدة تحمل، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، موقفاً من الواقع.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة محمد السرغيني باعتبارها تجربة تتعامل مع الواقع من خلال التأمل والتفكيك وإعادة بناء الدلالة، بينما تقترب مينة حسيم من الواقع من خلال الإنسان ومشاعره وعلاقاته وتناقضاته.
الأول قد يجعل اللغة وسيلة لاكتشاف البنية العميقة للواقع، والثانية قد تجعل الوجدان وسيلة لاكتشاف الإنسان الموجود داخل هذا الواقع.
وهنا يصبح الاختلاف في الأسلوب، لا في قيمة الشعر.
خامساً: المرأة والذات في القصيدة
تكتسب تجربة الشاعرة مينة حسيم خصوصية إضافية من كونها تكتب من موقع ذات أنثوية تستطيع أن تحول التجربة الشخصية إلى سؤال ثقافي وإنساني.
فالمرأة في الشعر ليست بالضرورة موضوعاً يكتب عنه الآخرون؛ يمكن أن تكون هي صاحبة الصوت، وصاحبة الرؤية، وصاحبة السؤال.
وهنا تتحول القصيدة إلى مساحة لإعادة تعريف الذات، بعيداً عن الصور الجاهزة التي قد يفرضها المجتمع.
وفي المقابل، فإن تجربة محمد السرغيني تفتح المجال أمام قراءة أكثر ارتباطاً بالسؤال الثقافي والفكري وبموقع الشاعر أمام اللغة والتراث والحداثة.
وهكذا نجد أنفسنا أمام صوتين مختلفين:
صوت يجعل من الفكر طريقاً إلى الشعر، وصوت يجعل من التجربة الإنسانية طريقاً إلى الفكر.
سادساً: هل نحن أمام شعرين متعارضين؟
ليس بالضرورة.
فالاختلاف بين شاعر وشاعرة لا ينبغي أن يُقاس بمنطق الأفضل والأسوأ، ولا بمنطق الرجل في مواجهة المرأة، وإنما بمنطق التجربة مقابل التجربة، والرؤية مقابل الرؤية، والجمال مقابل الجمال.
الشعر لا يعرف جنساً ينتصر على جنس آخر.
فالقصيدة الجيدة تنتصر بلغتها، وصدقها، وعمقها، وقدرتها على البقاء في ذاكرة القارئ.
ومن هنا يمكن أن يكون الحوار بين محمد السرغيني ومينة حسيم حواراً بين اتجاهين:
اتجاه ينحاز إلى كثافة الفكر والرمز واللغة، واتجاه ينحاز إلى حرارة التجربة والوجدان والإنسان.
وكلاهما يمكن أن يكون ضرورياً للقصيدة المغربية المعاصرة.
سابعاً: من ينتصر في هذه المواجهة؟
السؤال الحقيقي ليس: من الأفضل، محمد السرغيني أم مينة حسيم؟
بل السؤال الأعمق:
ماذا يضيف كل واحد منهما إلى الشعر؟
إذا كان محمد السرغيني يمنح القصيدة المغربية إمكاناً واسعاً للتفكير في اللغة والثقافة والوجود، فإن مينة حسيم تمنحها مساحة أخرى للإنصات إلى الإنسان والذات والوجدان والتحولات الاجتماعية والنفسية.
وبذلك لا تكون المواجهة معركة، وإنما حواراً بين تجربتين.
السرغيني يقول لنا، بصورة شعرية: لا يمكن أن تكون القصيدة عميقة من دون أن تحمل سؤالاً.
ومينة حسيم تقول لنا: لا يمكن أن يكون السؤال إنسانياً من دون أن يمر عبر القلب والتجربة.
وبين العقل والقلب، بين الفكرة والإحساس، بين الرمز والبوح، تتشكل فسيفساء الشعر.
أخيرا وليس اخيرا : إن وضع محمد السرغيني ومينة حسيم «وجهاً لوجه» هو في الحقيقة وضع رؤيتين للشعر أمام مرآة واحدة.
مرآة تبحث عن وظيفة القصيدة في زمن تتغير فيه القيم، وتتبدل فيه العلاقات، وتتسارع فيه الحياة.
قد تختلف الأدوات، وقد تختلف اللغة، وقد تختلف زاوية النظر، لكن الغاية الكبرى تظل واحدة: محاولة الإمساك بما يفلت من الإنسان والحياة والزمن.
ومن هنا فإن قيمة الشاعر لا تقاس بارتفاع صوته على صوت غيره، وإنما بقدرته على أن يترك في القارئ سؤالاً لا يموت، وصورة لا تنطفئ، وإحساساً يستمر بعد انتهاء القصيدة.
وهذا هو الانتصار الحقيقي للشعر:
أن يختلف الشاعران، لكي تتسع مساحة الشعر.






