الأربعاء، 6 مايو 2026

الإسلام بين حملات التشويه والتحولات المعاصرة: قراءة سوسيولوجية ونقدية في خطاب الاتهام والدفاع

 

بقلم: خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات /باحث في علم الاجتماع والنفس والإصلاح السلوكي /المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية /رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفية بالمملكة المغربية – جهة مراكش آسفي

يشهد الخطاب المرتبط بالإسلام في العصر الحديث توتراً متزايداً بين صورتين متناقضتين: صورة دينٍ قيميٍّ أخلاقي قائم على الرحمة والعدل، وصورة نمطية تُروَّج في بعض الدوائر العالمية باعتباره ديناً للعنف والتشدد. هذا التوتر لا يمكن فهمه خارج سياقاته التاريخية والسياسية والإعلامية، ولا بمعزل عن التحولات العميقة التي مست المجتمعات الإسلامية في علاقتها بالحداثة والعولمة. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى مقاربة علمية رصينة تفكك هذه الإشكالية بعيداً عن الخطاب الانفعالي أو التبريري.

أولاً: في تفكيك أطروحة “تشويه الإسلام”

لا يمكن إنكار أن الإسلام، كغيره من الأديان الكبرى، كان موضوع تمثلات متعددة في الخطاب الغربي، خصوصاً منذ أحداث هجمات 11 سبتمبر 2001 التي شكلت نقطة تحول في ربط الإسلام بالعنف داخل الإعلام الدولي. وقد أظهرت دراسات في علم الاجتماع الإعلامي أن وسائل الإعلام تلعب دوراً مركزياً في بناء الصور النمطية، حيث يتم التركيز على أحداث العنف المرتبطة بأفراد أو جماعات تدّعي الانتماء للإسلام، مع إغفال السياقات السياسية والاقتصادية التي تُنتج هذه الظواهر.

غير أن اختزال هذه الظاهرة في “مؤامرة خارجية” فقط يبقى تبسيطاً مخلّاً، إذ تؤكد مقاربات في علم الاجتماع والعلوم السياسية أن العنف الديني ظاهرة مركبة، تتداخل فيها عوامل داخلية (مثل التأويلات المتشددة للنصوص، ضعف التعليم، الأزمات الاجتماعية) مع عوامل خارجية (الصراعات الجيوسياسية، التدخلات الأجنبية، سياسات الهيمنة).

ثانياً: الإسلام والعنف – بين النص والتأويل

من الناحية النصية، يقوم الإسلام على مبادئ واضحة في رفض العدوان، كما في قوله تعالى: “ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”. كما أن السيرة النبوية تقدم نماذج متعددة للحوار والتعايش، بما في ذلك وثيقة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين وغيرهم.

لكن الإشكال لا يكمن في النص بقدر ما يكمن في التأويل. فالجماعات المتطرفة تعتمد على قراءة انتقائية للنصوص، تفصلها عن سياقها التاريخي والفقهي، وتُوظفها لتبرير العنف. وقد بيّنت دراسات في علم النفس الاجتماعي أن هذه الجماعات تستقطب الأفراد الذين يعانون من هشاشة هوياتية أو تهميش اجتماعي، ما يجعلهم أكثر قابلية لتبني خطاب راديكالي يمنحهم شعوراً بالانتماء والقوة.

ثالثاً: البعد السياسي وتوظيف الدين

لا يمكن فصل صورة الإسلام في العالم عن الصراعات السياسية الدولية. فبعض القوى تستثمر في “فزاعة الإرهاب” لتبرير تدخلاتها أو إعادة رسم توازنات النفوذ. في المقابل، تلجأ بعض الأنظمة أو الحركات إلى توظيف الدين كأداة تعبئة سياسية، مما يخلط بين المجالين الديني والسياسي بشكل يُنتج التباساً لدى الرأي العام.

في السياق المغربي، اختار النموذج الديني الرسمي، تحت إمارة المؤمنين، مقاربة قائمة على الوسطية والاعتدال، مع تعزيز دور المؤسسات الدينية في تأطير الحقل الديني، بما يحدّ من انتشار الخطابات المتطرفة، ويُرسّخ إسلاماً متوازناً منفتحاً على العصر.

رابعاً: إشكالية الحداثة والانبهار بالغرب

تطرح مسألة “الانبهار بالغرب” إشكالية سوسيولوجية معقدة. فالتفاعل مع الحضارة الغربية ليس في ذاته سلبياً، بل هو جزء من دينامية التبادل الحضاري. غير أن الإشكال يظهر عندما يتحول هذا التفاعل إلى تقليد أعمى يُفرغ الذات من مقوماتها الثقافية والقيمية.

لقد ساهمت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية في إعادة تشكيل النظام العالمي، حيث خرجت الدول الغربية أكثر قوة، بينما عانت العديد من الدول الأخرى من آثار الاستعمار والتبعية. هذا التفاوت التاريخي أسهم في خلق فجوة حضارية، دفعت بعض المجتمعات إلى تبني نماذج خارجية دون تمحيص نقدي.

خامساً: الدين والأخلاق – جوهر الرسالة

إن اختزال التدين في المظاهر الشكلية، كالمظهر الخارجي أو الشعارات، يُعد انحرافاً عن جوهر الدين. فالإسلام، في عمقه، هو منظومة أخلاقية قبل أن يكون مجموعة طقوس. وقد أكد النبي محمد ﷺ على هذا البعد بقوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

من هذا المنطلق، يصبح الإصلاح الحقيقي مرتبطاً بإعادة الاعتبار للأخلاق في السلوك الفردي والجماعي، وربط التدين بالقيم الإنسانية الكونية مثل العدل، والحرية، والكرامة، والتسامح.

إن النقاش حول الإسلام في العصر الحديث يجب أن ينتقل من مستوى الاتهام والدفاع إلى مستوى التحليل العلمي الرصين. فالإسلام، كدين، لا يمكن اختزاله في ممارسات بعض أتباعه، كما لا يمكن فهم ظواهر العنف دون استحضار سياقاتها المركبة. وبين حملات التشويه الخارجية وأزمات الفهم الداخلية، تظل المسؤولية مشتركة في تقديم نموذج حضاري يعكس القيم الحقيقية لهذا الدين.

إن التحدي الأكبر اليوم ليس في الدفاع الخطابي عن الإسلام، بل في تجسيد قيمه في الواقع، عبر بناء إنسان متوازن، واعٍ، ومنفتح، قادر على الإسهام في نهضة مجتمعه دون أن يفقد هويته.

الثلاثاء، 5 مايو 2026

"هجوم السمارة: المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية يستنكر و يندد بالاعتداء الغاشم ويدعو لتحرك دولي عاجل"

 

بيان استنكاري وإدانة

صادر عن المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية نص البيان : 
على إثر الاعتداء الخطير الذي استهدف محيط مدينة السمارة يوم 4 ماي 2026، والذي طال مناطق مأهولة بالسكان المدنيين، يتابع المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية بالمملكة المغربية ببالغ القلق والأسى هذا التصعيد الخطير الذي يشكل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار المملكة المغربية ووحدة أراضيها.
وإذ نعبر عن إدانتنا الشديدة لهذا الهجوم الغاشم، فإننا نؤكد ما يلي:
إدانة قاطعة لكل الأعمال العدائية التي تستهدف المدنيين الأبرياء، ونعتبارها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ولكافة المواثيق الدولية ذات الصلة.
استنكار بالغ لأي دعم أو تسليح أو تحريض من شأنه تأجيج النزاعات في المنطقة، وتعريض الأمن الإقليمي لمخاطر جسيمة.
تضامن مطلق مع الجنود المغاربة المرابطين بالصحراء المغربية وكذالك كل التضامن مع اي ضحايا الاعتداء وكذالك كل التضامن  قيادةً وشعباً، في مواجهة كل ما من شأنه المساس بأمن  واستقرار  المغرب ووحدته الترابية.
دعوة المجتمع الدولي، وخاصة الهيئات الأممية، إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة في رصد هذه الانتهاكات والتصدي لها بحزم، والعمل على منع تكرارها.
التأكيد على ضرورة تعزيز اليقظة والتعاون الدولي من أجل مكافحة كل أشكال الإرهاب والتطرف، وتجفيف منابعهما، وصون السلم والأمن في منطقة شمال إفريقيا.
نطالب مجلس الامم  المتحدة وكذالك مجلس الامن الدولي  والمنظمات الدولية تصنيف جبهة البوليساريو لمنظمة إرهابية 
تصنيف دولة الحزائر كدولة راعية وحاضنة للإرهاب 
كما يشدد المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية على أن مثل هذه الأعمال لن تزيد إلا من تعقيد الأوضاع، ولن تساهم إلا في تقويض جهود التسوية السلمية التي ترعاها الأمم المتحدة، مما يستوجب تغليب لغة الحوار والحلول السياسية والحكمة الداني الذي اقترحه المغرب وتبنته الامم المتحدة بدل منطق العنف والتصعيد.
وفي الختام، نجدد تضامننا الكامل مع الضحايا وأسرهم، ونعبر عن ثقتنا في قدرة المملكة المغربية على حماية أمنها القومي والتصدي بكل حزم لهذه التهديدات.
حرر في: مراكش 5/5/ 2026
عن المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية : 
خليفة مزضوضي المنسق الوطني بالمملكة المغربية الشريفة 

الاثنين، 4 مايو 2026

التعمير والجبايات في مرمى الأسئلة: ماذا يحدث في تسلطانت؟


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام  للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم يعد ملف جماعة تسلطانت مجرد شأن إداري داخلي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى صلابة منظومة الحكامة المحلية وقدرتها على مواجهة الاختلالات بشفافية وجرأة. فمراسلة والي جهة مراكش آسفي لم تمر مرور الكرام، بل فجّرت نقاشًا واسعًا بعدما كشفت، بشكل غير مباشر، عن أعطاب محتملة في تدبير ملفات حساسة.

الحديث هنا لا يتعلق بتفاصيل تقنية معزولة، بل بقضايا تمس جوهر التدبير العمومي: إعفاءات جبائية تثير أكثر من علامة استفهام، رخص تعمير يُشتبه في توظيفها خارج الضوابط القانونية، واستعمال لرخص الإصلاح في غير ما خُصصت له. وهي عناصر، حين تجتمع، تطرح سؤالًا أكبر حول كيفية اتخاذ القرار داخل الجماعة وحدود احترام القانون.

الأكثر حساسية في هذا الملف هو ما يُتداول بشأن تضارب المصالح، وهو معطى إن تأكد، فإنه لا يهدد فقط مصداقية مجلس منتخب، بل يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في العمق. لذلك، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالصمت أو بتوضيحات عامة، بل أصبح من الضروري تقديم أجوبة دقيقة ومُدعمة، تُنهي حالة الالتباس وتضع الرأي العام أمام الحقيقة كاملة.

في الجهة المقابلة، يوحي تحرك السلطات الرقابية بأن هناك إرادة متنامية لتشديد المراقبة وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن التجارب السابقة تجعل السؤال مطروحًا بإلحاح: هل ستُطبق القواعد بنفس الصرامة على الجميع، أم أن منطق الانتقائية سيجد طريقه مرة أخرى؟

اليوم، لم يعد الرهان في تسليط الضوء على هذه الاختلالات فقط، بل في مآلاتها. فإما أن يشكل هذا الملف نقطة تحول نحو تصحيح فعلي يعيد الانضباط لتدبير الشأن المحلي، أو أن يُضاف إلى قائمة الملفات التي أُثيرت ثم طواها النسيان.

ما ينتظره المواطن ليس بلاغات مطمئنة، بل أفعال ملموسة: مساءلة حقيقية، قرارات واضحة، وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة. لأن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالكلمات، بل تُصان حين يُطبق القانون دون استثناء.

 ملاحظتك في محلها—النص الأول كان قريبًا من الصياغة الأصلية أكثر مما ينبغي. هذه نسخة مُعاد بناؤها بزاوية صحافية أكثر حدّة ووضوحًا، مع نفس الفكرة لكن بأسلوب مختلف تمامًا:

لم يعد ملف جماعة تسلطانت مجرد شأن إداري داخلي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى صلابة منظومة الحكامة المحلية وقدرتها على مواجهة الاختلالات بشفافية وجرأة. فمراسلة والي جهة مراكش آسفي لم تمر مرور الكرام، بل فجّرت نقاشًا واسعًا بعدما كشفت، بشكل غير مباشر، عن أعطاب محتملة في تدبير ملفات حساسة.

الحديث هنا لا يتعلق بتفاصيل تقنية معزولة، بل بقضايا تمس جوهر التدبير العمومي: إعفاءات جبائية تثير أكثر من علامة استفهام، رخص تعمير يُشتبه في توظيفها خارج الضوابط القانونية، واستعمال لرخص الإصلاح في غير ما خُصصت له. وهي عناصر، حين تجتمع، تطرح سؤالًا أكبر حول كيفية اتخاذ القرار داخل الجماعة وحدود احترام القانون.

الأكثر حساسية في هذا الملف هو ما يُتداول بشأن تضارب المصالح، وهو معطى إن تأكد، فإنه لا يهدد فقط مصداقية مجلس منتخب، بل يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في العمق. لذلك، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالصمت أو بتوضيحات عامة، بل أصبح من الضروري تقديم أجوبة دقيقة ومُدعمة، تُنهي حالة الالتباس وتضع الرأي العام أمام الحقيقة كاملة.

في الجهة المقابلة، يوحي تحرك السلطات الرقابية بأن هناك إرادة متنامية لتشديد المراقبة وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن التجارب السابقة تجعل السؤال مطروحًا بإلحاح: هل ستُطبق القواعد بنفس الصرامة على الجميع، أم أن منطق الانتقائية سيجد طريقه مرة أخرى؟

اليوم، لم يعد الرهان في تسليط الضوء على هذه الاختلالات فقط، بل في مآلاتها. فإما أن يشكل هذا الملف نقطة تحول نحو تصحيح فعلي يعيد الانضباط لتدبير الشأن المحلي، أو أن يُضاف إلى قائمة الملفات التي أُثيرت ثم طواها النسيان.

ما ينتظره المواطن ليس بلاغات مطمئنة، بل أفعال ملموسة: مساءلة حقيقية، قرارات واضحة، وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة. لأن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالكلمات، بل تُصان حين يُطبق القانون دون استثناء.

الأحد، 3 مايو 2026

في اليوم العالمي لحرية الصحافة: الكلمة الحرة مسؤولية ورسالة لا تنكسر

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، إليكم كلمة موجهة إلى الإعلاميين عبر العالم:

في هذا اليوم الذي يشكل محطة رمزية للدفاع عن الكلمة الحرة، نتوجه بتحية تقدير وإجلال إلى كل الصحافيات والصحافيين، الذين يحملون على عاتقهم رسالة نبيلة قوامها البحث عن الحقيقة ونقلها بكل مسؤولية وصدق.

إن حرية الصحافة ليست امتيازًا، بل حق أساسي وركيزة من ركائز بناء المجتمعات الديمقراطية. فهي مرآة تعكس واقع الشعوب، وصوت ينقل هموم المواطنين، وجسر يربط بين السلطة والرأي العام. وبقدر ما تتسع مساحات الحرية، بقدر ما تتعزز قيم الشفافية والمساءلة.

غير أن هذه الحرية تظل في كثير من مناطق العالم محفوفة بالتحديات، من تضييق ومضايقات، إلى تهديدات مباشرة تمس سلامة الصحافيين. وهو ما يستدعي من المجتمع الدولي، والمؤسسات الوطنية، والهيئات المهنية، تكثيف الجهود لحماية الإعلاميين وضمان استقلاليتهم.

كما أن المسؤولية المهنية تظل الوجه الآخر لهذه الحرية؛ فالإعلام الحر هو أيضًا إعلام مسؤول، يلتزم بأخلاقيات المهنة، ويتحرى الدقة، ويتجنب التضليل، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

إلى كل الأقلام الحرة، إلى كل من اختار طريق الكلمة الصادقة رغم الصعاب، نقول: أنتم خط الدفاع الأول عن الحقيقة، وأنتم صناع الوعي وحراس الذاكرة.

كل عام وأنتم أوفياء لرسالتكم، وكل عام وحرية الصحافة أقوى وأكثر رسوخًا في عالمنا.

بين خطاب الإصلاح وواقع التزكيات: لماذا تفشل الأحزاب في تجديد نخبها؟

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم يعد الحديث عن تشبيب النخب السياسية في المغرب مجرد ترف فكري أو مطلب نخبوي معزول، بل تحول إلى ورش وطني يحظى برعاية وتوجيهات واضحة من أعلى هرم الدولة، كما ورد في عدة خطب لـالملك محمد السادس، التي شددت على ضرورة إدماج الكفاءات الشابة وضخ دماء جديدة في شرايين العمل السياسي. غير أن المتتبع للشأن الحزبي يلاحظ مفارقة صارخة بين الخطاب والممارسة، خاصة عند كل محطة انتخابية، حيث تعود نفس الأسماء، وتُقصى نفس الكفاءات.

تزكيات تُعيد إنتاج نفس النخب

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتحول التزكيات داخل الأحزاب إلى لحظة حاسمة تكشف الكثير من أعطاب البناء الحزبي. بدل أن تكون آلية لفرز الكفاءات، تصبح في كثير من الأحيان أداة لإعادة تدوير الوجوه نفسها، بناءً على اعتبارات الولاء، أو القدرة المالية، أو النفوذ المحلي. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل الأحزاب فعلاً معنية بتجديد نخبها، أم أنها تكتفي برفع الشعار دون إرادة حقيقية للتنزيل؟

بين منطق المنافسة ومنطق التفاهمات الضمنية

في الظاهر، تبدو الساحة الانتخابية مجالاً للتنافس الديمقراطي، لكن في العمق، تبرز مؤشرات على وجود نوع من “التوزيع غير المعلن” للدوائر والنفوذ، حيث تركز بعض الأحزاب على مناطق معينة، وتُضعف حضورها في أخرى، بما يوحي بوجود تفاهمات غير مباشرة. هذه الممارسات، حتى وإن لم تكن مؤطرة رسميًا، تُفرغ العملية الانتخابية من بعدها التنافسي الحقيقي، وتحولها إلى مجرد تدبير توافقي للنتائج.

مراكش: نموذج مصغر لاختلالات أكبر

إذا كانت هذه الظواهر تطبع المشهد الوطني، فإن مراكش تقدم مثالًا دالًا على عمق الإشكال. فالمدينة، رغم زخمها الاقتصادي والثقافي، تعاني من هيمنة منطق الأعيان، حيث تلعب شبكات النفوذ والمال دورًا حاسمًا في تحديد المرشحين. وفي ظل هذا الواقع، تجد الكفاءات الشابة نفسها خارج معادلة التزكيات، ليس لضعف في المؤهلات، بل لغياب أدوات التأثير الانتخابي.

أزمة ثقة أم أزمة بنية؟

ما يحدث اليوم يطرح أكثر من مجرد تساؤل حول نوايا الأحزاب؛ إنه يكشف عن أزمة بنيوية عميقة تتعلق بضعف الديمقراطية الداخلية، وغياب آليات شفافة لاختيار المرشحين، إضافة إلى هشاشة التأطير السياسي للشباب. كما أن استمرار هذه الممارسات يفاقم من أزمة الثقة بين المواطن والعمل الحزبي، ويعزز العزوف السياسي، خاصة في صفوف الفئات الشابة.

نحو تجديد حقيقي أم إعادة إنتاج الأزمة؟

إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في رفع شعارات التشبيب، بل في ترجمتها إلى قرارات جريئة داخل الأحزاب، تعيد الاعتبار للكفاءة، وتفتح المجال أمام الطاقات الجديدة. فبدون إصلاح داخلي حقيقي، ستظل التزكيات مجرد محطة لإعادة إنتاج نفس الخريطة السياسية، مهما تغيرت الشعارات.

في النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل تملك الأحزاب الجرأة الكافية للقطع مع منطق الريع السياسي، والانخراط فعليًا في ورش تجديد النخب؟ أم أن منطق “الاستمرارية الآمنة” سيظل أقوى من كل دعوات الإصلاح؟

السبت، 2 مايو 2026

من تجربة الأب إلى مسؤولية الابن: مولاي الحسن يسير على خطى ملك المغرب في تدبير الشأن


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكّل البلاغ الصادر عن الديوان الملكي يوم 2 ماي 2026 حدثًا ذا دلالات عميقة، سواء على مستوى تدبير المؤسسة العسكرية أو في سياق استمرارية الدولة المغربية، وهو ما يفتح المجال لقراءة تحليلية في أبعاده السياسية والمؤسساتية.
تعيين استراتيجي في لحظة دقيقة
في خطوة لافتة، أعلن الديوان الملكي أن محمد السادس، بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، عيّن مولاي الحسن منسقًا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية.
هذا القرار ليس إجراءً إداريًا عاديًا، بل يحمل أبعادًا استراتيجية واضحة، خاصة أنه يستحضر تجربة سابقة عاشها الملك نفسه عندما كان وليًا للعهد، حيث تولى نفس المهمة منذ سنة 1985 بتكليف من والده الراحل الحسن الثاني. وهو ما يعكس منطقًا مؤسساتيًا قائمًا على التدرج في تحمل المسؤوليات الكبرى داخل الدولة.
إعداد ملكي مبكر لقيادة مستقبلية
يمكن قراءة هذا التعيين في إطار إعداد ولي العهد لتحمل أدوار سيادية عليا، خصوصًا في مؤسسة تعتبر من ركائز الدولة، وهي القوات المسلحة الملكية. فمهمة “تنسيق مكاتب ومصالح القيادة العامة” ليست شكلية، بل تتيح الاطلاع المباشر على آليات اتخاذ القرار العسكري، والتدبير الاستراتيجي، والتنسيق بين مختلف الأجهزة.
وهذا يعكس فلسفة الحكم في المغرب، التي تقوم على التكوين الميداني والتدرج العملي، بدل الاكتفاء بالتأهيل النظري أو البروتوكولي.
رسائل داخلية: الاستمرارية والاستقرار
يحمل البلاغ رسائل واضحة للداخل، مفادها أن الدولة المغربية مستمرة في نهجها القائم على الاستقرار المؤسسي، وأن هناك حرصًا على ضمان انتقال سلس ومسؤول للمهام السيادية عبر الأجيال.
كما يعزز هذا القرار صورة المؤسسة العسكرية باعتبارها فضاءً للانضباط والكفاءة والولاء، وهي القيم التي شدد عليها البلاغ بشكل صريح، من خلال الإشارة إلى “الكفاءة والانضباط والاستقامة والغيرة الوطنية”.
أبعاد رمزية: استحضار الإرث وتكريس الشرعية
استحضار تجربة الملك محمد السادس عندما كان وليًا للعهد ليس مجرد إحالة تاريخية، بل هو تأكيد على استمرارية النموذج المغربي في الحكم، حيث يتم نقل الخبرة والتجربة داخل المؤسسة الملكية بشكل منظم.
كما يعكس هذا التعيين بعدًا رمزيًا مهمًا، يتمثل في تكريس شرعية المؤسسة الملكية كضامن لوحدة الدولة واستمراريتها، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية.
القوات المسلحة: بين الواجب الوطني والبعد الإنساني
البلاغ لم يقتصر على الإعلان عن التعيين، بل أعاد التأكيد على الأدوار المتعددة للقوات المسلحة الملكية، التي لا تقتصر على الدفاع عن الوحدة الترابية، بل تشمل أيضًا مهام إنسانية واجتماعية.
وهذا يعكس التحول في العقيدة العسكرية المغربية، التي أصبحت تجمع بين الأمن الصلب (الدفاع) والأمن الإنساني (الإغاثة، المساعدة، التدخل في الكوارث).
خلاصة
إن تعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقًا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية يمثل خطوة مدروسة في إطار استمرارية الدولة المغربية، وتكريسًا لمنهج التدرج في تحمل المسؤوليات العليا.
فهو قرار يجمع بين البعد العملي (التكوين والتأهيل)، والبعد الرمزي (استمرارية المؤسسة الملكية)، والبعد الاستراتيجي (ضمان الاستقرار المؤسسي)، ليؤكد مرة أخرى خصوصية النموذج المغربي في تدبير السلطة وبناء المستقبل.

مراكش بين حزب الاستقلال و"الجرار": هل نحن أمام إعادة رسم للخريطة السياسية؟

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لطالما شكلت مدينتا مراكش وفاس معقلين تاريخيين لحزب حزب الاستقلال، حيث ارتبط حضورهما بنخب سياسية وازنة، وشبكات تنظيمية متجذرة، ورصيد نضالي يعود إلى مرحلة الحركة الوطنية. غير أن المتتبعين للشأن المحلي خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص في مراكش، يلاحظون تحولات لافتة تطرح أكثر من علامة استفهام حول موقع الحزب ودوره، بل وحول استراتيجيته السياسية على المستوى الترابي.

في هذا السياق، يطفو على السطح تساؤل جوهري: هل تراجع حزب الاستقلال طواعية عن مراكش لصالح حزب الأصالة والمعاصرة، المعروف اختصاراً بـ"الجرار"، أم أن الأمر يتعلق بإخفاق تنظيمي داخلي لا غير؟

إقصاء الكفاءات أم إعادة ترتيب البيت الداخلي؟

تُوجَّه انتقادات متزايدة لقيادة الحزب، وعلى رأسها الأمين العام نزار بركة، بخصوص ما يعتبره البعض "إقصاءً ممنهجاً" لعدد من الوجوه الاستقلالية التي راكمت تجربة سياسية وانتخابية مهمة داخل مدينة مراكش. هذه الكوادر، التي كان يُعوَّل عليها لاستعادة التوازن داخل المشهد المحلي، وجدت نفسها خارج دوائر القرار، وهو ما انعكس سلباً على حضور الحزب ميدانياً وانتخابياً.

ويرى مراقبون أن هذا الوضع لا يمكن فصله عن اختيارات مركزية قد تكون مبنية على حسابات تتجاوز المحلي، وربما ترتبط بتوازنات وطنية أو تحالفات غير معلنة.

هل هناك "تقاسم نفوذ" غير معلن؟

من بين الفرضيات التي يتم تداولها في الأوساط السياسية والإعلامية، فكرة وجود نوع من "التوزيع الجغرافي" غير الرسمي بين الأحزاب الكبرى، حيث يتم تركيز الجهود في مناطق معينة مقابل التنازل الضمني عن أخرى. ورغم غياب أي تأكيد رسمي، فإن ما يحدث في مراكش يعطي انطباعاً بوجود فراغ سياسي استغلّه حزب الأصالة والمعاصرة لتعزيز موقعه.

غير أن هذا الطرح يظل محل جدل، إذ يعتبره البعض تبسيطاً مفرطاً لمعادلات معقدة، في حين يراه آخرون تفسيراً واقعياً لما يجري على الأرض.

أزمة ثقة أم خلل استراتيجي؟

ما يزيد من تعقيد الوضع هو تراجع ثقة جزء من القاعدة الانتخابية في قدرة حزب الاستقلال على تجديد نخبته وتقديم بدائل مقنعة. فالحزب، الذي كان يُنظر إليه كمدرسة سياسية عريقة، بات مطالباً اليوم بإعادة تقييم اختياراته التنظيمية، خاصة في المدن التي شكلت تاريخياً خزانه الانتخابي.

وفي مراكش تحديداً، يبدو أن غياب رؤية واضحة، أو على الأقل غياب التواصل حول هذه الرؤية، فتح الباب أمام التأويلات والتساؤلات.

إلى أين يتجه حزب الاستقلال في مراكش؟

المؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فإما أن ينجح الحزب في استعادة توازنه عبر إعادة الاعتبار لكفاءاته المحلية وتفعيل هياكله التنظيمية، أو يواصل فقدان موقعه لصالح منافسين أكثر حضوراً واستعداداً.

في النهاية، ما يجري في مراكش ليس مجرد شأن محلي، بل مؤشر على تحولات أعمق داخل المشهد الحزبي المغربي، حيث لم تعد الرمزية التاريخية كافية لضمان الاستمرارية، بل أصبح الرهان الحقيقي هو القدرة على التجدد، والإنصات، والتأقلم مع متغيرات الواقع السياسي.