الأربعاء، 9 يوليو 2025

مقال تحليلي : اخنوش ينتحر سياسيا !!

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي. من قال لك إن المستثمرين يثقون فيك؟ إنها المملكة المغربية لا أنت ؟؟؟ في لحظةٍ من الاندفاع السياسي غير المحسوب، ألقى رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمس الإثنين (7 يونيو 2025)، بقبة البرلمان بكلمة يُراد لها أن تكون رسالة ثقة موجهة إلى المستثمرين، لكنها تحولت إلى اعتراف قاتل، جرّده – دون أن يشعر – من شرعية الرمزية التي تحكم الدولة المغربية، وعرّته أمام الرأي العام كـ”سياسي هاوٍ” لم يستوعب بعد منطق الدولة ولا عمق الملكية في المغرب. التصريح الذي أثار جدلاً واسعًا وكشف عن غياب خطير للوعي السياسي، وضع رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في ضوع لا يحسد عليه ليُدلي بتصريح مفاده أن “المستثمرين لن يثقوا إذا لم يكن أخنوش موجودًا”. هذه القفزة الكلامية غير المحسوبة لم تكشف فقط عن تضخم هائل في الأنا لدى رجل الأعمال الذي يبدو وكأن الدولة امتداد لمجموعاته التجارية، بل فضحت جهلاً فاضحًا بطبيعة النظام السياسي المغربي المتجذر في البيعة والملكية. لقد نسي أخنوش – أو تجاهل – أن الثقة في المغرب، داخليًا وخارجيًا، ترتكز على الملكية و على جلالة الملك محمد السادس والمؤسسات الراسخة و عهد البيعة بين العرش و الشعب، لا على حكومات عابرة تُسقطها صناديق الاقتراع وتغيرها إرادة الناخبين. فمن يتابع المشهد السياسي يعلم أن رؤساء الحكومات يأتون ويرحلون، تمامًا كما مرّ العثماني وبنكيران والفاسي من قبله، وستبقى المملكة صامدة بثوابتها. المغرب مملكة لا شركة مساهمة! إن المستثمرين، وبخاصة الأجانب منهم، لم يأتوا إلى المغرب لأن عزيز أخنوش يتولى رئاسة الحكومة. لقد أتوا لأن المغرب مملكة مستقرة، ذات رؤية استراتيجية واضحة يقودها جلالة الملك، بسياسات ممتدة عبر الزمن لا تتأثر بتبدل الحكومات. من “الجهوية المتقدمة” إلى “النموذج التنموي الجديد”، ومن “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” إلى الاستراتيجية الإفريقية، كلها مشاريع تحمل توقيع الملك لا توقيع أي رئيس حكومة. مجرد أن يقول أخنوش إن وجوده هو الضامن للثقة يُفهم منه، وبكل وضوح، أن “الدولة” في نظره مجرد غلاف قانوني لـ”استثماراته الخاصة”، وأنه يرى نفسه رأسًا للثقة وامتدادًا لميولاته. وهذا هو مكمن الخطورة، لأن المغرب ليس شركة مساهمة، ولا حكومة ظل يديرها “الباطرون الكبير”، بل دولة لها رمزية ملكية ضاربة في التاريخ، وهي الضامن للاستقرار والثقة المؤسساتية. تصريحات أخنوش التي جاءت بلهجة تحمل تذمرًا واضحًا من “شيطنة” حزب “المصباح” لمجتمع الأعمال، وقوله: “إيلا بقيتو مقابليني هذا راه قريب وهذا عندو علاقة، راه أغلب المقاولين كنعرفهم، ومغادي يخدم حتى واحد فهاذ البلاد بهاذ السياسة ديالكم”، تظهر مدى ابتعاده عن منطق الدولة وتشبثه بمنطق السوق. بل ذهب أبعد من ذلك ليؤكد أن “الإستثمار ماعمرو كان عيب، الإستثمار خاصك تكون راجل ومولاي باش تديرو”، مشيرًا إلى أن الدستور المغربي نص على حرية المبادرة، مردفًا أن أي مواطن يريد أن يستثمر ويدفع بعجلة التنمية إلى الأمام، فمرحبًا به، “إكون خوكم ولا ولد عمك ولا خالتكم، مرحبا بهم”، الأهم أن الأمور تتم بشفافية واحترام المساطر القانونية. هذه اللغة هي ما يؤكد أنه سياسي هاوٍ بلغة رجال الصفقات وتضارب المصالح، يرى في منصب رئاسة الحكومة غنيمة لا مسؤولية تاريخية. ضربة قاصمة لصورة الدولة في الخارج بهذا التصريح، لم يُهن أخنوش نفسه فحسب، بل وجه ضربة مؤلمة لصورة المغرب في الخارج، حين ربط ثقة المستثمرين بحضوره الشخصي، لا بقوة مؤسسات البلاد. فهو بذلك يبعث برسالة خطيرة إلى العالم: أن الاستثمار في المغرب رهين بالوجوه لا بالقوانين و ثقة المؤسسات و الإستقرار الذي تضمنه الملكية، وبالصدفة السياسية لا بالمنظومة المؤسساتية. فهل هذا هو المناخ الذي نبنيه؟ وهل هذه هي الرسالة التي تستحقها المملكة المغربية؟ إن ما قاله أخنوش هو، من حيث لا يدري، تشكيك ضمني في قدرات الدولة على الاستمرار دونه، وكأنه يتخيل أن الاقتصاد الوطني يمكن أن يتوقف بمجرد مغادرته. هذه مفارقة تفضح الأنانية السياسية وعقلية التحكم التي تطغى على سلوكه. وإن كان المستثمر “يأتي لأخنوش”، كما قال، فهل سيغادر البلاد عند أول تعديل حكومي؟ هل سيعيد حساباته بمجرد ما يتم تغييره؟ هذا هو المنطق الذي يُحول الدولة إلى لعبة في يد السياسيين، بدل أن تبقى محصنة خلف شرعية لا تتغير بتغير الوجوه: شرعية الملكية. مغرب الملك لا مغرب الباطرونات المغرب ليس محتاجًا إلى رجال أعمال يُسوّقون أنفسهم كمنقذين. الملك محمد السادس، عبر خطبه ومبادراته، هو من جلب للمملكة الاحترام في المحافل الدولية، وهو من وضع خارطة طريق واضحة للاستثمار والإصلاح والعدالة الاجتماعية. أما أخنوش، فهو رئيس حكومة ببطارية مؤقتة، يخطئ حين يظن أن اسمه هو الضمانة، بينما الضمانة الوحيدة اسمها “المملكة المغربية”. لقد اختار أخنوش أن ينتحر سياسيًا بكلمة واحدة، تكشف هشاشة وعيه السياسي، وتُسقط عنه ما تبقى من وهم القيادة. فبدلاً من أن يقدم نفسه كخادم للمؤسسات وناطق باسم الدولة، ظهر كمن يحتكرها، ويُقنع نفسه بأن المستثمرين جاؤوا لشخصه، لا لمكانة المغرب. في الختام، يجب أن نؤكد أن المستثمرين لا يثقون في أخنوش، بل يثقون في المغرب، في استقراره، في ملكه، وفي مؤسساته. أنت يا أخنوش مجرد عابر في حكومة، مرّ قبلك من مرّ، وسيأتي بعدك من يأتي. أما المملكة، فباقية برمزها، لا بأخطائك.

الثلاثاء، 8 يوليو 2025

ملخص كتاب "تفكيك الأنا وإدراك الذات""

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي 🔶️كتاب "تفكيك الأنا وإدراك الذات" هو دليل فلسفي وروحي يهدف إلى مساعدة القارئ على التحرر من الأوهام التي تصنعها الأنا (Ego)، والوصول إلى حالة من السلام الداخلي والوعي الحقيقي. يستعرض الكتاب كيف تشكل الأنا حاجزًا أمام إدراك الذات الحقيقية، ويقترح وسائل عملية وروحية للتخلص من هذا الحاجز. 🔷️الأفكار الرئيسية 1. الأنا هي الوهم الأكبر الأنا ليست هويتك الحقيقية؛ هي مجرد بناء ذهني قائم على الخوف، الرغبات، والتعلق. الأنا تخلق معاناة الإنسان عبر البحث المستمر عن التقدير والامتلاك والاعتراف. 2. إدراك الذات هو الحقيقة المطلقة الذات الحقيقية تتجاوز حدود العقل والمادة، وهي تعبير عن الوعي الكوني. بمجرد التخلص من الأنا، يمكن للإنسان أن يعيش بسلام داخلي واتصال مع الكون. 3. التعلق والمعاناة التعلق بالأشياء والأفكار هو السبب الجذري للمعاناة. التحرر يحدث عندما تدرك أن السعادة ليست مرتبطة بشيء خارجي، بل بحالة وعيك الداخلي. 4. التسامح كوسيلة للتحرر التسامح لا يعني قبول الأذى، بل التخلي عن الأحقاد التي تغذيها الأنا. من خلال التسامح، تتحرر من قيود الماضي وتبدأ في العيش بحرية. 5. الوعي يرتقي بك الوعي الأعلى يتيح رؤية الأشياء بوضوح، دون تشويه الأنا. التأمل واليقظة يساعدانك في تجاوز حدود الأنا والوصول إلى حالة من السلام العميق. ---------------------- أمثلة من الحياة 🔶️عند خسارة وظيفة، الأنا قد تجعلك تشعر بالفشل والعار، بينما إدراك الذات الحقيقية يجعلك ترى التجربة كفرصة جديدة للنمو. 🔶️عندما تتعرض للنقد، فإن الأنا تدفعك للدفاع أو الهجوم، لكن وعيك يمكن أن يساعدك على فهم النقد دون أن يجعلك أسيرًا لمشاعرك. 🔷️اقتباسات ملهمة من الكتاب 1. "الحرية الحقيقية تبدأ عندما تدرك أن الأنا ليست من أنت." 2. "كلما ارتفع وعيك، قلّت حاجتك للدفاع عن نفسك." 3. "الحقيقة لا تحتاج إلى إثبات؛ هي تُختبر من خلال السكون الداخلي."

الاثنين، 7 يوليو 2025

هل من يصغى قبل فوات الأوان ؟ مدينة سلا أمس نمودجا

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي. ما حدث ليلة أمس في مدينة سلا ، ليس مجرد اشتباكات عابرة بين شباب طائش وقوات الأمن، بل هو مؤشر خطير على ما يمكن أن تنزلق إليه الأمور ، إذا استمرّ تجاهل الأسباب الحقيقية التي تغلي تحت السطح منذ سنوات. ما شهدناه ليلة أمس في سلا ، و قبله بشكل أكبر في الحسيمة ، و غدا لا ندري أين، هو نتيجة مباشرة لفشل جميع الحكومات المتعاقبة، في معالجة الملفات الحيوية : - تعليم عمومي منهار لا ينتج إلا الإحباط - غياب سياسات فعالة لإدماج وتأطير الشباب - انسداد الأفق الاقتصادي وندرة فرص العمل - ثقافة رسمية تقصي الشباب بدل أن تصغي إليهم - الاستثمار في منهج الردع بدل الوقاية والتنمية في بلد يترك فيه آلاف الشباب لمصيرهم في أحياء مهمشة، بلا تكوين، بلا تأطير، بلا أمل، لا يُفترض أن نُفاجأ إذا انفجر الغضب فجأة في الشارع. ما وقع في سلا أمس يمكن أن يقع في أي مدينة أخرى غدًا. الاحتقان واحد، والظروف واحدة، والإهمال مشترك. تكرار الخطاب الأمني وتجاهل الأزمة الاجتماعية هو أقصر طريق للانفجار. لا يمكن مواجهة جيل كامل يشعر أنه بلا مستقبل، بلا صوت، بلا كرامة… بعقليات قديمة وخطط فاشلة. حين يُترك جيل بأكمله على الهامش، يكون الانفجار مسألة وقت لا أكثر. هل من يصغي قبل فوات الأوان ؟

الإرهاب الامريكي : سجل دموي في كتاب البشرية عبر التاريخ

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات في عالمٍ يتشدق فيه الغرب بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة، تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية مشهدًا مروّعًا من الجرائم والعدوان والاحتلال، جعلها بحق الدولة الأكثر تورطًا في إشعال الحروب وإسالة الدماء منذ أن خرجت إلى الوجود قبل نحو مئتين وخمسين عامًا فقط. ومع أن عمر أمريكا لم يتجاوز القرنين ونصف القرن، فإنها قضت أكثر من ثلاثة وتسعين في المئة من تاريخها في حروب دموية وعدوانية، بما يعادل مئتين واثنتين وعشرين سنة من أصل مئتين وخمسين عامًا، ارتكبت خلالها أكثر من تسعين حربًا واعتداء، امتلأت بسجلٍّ مخزٍ من جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والتدخلات العسكرية، والانقلابات السياسية، حتى صارت بحق تمثل أبشع وجه للإرهاب الدولي المنظم تحت ستار الشرعية الدولية وقوة السلاح. بخلاف الشعوب صاحبة الحضارات المتجذرة، فإن الولايات المتحدة لا تملك أصلًا حضاريًا، إذ نشأت على أنقاض إبادة السكان الأصليين من الهنود الحمر، وأُقيمت على جماجمهم، ثم أخذت في تصدير نموذجها الدموي إلى العالم. ومنذ غزوها مدينة درنة الليبية عام 1805، بدأت أمريكا أولى خطواتها نحو الهيمنة الخارجية، فكانت تلك أول أرضٍ تحتلها خارج حدودها، ثم توالت الجرائم. فمن قصف الجزائر عام 1816، إلى احتلال أجزاء واسعة من المكسيك كاليفورنيا وتكساس ونيومكسيكو، إلى تدمير ميناء "غراي تاون" في نيكاراغوا عام 1854، وغزو أورغواي وبنما وهايتي وكولومبيا والدومينيكان، وتدخلات عسكرية في تركيا والصين وروسيا وتشيلي وكوستاريكا وهندوراس والسلفادور والفلبين ولاوس وكوبا، تكاد لا تذكر دولة في أمريكا اللاتينية أو الشرق الآسيوي إلا وكانت مسرحًا لعدوان أمريكي مسلح أو انقلاب دبرته المخابرات المركزية. أما جرائمها في القرن العشرين فقد فاقت كل تصور، بدءًا من إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناجازاكي عام 1945، والتي راح ضحيتها أكثر من 220 ألفًا من الأبرياء، وانتهاءً بحروب كوريا، وفيتنام، وكمبوديا، ولاوس، التي أُبيد فيها الإنسان والنبات والحيوان، وأُسقطت فيها القنابل العنقودية والغازات السامة على رؤوس الفقراء، بذريعة مقاومة الشيوعية. ثم جاءت مرحلة الحرب الباردة، فتورطت أمريكا في إسقاط الحكومات الوطنية المنتخبة كما حدث مع "محمد مصدق" في إيران عام 1953، و"سلفادور الليندي" في تشيلي عام 1973، ودعمت الأنظمة الديكتاتورية التابعة لها، وزرعت الفوضى والانقلابات في كل مكان، من أمريكا الجنوبية إلى الشرق الأوسط. وحين تهاوى الاتحاد السوفييتي، خرجت أمريكا من ظل الحرب الباردة إلى ظلال الحرب الدائمة، فغزت العراق عام 1991، واحتلت الصومال، وقصفت السودان، وشاركت في تفكيك يوغوسلافيا، ثم احتلت أفغانستان عام 2001، والعراق مجددًا عام 2003، بدون تفويض من الأمم المتحدة، بحجة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، ثبت زيفها لاحقًا باعتراف مسؤوليها أنفسهم. دعمت أمريكا الاحتلال الإسرائيلي بكل قوة، سياسيًا وعسكريًا وماليًا، وكانت شريكًا مباشرًا في كل عدوان على الفلسطينيين، بدءًا من غزو بيروت، إلى مجازر غزة المتكررة، وكان آخرها دعمها الصريح والعلني لعدوان الكيان الإسرائيلي على غزة عام 2024، وعدوانه على إيران عام 2025، فضلاً عن تورطها في دعم المليشيات الطائفية في العراق، والجماعات الانفصالية في سوريا، تحت غطاء ما يسمى "مكافحة الإرهاب"، وهو الشعار الذي تحول إلى أداة لتبرير كل أشكال الاحتلال والاستعمار الجديد. ولم تكتفِ أمريكا بإرهاب السلاح، بل مارست إرهابًا اقتصاديًا لا يقل فتكًا، ففرضت حصارًا خانقًا على كوبا، وإيران، وسوريا، وفنزويلا، وتجويعًا ممنهجًا للشعوب الرافضة للهيمنة. كما استغلت هيمنتها على المؤسسات المالية الدولية لفرض عقوبات سياسية وتجارية شلت اقتصادات كاملة. أما إعلامها فكان سلاحًا آخر، يبرر جرائمها، ويزيّف وعي الشعوب، ويخلق من القاتل بطلاً، ومن الضحية مجرمًا، ومن الجلاد رسول سلام. ولعل أخطر أنواع الإرهاب الأمريكي، ذلك الذي يُمارس من داخل مجلس الأمن، تحت غطاء القانون الدولي، باستخدام ما يُسمى بـ"حق النقض" أو "الفيتو"، وهو في حقيقته رخصة أمريكية لتبرير الجرائم ومنع العدالة. لقد حوّلت الولايات المتحدة هذا الحق إلى أداة لفرض سيطرتها على قرارات المجتمع الدولي، خاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، حيث استخدمته أكثر من أربعين مرة لإسقاط قرارات تدين الاحتلال، أو تطالب بحماية المدنيين، أو تقف ضد التوسع الاستيطاني. ففي كل عدوان على غزة، وكل عملية قتل جماعي يرتكبها جيش الاحتلال، تقف أمريكا في مجلس الأمن حارسًا للمجرم، مانعة صدور أي قرار يوقف العدوان أو يحاسب القتلة. كان آخر ذلك في عدوان 2024 على قطاع غزة، حين قتلت إسرائيل آلاف المدنيين، ودمرت البنى التحتية بالكامل، وارتكبت مجازر بشهادة منظمات دولية، ومع ذلك استخدمت أمريكا الفيتو لإجهاض مشروع قرار يطالب بوقف إطلاق النار، في فضيحة أخلاقية وسياسية لا تُغتفر. إن الفيتو الأمريكي بات سلاحًا باردًا بيد القتلة، يشرعن الظلم، ويُجهض القانون الدولي، ويمنح الغزاة حصانة من المحاسبة. إن صمت العالم أمام هذه المهزلة هو الذي شجع أمريكا على التمادي، فباتت تُشعل الحروب وتغذي الاحتلالات وتُسكت القانون الدولي بطلقة فيتو واحدة. ولكن الحقيقة التي لا تغيب، أن الشعوب لا تنسى، والتاريخ لا يُزوَّر إلى الأبد، وأن إرادة الحق ستنتصر يومًا، ولو بعد حين، على إرهاب السياسة وسلاح الفيتو. أمريكا، التي تضع نفسها حكمًا على العالم، هي في الحقيقة الراعي الرسمي للإرهاب، وصاحبة أكبر سجل عدواني عرفه التاريخ الحديث. لا تنشر الديمقراطية، بل تفرض الهيمنة. لا تحارب الإرهاب، بل تصنعه وتموله وتوجهه. إنها دولة لا تعيش إلا على الحروب، ولا تزدهر إلا على حساب دماء الآخرين. إنه تاريخ إجرامي أسود، سيظل عارًا في جبين البشرية إلى قيام الساعة.

الأحد، 6 يوليو 2025

من الغيوان إلى المشاهب الى لرصاد ... حين تحول الرفض إلى تراث


 بقلم : .خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للبحث والتدريب والابتكار والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع.

كانوا ظاهرة قبل أن يكونوا مجرد فرق موسيقية. في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، خرجت مجموعتا ناس الغيوان ولمشاهب من رحم الأحياء الشعبية للدار البيضاء والرباط ولرثاد من حي القصبة الشعبية بمراكش ، حاملة معها صوت الهامش، ووجع المجتمع، وهموم الجيل الذي كان يعيش بين القمع والبحث عن الذات.

■  الغيوان والمشاهب ولرثاد :  موسيقى الاحتجاج والصوفية الشعبية

تميزت تجربة "ناس الغيوان" بطابعها الصوفي المتمرد، وبكلماتها المشحونة بالرموز والرسائل الاجتماعية والسياسية العميقة، فيما تبنت "لمشاهب" أسلوبًا أكثر مباشرة، متأثرة بالنضال النقابي والفكر اليساري، حيث كانت أغانيهم تنتقد الفساد، الفقر، والطبقية.

■  اللباس والهيأة: هوية متكاملة

لم تكن التجربة مجرد غناء، بل كانت مدرسة هوية. ارتدى فنانو الغيوان والمشاهب الجلابيب، والعمامات، والقفاطن البسيطة، مستوحين من اللباس المغربي التقليدي، ليكونوا صوتًا للأصالة في وجه التغريب. أسلوبهم كان تحديًا للموضة الغربية التي بدأت تغزو الشوارع حينها، ما جعل بعض الفئات تصفهم آنذاك بـ"المتخلفين"، أو "دراويش الفن".

■  الرفض والتحامل: ذاكرة الصراع الثقافي

في البداية، لاقت هذه المجموعات رفضًا من فئات محافظة وأخرى نخبوية، اعتبرت غناؤهم "ضجيجًا" لا يرقى إلى الفن، أو "تحريضًا" مغلفًا بالشعر الشعبي. حتى وسائل الإعلام الرسمية همشتهم في البداية، ورقابة السلطة تابعت كلماتهم بحذر، خوفًا من تسلل رسائل احتجاجية إلى الجمهور العريض.

■  من رفض الأمس إلى تراث اليوم

ومع مرور الزمن، أصبح ما رفضه البعض جزءًا من الذاكرة الفنية الجماعية للمغاربة. تُدرّس كلماتهم في المدارس، وتُعاد أعمالهم في المهرجانات، وتُستشهد مقاطعهم في الخطاب السياسي والاجتماعي. بل إن جيل اليوم، وسط زخم "الراب" و"البوب"، يعود إلى "الغيوان" و"المشاهب" بحثًا عن الجذور والأصالة.

■ خلاصة الذي كان يُرفض كفن شعبي مهمّش، صار اليوم تراثًا حيًا. وناس الغيوان ولمشاهب و لرصاد لم يكونوا فقط فرقًا موسيقية، بل حركة ثقافية اجتماعية، عبّرت عن روح أمة في مفترق طرق، لتظل أغانيهم اليوم شاهدة على زمن كان فيه الفن شكلًا من أشكال المقاومة.

الاثنين، 30 يونيو 2025

تهنئة المدير العام للمحطة الطرقية باب دكالة مراكش بمناسبة عيد العرش المجيد

بمناسبة الذكرى 26 لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه الميامين، يتشرف خادم الأعتاب الشريفة : مولاي رشيد عزيزي علوي المدير العام للمحطة الطرقية باب دكالة مراكش أصالة عن نفسه ونيابة عن كافة أعضاء الإدارة المسيرة للمحطة بتقديم فروض الطاعة والولاء اللائقة بالمقام العالي بالله، وبأطيب الأماني وأغلى المتمنيات بالنصر والتمكين راجيا من المولى العلي القدير أن يعيد أمثال هذه الذكرى المجيدة على مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بالعز والتأييد. حفظكم الله يا مولانا بما حفظ به السبع المثاني والقرآن العظيم، وشافاكم من كل داء وأدامكم لهذا الوطن منارا عاليا وسراجا هاديا، وأبقاكم ذخرا وملاذا لهذه الأمة تصونون عزتها وكرامتها، وأقر عيني جلالتكم بولي عهدكم صاحب السمو الملكي الأمير المحبوب مولاي الحسن والأميرة الجليلة للا خديجة وشد عضدكم بصاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي رشيد وبسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة إنه سميع مجيب وبالإجابة جدير . الله ابارك في عمر سيدي امضاء خادم الاعتاب الشريفة مولاي رشيد عزيزي علوي

الأربعاء، 18 يونيو 2025

ثورة الذكاء الاصطناعي وأثرها في الحياة العربية




بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي..

إن الله منح الإنسان العقل وميّزه عن سائر المخلوقات به، وطلب منه في القرآن الكريم أن يتدبّر ويتفكّر ويُعمل عقله، بل جعل العلماء أشد الناس خشيةً لله. وهذا الإنسان الذي وهبه الله الذكاء لإعمار الكون، لم يتوقف عن الاكتشاف والاختراع، فابتكر الآلات والأجهزة ليسهّل بها حياته، حتى وصل إلى اختراع الحاسوب، واستخدمه في كافة مجالات الحياة. ومن ثم استفاد من تراكم ابتكاراته لتنشأ الثورة الصناعية الرابعة، التي ترتكز على الذكاء الاصطناعي باعتباره العقل المفكر الموازي للإنسان.

الذكاء الاصطناعي هو قدرة الآلات والبرمجيات على محاكاة التفكير البشري والتعلّم واتخاذ القرار. لم تكن نشأته وليدة لحظة، بل نتاج مسار طويل بدأ منذ منتصف القرن العشرين، حينما طُرحت فكرة تصميم آلة تفكر. وبتطور الحوسبة، وزيادة قوة المعالجات، وتراكم البيانات الضخمة، انتقل الذكاء الاصطناعي من الورق إلى الواقع، ومن المختبرات إلى تفاصيل الحياة اليومية.

من أبرز العوامل التي ساعدت على نهضته: التقدم الهائل في خوارزميات التعلم العميق، وظهور شبكات الذكاء العصبي، وتوفّر كميات هائلة من البيانات التي تُعد بمثابة الوقود لهذا العقل الجديد، إضافة إلى انخفاض تكلفة التخزين والمعالجة، مما أتاح استخدامه على نطاق واسع. وهكذا، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد حلم، بل واقع يعيد تشكيل كل مناحي الحياة.

يشهد العالم اليوم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة تقودها العقول الإلكترونية، ويأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمة هذه الثورة باعتباره الأداة الأهم في تشكيل مستقبل البشرية. لقد تجاوز مرحلة التجارب ليصبح واقعًا فعليًا يغيّر ملامح حياتنا، من طريقة التعلم إلى نمط العمل، ومن إدارة الحكومات إلى سلوك الأفراد، ومن صنع القرار إلى تحليل البيانات بلغة الآلة. وفي ظل هذا التحول الكاسح، يبرز السؤال: أين نحن كعرب من هذه الثورة؟ وهل نكتفي بالاستهلاك، أم نحلم بدور ريادي؟

الواقع يشير إلى أن العرب ما زالوا في طور الاستخدام أكثر من الابتكار، إلا أن بعض الخطوات الإيجابية بدأت تلوح في الأفق. فمصر مثلًا أنشأت كليات متخصصة في الذكاء الاصطناعي لتخريج أجيال قادرة على صناعة هذه التكنولوجيا، كما بدأت دول عربية أخرى في إطلاق استراتيجيات وطنية، وتخصيص ميزانيات لهذا القطاع الحيوي.

في مجالات التعليم، ظهرت منصات ذكية تتفاعل مع قدرات المتعلم، وتقدم محتوى عربيًا مخصصًا، يُسهم في سد فجوات النظام التقليدي. وفي الصحة، أسهم الذكاء الاصطناعي في التشخيص المبكر، وتحليل الصور الطبية، وتوفير خدمات علاجية للمناطق البعيدة. أما في ريادة الأعمال، فقد باتت الخوارزميات شريكة لرائد الأعمال العربي، توجه قراراته، وتكشف له فرص السوق بدقة متناهية.

ولا يغيب الأثر العميق في الإعلام العربي، حيث تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل التوجهات، وصناعة المحتوى، والتفاعل مع الجمهور، والكشف عن الأخبار المضللة. أصبحت المؤسسات الإعلامية قادرة على إنتاج محتوى أسرع وأكثر اتساقًا، وبات الجمهور يحصل على تجارب إعلامية أكثر تخصيصًا. ورغم هذا، فإن النقص في الكوادر، وتأخر التشريعات، وضعف الاستثمار الرقمي، ما زالت تمثل عقبات في طريق التطور الإعلامي الذكي.

وفي الجانب العسكري، أحدث الذكاء الاصطناعي تحولات جوهرية في طبيعة الحروب، من خلال استخدام الطائرات المسيّرة، والروبوتات القتالية، وأنظمة التتبع والاستهداف الذكية، التي باتت تتحكم في مسار المعارك الحديثة وتعيد رسم خرائط النفوذ والصراعات.

وليس جديدًا على العرب أن يكونوا روادًا حينما يملكون زمام العلم. فقد شهد التاريخ أن العالم العربي، حين شجّع العلماء وأعلى من قيمة العقل، قاد العالم وابتكر. ويكفينا فخرًا أن يكون من بيننا محمد بن موسى الخوارزمي، واضع أسس علم الجبر، ومبتكر مفاهيم اللوغاريتمات التي تقوم عليها برمجة الحاسوب والذكاء الاصطناعي اليوم، حتى إن اسمه اشتُق منه مصطلح "Algorithm" الذي يُعد قلب كل نظام ذكي حديث. كما أن إسماعيل الجزري في القرن الثاني عشر كان رائدًا في ميكانيكا الآلات والروبوتات، فدوّن في كتابه "الحيل الميكانيكية" أكثر من خمسين اختراعًا لآلات ذاتية التشغيل وروبوتات وساعات متقدمة أثرت لاحقًا في الغرب وأسست لعلم الروبوتات الحديث. لقد أخذ الغرب ما أبدعه علماؤنا، وطوّروه، بينما تراجعنا نحن حين أهملنا العقل، وتخلينا عن رسالتنا في الابتكار.

لكن الطريق لم يُغلق. العالم العربي يملك طاقات شابة هائلة، وأسواقًا واعدة، واحتياجات ملحة يمكن أن يحلها الذكاء الاصطناعي. ومع إدراك بعض الحكومات لأهمية هذا التوجه، بدأت تظهر سياسات جادة، واستثمارات في البنية الرقمية، وإنشاء مراكز أبحاث، وكليات جامعية متخصصة، كما في مصر والإمارات والسعودية والمغرب، وغيرها من الدول التي تسعى للحاق بركب المستقبل.

الدعوة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد شعارات تزيّن المؤتمرات، بل صارت طريقًا إجباريًا لكل من أراد البقاء والريادة. الذكاء الاصطناعي ليس خطرًا يُخيف، بل فرصة تُمنح؛ ليس بديلًا عن الإنسان، بل امتدادٌ لعبقريته. والعرب، إن أرادوا، قادرون على أن يكونوا في قلب الثورة لا على هامشها، كما كانوا ذات يوم.