بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي..
إن الله منح الإنسان العقل وميّزه عن سائر المخلوقات به، وطلب منه في القرآن الكريم أن يتدبّر ويتفكّر ويُعمل عقله، بل جعل العلماء أشد الناس خشيةً لله. وهذا الإنسان الذي وهبه الله الذكاء لإعمار الكون، لم يتوقف عن الاكتشاف والاختراع، فابتكر الآلات والأجهزة ليسهّل بها حياته، حتى وصل إلى اختراع الحاسوب، واستخدمه في كافة مجالات الحياة. ومن ثم استفاد من تراكم ابتكاراته لتنشأ الثورة الصناعية الرابعة، التي ترتكز على الذكاء الاصطناعي باعتباره العقل المفكر الموازي للإنسان.
الذكاء الاصطناعي هو قدرة الآلات والبرمجيات على محاكاة التفكير البشري والتعلّم واتخاذ القرار. لم تكن نشأته وليدة لحظة، بل نتاج مسار طويل بدأ منذ منتصف القرن العشرين، حينما طُرحت فكرة تصميم آلة تفكر. وبتطور الحوسبة، وزيادة قوة المعالجات، وتراكم البيانات الضخمة، انتقل الذكاء الاصطناعي من الورق إلى الواقع، ومن المختبرات إلى تفاصيل الحياة اليومية.
من أبرز العوامل التي ساعدت على نهضته: التقدم الهائل في خوارزميات التعلم العميق، وظهور شبكات الذكاء العصبي، وتوفّر كميات هائلة من البيانات التي تُعد بمثابة الوقود لهذا العقل الجديد، إضافة إلى انخفاض تكلفة التخزين والمعالجة، مما أتاح استخدامه على نطاق واسع. وهكذا، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد حلم، بل واقع يعيد تشكيل كل مناحي الحياة.
يشهد العالم اليوم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة تقودها العقول الإلكترونية، ويأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمة هذه الثورة باعتباره الأداة الأهم في تشكيل مستقبل البشرية. لقد تجاوز مرحلة التجارب ليصبح واقعًا فعليًا يغيّر ملامح حياتنا، من طريقة التعلم إلى نمط العمل، ومن إدارة الحكومات إلى سلوك الأفراد، ومن صنع القرار إلى تحليل البيانات بلغة الآلة. وفي ظل هذا التحول الكاسح، يبرز السؤال: أين نحن كعرب من هذه الثورة؟ وهل نكتفي بالاستهلاك، أم نحلم بدور ريادي؟
الواقع يشير إلى أن العرب ما زالوا في طور الاستخدام أكثر من الابتكار، إلا أن بعض الخطوات الإيجابية بدأت تلوح في الأفق. فمصر مثلًا أنشأت كليات متخصصة في الذكاء الاصطناعي لتخريج أجيال قادرة على صناعة هذه التكنولوجيا، كما بدأت دول عربية أخرى في إطلاق استراتيجيات وطنية، وتخصيص ميزانيات لهذا القطاع الحيوي.
في مجالات التعليم، ظهرت منصات ذكية تتفاعل مع قدرات المتعلم، وتقدم محتوى عربيًا مخصصًا، يُسهم في سد فجوات النظام التقليدي. وفي الصحة، أسهم الذكاء الاصطناعي في التشخيص المبكر، وتحليل الصور الطبية، وتوفير خدمات علاجية للمناطق البعيدة. أما في ريادة الأعمال، فقد باتت الخوارزميات شريكة لرائد الأعمال العربي، توجه قراراته، وتكشف له فرص السوق بدقة متناهية.
ولا يغيب الأثر العميق في الإعلام العربي، حيث تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل التوجهات، وصناعة المحتوى، والتفاعل مع الجمهور، والكشف عن الأخبار المضللة. أصبحت المؤسسات الإعلامية قادرة على إنتاج محتوى أسرع وأكثر اتساقًا، وبات الجمهور يحصل على تجارب إعلامية أكثر تخصيصًا. ورغم هذا، فإن النقص في الكوادر، وتأخر التشريعات، وضعف الاستثمار الرقمي، ما زالت تمثل عقبات في طريق التطور الإعلامي الذكي.
وفي الجانب العسكري، أحدث الذكاء الاصطناعي تحولات جوهرية في طبيعة الحروب، من خلال استخدام الطائرات المسيّرة، والروبوتات القتالية، وأنظمة التتبع والاستهداف الذكية، التي باتت تتحكم في مسار المعارك الحديثة وتعيد رسم خرائط النفوذ والصراعات.
وليس جديدًا على العرب أن يكونوا روادًا حينما يملكون زمام العلم. فقد شهد التاريخ أن العالم العربي، حين شجّع العلماء وأعلى من قيمة العقل، قاد العالم وابتكر. ويكفينا فخرًا أن يكون من بيننا محمد بن موسى الخوارزمي، واضع أسس علم الجبر، ومبتكر مفاهيم اللوغاريتمات التي تقوم عليها برمجة الحاسوب والذكاء الاصطناعي اليوم، حتى إن اسمه اشتُق منه مصطلح "Algorithm" الذي يُعد قلب كل نظام ذكي حديث. كما أن إسماعيل الجزري في القرن الثاني عشر كان رائدًا في ميكانيكا الآلات والروبوتات، فدوّن في كتابه "الحيل الميكانيكية" أكثر من خمسين اختراعًا لآلات ذاتية التشغيل وروبوتات وساعات متقدمة أثرت لاحقًا في الغرب وأسست لعلم الروبوتات الحديث. لقد أخذ الغرب ما أبدعه علماؤنا، وطوّروه، بينما تراجعنا نحن حين أهملنا العقل، وتخلينا عن رسالتنا في الابتكار.
لكن الطريق لم يُغلق. العالم العربي يملك طاقات شابة هائلة، وأسواقًا واعدة، واحتياجات ملحة يمكن أن يحلها الذكاء الاصطناعي. ومع إدراك بعض الحكومات لأهمية هذا التوجه، بدأت تظهر سياسات جادة، واستثمارات في البنية الرقمية، وإنشاء مراكز أبحاث، وكليات جامعية متخصصة، كما في مصر والإمارات والسعودية والمغرب، وغيرها من الدول التي تسعى للحاق بركب المستقبل.
الدعوة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد شعارات تزيّن المؤتمرات، بل صارت طريقًا إجباريًا لكل من أراد البقاء والريادة. الذكاء الاصطناعي ليس خطرًا يُخيف، بل فرصة تُمنح؛ ليس بديلًا عن الإنسان، بل امتدادٌ لعبقريته. والعرب، إن أرادوا، قادرون على أن يكونوا في قلب الثورة لا على هامشها، كما كانوا ذات يوم.