بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي.
"كان هذا الكراس بمثابة مدخل لباقي الكراسات التي ستليه، إلا أنه يستمد أهميته بما اختص بمناقشته وهو موضوع الدولة في علاقتها بالاقتصاد؛ هذه العلاقة التي كاد الوقوف عندها ينعدم في درسنا الجامعي. وتلك مأساة معرفية أخرى يعانيها الدرس الدستوري والسياسي والقانوني عموما. لقد طغت التعريفات الشكلية، حتى كادت تختفي فيها الدولة كظاهرة اجتماعية، ك"جهاز وإيديولوجيا" للسيطرة اقتصاديا واجتماعيا، لممارسة نوع من التنظيم وفق "تقسيم اجتماعي للعمل". لا يعني هذا إهمال الشكل، فسيرى القارئ الأهمية التي أوليناه إياها عند حديثنا عن "الدولة في بنيتها الفوقية" وفي "علاقتها بالاقتصاد"؛ ما نقصده هو أن الدرس السياسي والدستوري أصبح مفتقرا لما أخرج الدولة من الحيز الاقتصادي والاجتماعي، بل والأنثروبولوجي والتاريخي، لدراستها.
إن هذا الإفقار ليس عربيا فحسب، وإنما هو إفقار عالمي يخفي ما يعتمل تحت "الوجود السياسي للدولة" من "وجود اجتماعي" فيه تتجلى مصالح طبقاتها وفئاتها وكتلها الاجتماعية. التعريفات "الأرسطية"، الصورية والشكلانية، تخفي التناقضات الاجتماعية في الدولة، تُبعد النقاش عن عمقها الذي هو أساس نشأتها وتطورها عبر التاريخ. وهنا يجب أن نتساءل: كيف للطلاب والباحثين أن يعرفوا حقيقة الدولة وقد اكتفوا بحفظ "تعاريف صورية" تهمل "الوجود الاقتصادي والاجتماعي" للدولة بما هو أساس لنشأتها وتطورها؟ هناك من سيحتج باستقلال القانون الدستوري وعلم السياسة بمنهجيهما في البحث والدراسة، ونحن نتساءل استنكارا: كيف تستقل الدولة عن حقيقتها؟! كيف لتخصصاتٍ أن تفرض نموذجها الأحادي في دراسة ظاهرة معقدة، وهذا دون الحديث عن أساس التحيز لنموذج أحادي بعينه دون نماذج أخرى أكثر تركيبا؟! النقاش هنا ليس معرفيا فحسب، وحسبنا أن نكتفي بإثارة القضايا المعرفية، لعل النخب تهتدي إلى الوعي بالظواهر على حقيقتها، أي في عمقها وباطنها. "فلو كان كل شيء ظاهرا لا باطن له لما احتيج إلى علم" كما يقول كارل ماركس".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق