بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي.
المتأمل في السياسة الأمريكية والإسرائيلية، خاصة منذ ولاية دونالد ترامب، يدرك أن الولايات المتحدة ماضية بإصرار في مشروعها العالمي للهيمنة، لا عبر القوة العسكرية وحدها، بل باستخدام أدوات الاقتصاد، والتحالفات، والمؤسسات الدولية، والدعم غير المحدود لإسرائيل، تلك الذراع التي تمدها واشنطن في قلب الشرق الأوسط لتنفيذ رغباتها وتأمين مصالحها.
وفي ظل هذا المشهد العالمي المتشابك، تزداد نذر الحرب العالمية الثالثة وضوحًا. فالتصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران لم يعد مجرد تهديدات، بل تحول إلى مواجهات مباشرة. ففي 13 يونيو 2025، شنت إسرائيل ضربات واسعة على منشآت نووية وعسكرية داخل إيران، ووصفتها طهران بأنها "عدوان سافر" و"إعلان حرب"، بينما اعتبرت تل أبيب ما فعلته "دفاعًا استباقيًا مشروعًا".
وعلى الفور، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة بناءً على طلب إيران. وكالعادة، لم تخرج الجلسة بأي قرار أو بيان مشترك، إذ انقسم العالم مجددًا إلى محورين. الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا والأرجنتين دعمت حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، فيما أدانت روسيا والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا والجزائر وفنزويلا هذا الهجوم، ودعت إلى ضبط النفس واحترام السيادة. الانقسام الحاد داخل المجلس يعكس عجز الأمم المتحدة، ويؤكد أنها لم تعد مؤسسة لحفظ الأمن، بل أداة تتقاذفها مصالح الكبار.
المشهد الدولي اليوم بات واضحًا في خطوطه العامة؛ هناك محور غربي يدعم إسرائيل بلا حدود، ويضم الولايات المتحدة كقائد فعلي، ومعها بريطانيا وفرنسا وألمانيا التي تتبنى مواقف رمادية لكنها تبرر الضربات الإسرائيلية. وإلى جانبهم الهند وأستراليا، اللتان تلتزمان الصمت الرسمي لكن ميولهما واضحة تجاه التحالف الغربي.
في المقابل، هناك محور آخر يرفض الضربات الإسرائيلية، ويقف إما مع إيران أو مع مبدأ السيادة والاستقلال، ويضم روسيا حليف إيران الإستراتيجي، والصين التي تحذر من الاعتداءات على السيادة، إلى جانب دول أخرى كالبرازيل، جنوب أفريقيا، الجزائر، العراق، سوريا، اليمن، وفنزويلا، التي أبدت تعاطفًا مع طهران أو أدانت الهجوم بوضوح.
وسط هذا الانقسام العالمي، يظهر الموقف العربي باهتًا ومفككًا كعادته. فالدول العربية، بدلًا من اتخاذ موقف موحّد لحماية سيادتها، اكتفت بالشجب والتنديد. بل إن ما يثير القلق هو أن بعض هذه الدول سمحت – دون إعلان رسمي – بمرور الطائرات والصواريخ الإسرائيلية عبر أجوائها، بينما تسقط الصواريخ الإيرانية عبر دفاعاتها بحجة اختراق مجالها الجوي . هذا الانحياز الضمني، أو الخضوع للمصالح الأمريكية، يجعل من هذه الدول طرفًا غير معلن في الصراع، ويعرضها لاستهداف محتمل، ويجعل أراضيها ومجالها الجوي أدوات في صراع لا تملك فيه قرارًا.
التساؤل المؤلم: هل تُغلق الأجواء في وجه الجميع كما تقتضي السيادة؟ أم أنها مفتوحة لطرف دون آخر؟ وهل أصبحت بعض العواصم العربية مجرد معابر آمنة لطائرات الحلفاء، بينما تُمنع فيها كلمة أو موقف يخالف الرغبة الأمريكية؟
إن ضعف القرار العربي ليس جديدًا، لكنه هذه المرة مكلف. فالعالم يسير نحو تصعيد واسع لا يشبه الحروب التقليدية. الحرب الروسية الأوكرانية ما زالت تستنزف الجميع، والصراع في بحر الصين الجنوبي على وشك الاشتعال، والانقسام الدولي بلغ ذروته، والاقتصاد العالمي يترنح، ومجلس الأمن عاجز تمامًا.
لم يعد ما نراه مقدمات حرب، بل يبدو أننا نعيش بالفعل بدايات حرب عالمية ثالثة بأسلوب جديد ومتعدد الجبهات، حربٌ تُخاض بالوكالة تارة، وبالاستنزاف الاقتصادي تارة أخرى، وبالتحريض الإعلامي والسيبراني من جهة ثالثة.
ويبقى السؤال الحرج: هل تملك الدول العربية والإسلامية خطة لحماية سيادتها واستقلال قرارها؟ أم أنها، كالعادة، ستدفع الثمن الأكبر في معركة ليست طرفًا فيها، لكنها ستكون أرضًا لها وضحية لها، وهي غارقة في وهم الحياد، أو وهم الشراكة مع قوى لن تراها يومًا نِدًّا أو حليفًا؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق