بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي.
حين وطئت أقدام كريستوفر كولومبوس جزر البهاما سنة 1492، لم يكن ذلك "اكتشافًا" كما يُروّج له كما نسبوا لأنفسهم العديد من الاكتشافات الإسلامية، بل كان بداية لأبشع صفحة في تاريخ البشرية: صفحة دُوِّنت بالدم، ومُزِّقت فيها أرواح شعوب بأكملها على مذبح الطمع، وتحت صليب الاستعمار.
لقد استقبله سكان تلك الجزر – وخاصة شعب التاينو – بترحاب نادر. كانوا كرماء، مسالمين، يُهدون الزائر الغريب ما يملكون من قطن، وذهب، وفاكهة. لم يعرفوا الحديد، ولا السلاح، ولا الخيانة. فتحوا له صدورهم، فغرز فيها خنجره الخائن.
اعترف كولومبوس في يومياته: "لا نحتاج لأكثر من خمسين رجلاً لإخضاعهم وإجبارهم على فعل ما نريد."، ولم تكن هذه مجرد ملاحظة، بل كانت خطة إبادة شاملة لشعب أعزل احترمه ورحب به كما فعل الفلسطينيون باليهود قديمًا.
لقد استعبدوا الأطفال، واغتصبوا النساء، وأرسلوا الآلاف منهم كعبيد إلى أوروبا كما فعلوا بسكان أفريقيا الذين احتلوا بلادهم، وأحرقوا منازل القرويين كما يفعل اليهود اليوم بمنازل الفلسطينيين، وعلّقوا من يقاوم في الهواء عبرةً للباقين . من تأخر في جمع الذهب منهم قُطعت يده أو أُزهقت روحه. من هرب، طاردوه كما يُطارد الطريد في البرية.
بل إن بعض الجنود الإسبان – كما شهد الراهب الإسباني بارتولومي دي لاس كاساس – كانوا يرمون الأطفال الرضّع في الهواء ويشقّونهم بالسيوف للتسلية كما يفعل الآن بأطفال ونساء غزة.
ولم تكن المجازر وحدها سلاح الغرب، بل جاءت أوروبا بأمراضها: الجدري، الحصبة، الإنفلونزا. لم تكن شعوب الكاريبي تعرفها، فحصدتها كما تحصد الريح الرماد. تراجعت أعداد السكان الأصليين بنسبة 90% خلال أقل من قرن. مئات القبائل اندثرت كما محيت اسر وقبائل كاملة في فلسطين وغزة، ولغات سكتت، وحضارات مثل الأزتك والمايا والإنكا دُمرت بالنار والصلبان.
لكن قبل كولومبوس، كان هناك من وصل إلى تلك الأرض... من المسلمين.وهم البحارة الأندلسيون ؛الفاتحون المنسيون
حيث تشير دراسات وبحوث معاصرة إلى أن بحارة مسلمين من الأندلس – ومنهم من كان يتحدث العربية والبربرية – أبحروا من شواطئ غرب إفريقيا والمغرب الأقصى عبر المحيط الأطلسي، ووصلوا إلى سواحل القارة الأمريكية قبل كولومبوس بقرون. وقد اعترف كولومبوس نفسه في رسائله بأنه وجد شعوبًا تستخدم كلمات عربية، وأن بعض السكان الأصليين عرفوا القطن والتقاليد الإسلامية. بل إن الخرائط التي استخدمها في رحلته كانت مستندة إلى خرائط عربية أندلسية.
إذن، لم تكن أمريكا "أرضًا مجهولة"، بل كانت موطئًا لقدَم المسلم قبل قدم الغربي المستعمر. ولكن الفارق كبير بين من يزور ليعرّف، ومن يأتي ليُبيد.
من الكاريبي إلى العراق... ومن التاينو إلى فلسطين
المشهد يتكرر، وإن تبدّلت الأسماء. فكما استُبيحت أراضي أمريكا وسُرقت ثرواتها وذُبحت شعوبها، كذلك كان الحال في العراق: بلد الحضارة والتاريخ، الذي دُمر باسم "الديمقراطية"، فقُتل مئات الآلاف، ونُهبت آثاره، وأُحرقت مكتباته، وسُحقت هويته.
والآن، فلسطين.
فلسطين اليوم هي التاينو الأمس. شعبٌ أعزل، يُحاصر، يُقتل، يُجوع، يُقصف، وتُسرق أرضه أمام أعين العالم. وكما احتفل الغرب بكولومبوس "المكتشف"، يحتفل اليوم بمن يغتصب الأرض ويُقيم عليها دولته المزيفة. وكما علّقوا أبناء التاينو على الأشجار، يُعلق اليوم أطفال غزة تحت الأنقاض.
إنها الحضارة الغربية حين تخلع قناعها: سيف بيد وسوط في الأخرى. لا تأتي بالأنوار كما تدّعي، بل بالحديد والنار. تُبيد الشعوب ثم تكتب التاريخ على هواها، تمجّد الجلاد وتُخرس صوت الضحية.
من يحمل الشعلة؟
في زمن تشوّه فيه الحق، وبات القاتل هو "المكتشف" والمغتصب هو "البطل"، لا بد أن نستعيد الحقيقة، لا لنبكي على الأطلال، بل لنعرف أننا لسنا أول من يُستهدف، ولن نكون الأخير.
ما حدث في الكاريبي والعراق، وما يحدث اليوم في فلسطين، هو استمرار لنفس المشروع: مشروع استعمار واستعلاء، يلبس ثوب الحضارة لكنه يطعن باسم الدين والثقافة.
فلنُسمّ الأمور بأسمائها:
– كولومبوس مجرم إبادة لا مكتشف.
– استعباد شعوب أمريكا جريمة لا "حضارة".
– ما جرى في العراق احتلال لا "تحرير".
– وما يحدث في فلسطين اليوم… هو تطهير عرقي، وصمت العالم عليه شراكة في الجريمة.
-ترامب ونتنياهو قتلة لشعب مسالم وزعماء العالم متفرجون
- كل منظمات العالم الحقوقية والقانونية خرساء في مواجهة الظالم القوى.
فلنتذكّر دومًا: الحضارات تُبنى حين يحترم الإنسان أخاه، لا حين يسحقه تحت أقدامه. ومن لا يتعلّم من التاريخ، يظلّ يعيد مآسيه بثوبٍ جديد.







