بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
لم يعد دخول الفنانين إلى المعترك السياسي في المغرب مجرد ظاهرة عابرة أو مادة للتندر، بل أصبح معطى بنيوياً يتكرر مع كل استحقاق انتخابي. فمنذ عقود، فتحت الأحزاب أبوابها لوجوه فنية معروفة، مستثمرةً ما تمتلكه من رصيد جماهيري، في محاولة لتعزيز حضورها الانتخابي. غير أن هذه الظاهرة تطرح أسئلة عميقة حول حدود المشروعية الديمقراطية، ومدى قدرة “الرأسمال الرمزي” على التحول إلى أداء سياسي فعّال داخل المؤسسات المنتخبة.
أولاً: سياق الظاهرة – من الاستثناء إلى التكرار
شهدت الانتخابات التشريعية والجماعية، خاصة في محطة 2021، حضوراً لافتاً لفنانين وممثلين ضمن لوائح عدد من الأحزاب في مدن كبرى مثل مراكش، الدار البيضاء وفاس. هذا التوجه لا ينفصل عن تحولات أعمق في الحقل السياسي المغربي، حيث تسعى الأحزاب إلى تجديد نخبها واستقطاب فئات قادرة على التأثير في الرأي العام، في ظل تراجع الثقة في السياسي التقليدي.
وتؤكد تقارير إعلامية وطنية، من بينها ما نشرته مؤسسات صحفية كـهسبريس والعمق المغربي خلال تغطيتها لانتخابات 2021، أن عدداً من الأحزاب اعتمدت بشكل واضح على أسماء فنية ضمن استراتيجيتها التواصلية والانتخابية، معتبرة أن حضورها يرفع من نسبة التفاعل الجماهيري ويزيد من حظوظ الفوز.
ثانياً: “الرأسمال الرمزي” كأداة انتخابية
يندرج ترشيح الفنانين ضمن ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ“الرأسمال الرمزي”، أي ذلك الرصيد غير المادي المرتبط بالشهرة والقبول الاجتماعي. فالفنان، بحكم حضوره الإعلامي وقربه من الجمهور، يمتلك قدرة على التأثير تفوق أحياناً خطاب السياسي التقليدي.
لكن هذا الرأسمال يظل ذا طبيعة مزدوجة:
إيجابي حين يُستثمر في تعزيز المشاركة السياسية وتقريب المواطن من الفعل الديمقراطي.
سلبي حين يتحول إلى مجرد أداة تسويقية تفرغ العملية الانتخابية من مضمونها البرامجي.
ثالثاً: التجربة المغربية بين النجاح والإخفاق
لا يمكن تعميم حكم واحد على تجربة الفنانين في السياسة بالمغرب. فقد أفرزت الممارسة حالتين متباينتين:
نماذج ناجحة نسبياً:
بعض الفنانين الذين ولجوا المؤسسات المنتخبة أبانوا عن التزام ملحوظ، سواء عبر حضورهم في الدورات أو دفاعهم عن قضايا الثقافة والفن، مستفيدين من خبرتهم الميدانية.
نماذج محدودة الأداء:
في المقابل، كشفت تقارير تتبع الأداء البرلماني والجماعي (كما تنشرها جمعيات مدنية مهتمة بالحكامة) عن ضعف مساهمة بعض المنتخبين من خلفيات فنية، خاصة في ما يتعلق بالحضور، والمبادرة التشريعية، والترافع داخل اللجان.
وقد عكست نتائج انتخابات 2021 نوعاً من “العقاب الانتخابي”، حيث لم تنجح بعض الأسماء الفنية المعروفة في إعادة كسب ثقة الناخبين، في مقابل صعود مرشحين اشتغلوا ميدانياً وقدموا برامج واضحة.
رابعاً: مسؤولية الأحزاب – بين التأطير والاستثمار الانتخابي
الإشكال لا يرتبط بالفنان كفرد، بل بطبيعة الاختيارات الحزبية. فعدد من الأحزاب تتعامل مع الفنانين كـ“واجهة انتخابية” دون توفير التكوين السياسي والمؤسساتي اللازم.
في المقابل، تبرز تجارب محدودة لأحزاب راهنت على التأطير والتكوين، عبر إدماج مرشحيها—بمن فيهم الفنانون—في دورات تدريبية حول التدبير المحلي، قراءة الميزانيات، وآليات الترافع.
هذا التفاوت يعكس غياب استراتيجية موحدة لتأهيل النخب الجديدة، ويطرح سؤالاً حول مدى جدية الأحزاب في تجديد نخبها، مقابل الاكتفاء بمنطق الربح الانتخابي السريع.
خامساً: الناخب المغربي وتحول الوعي الانتخابي
تشير الممارسات الانتخابية الأخيرة إلى تطور نسبي في سلوك الناخب المغربي، الذي أصبح أكثر ميلاً إلى تقييم الأداء بدل الانبهار بالشهرة.
ففي ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد من السهل إخفاء ضعف الأداء أو الغياب عن العمل المؤسساتي، ما يعزز من آليات المحاسبة غير الرسمية.
سادساً: حدود الانتقال من الفن إلى السياسة
رغم امتلاك الفنان لمهارات تواصلية مهمة—كالإلقاء، التأثير، وإدارة الجمهور—إلا أن العمل السياسي يتطلب كفاءات إضافية، من بينها:
فهم التشريعات والنصوص القانونية
القدرة على التفاوض وبناء التحالفات
الإلمام بتقنيات إعداد وتتبع الميزانيات
الصبر في تدبير ملفات معقدة وطويلة الأمد
وهي مهارات لا تُكتسب بالضرورة عبر التجربة الفنية، بل تحتاج إلى تكوين وممارسة مستمرة داخل الحقل السياسي.
خ دج
إن حضور الفنانين في السياسة المغربية ليس ظاهرة سلبية في حد ذاته، بل يمكن أن يشكل قيمة مضافة إذا ما تم تأطيره ضمن رؤية ديمقراطية قائمة على الكفاءة والمساءلة. غير أن تحويل الشهرة إلى أداة انتخابية دون مضمون يهدد بتقويض الثقة في المؤسسات.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست فضاءً للتمثيل الرمزي فقط، بل مجالٌ للتدبير العمومي وخدمة الصالح العام. ومن يختار دخولها، أياً كانت خلفيته، مطالب بالانتقال من منطق “الأداء الفني” إلى منطق “المسؤولية العمومية”، حيث لا مكان للأدوار المؤقتة، بل للحصيلة والإنجاز.