السبت، 2 مايو 2026

مراكش بين حزب الاستقلال و"الجرار": هل نحن أمام إعادة رسم للخريطة السياسية؟

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لطالما شكلت مدينتا مراكش وفاس معقلين تاريخيين لحزب حزب الاستقلال، حيث ارتبط حضورهما بنخب سياسية وازنة، وشبكات تنظيمية متجذرة، ورصيد نضالي يعود إلى مرحلة الحركة الوطنية. غير أن المتتبعين للشأن المحلي خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص في مراكش، يلاحظون تحولات لافتة تطرح أكثر من علامة استفهام حول موقع الحزب ودوره، بل وحول استراتيجيته السياسية على المستوى الترابي.

في هذا السياق، يطفو على السطح تساؤل جوهري: هل تراجع حزب الاستقلال طواعية عن مراكش لصالح حزب الأصالة والمعاصرة، المعروف اختصاراً بـ"الجرار"، أم أن الأمر يتعلق بإخفاق تنظيمي داخلي لا غير؟

إقصاء الكفاءات أم إعادة ترتيب البيت الداخلي؟

تُوجَّه انتقادات متزايدة لقيادة الحزب، وعلى رأسها الأمين العام نزار بركة، بخصوص ما يعتبره البعض "إقصاءً ممنهجاً" لعدد من الوجوه الاستقلالية التي راكمت تجربة سياسية وانتخابية مهمة داخل مدينة مراكش. هذه الكوادر، التي كان يُعوَّل عليها لاستعادة التوازن داخل المشهد المحلي، وجدت نفسها خارج دوائر القرار، وهو ما انعكس سلباً على حضور الحزب ميدانياً وانتخابياً.

ويرى مراقبون أن هذا الوضع لا يمكن فصله عن اختيارات مركزية قد تكون مبنية على حسابات تتجاوز المحلي، وربما ترتبط بتوازنات وطنية أو تحالفات غير معلنة.

هل هناك "تقاسم نفوذ" غير معلن؟

من بين الفرضيات التي يتم تداولها في الأوساط السياسية والإعلامية، فكرة وجود نوع من "التوزيع الجغرافي" غير الرسمي بين الأحزاب الكبرى، حيث يتم تركيز الجهود في مناطق معينة مقابل التنازل الضمني عن أخرى. ورغم غياب أي تأكيد رسمي، فإن ما يحدث في مراكش يعطي انطباعاً بوجود فراغ سياسي استغلّه حزب الأصالة والمعاصرة لتعزيز موقعه.

غير أن هذا الطرح يظل محل جدل، إذ يعتبره البعض تبسيطاً مفرطاً لمعادلات معقدة، في حين يراه آخرون تفسيراً واقعياً لما يجري على الأرض.

أزمة ثقة أم خلل استراتيجي؟

ما يزيد من تعقيد الوضع هو تراجع ثقة جزء من القاعدة الانتخابية في قدرة حزب الاستقلال على تجديد نخبته وتقديم بدائل مقنعة. فالحزب، الذي كان يُنظر إليه كمدرسة سياسية عريقة، بات مطالباً اليوم بإعادة تقييم اختياراته التنظيمية، خاصة في المدن التي شكلت تاريخياً خزانه الانتخابي.

وفي مراكش تحديداً، يبدو أن غياب رؤية واضحة، أو على الأقل غياب التواصل حول هذه الرؤية، فتح الباب أمام التأويلات والتساؤلات.

إلى أين يتجه حزب الاستقلال في مراكش؟

المؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فإما أن ينجح الحزب في استعادة توازنه عبر إعادة الاعتبار لكفاءاته المحلية وتفعيل هياكله التنظيمية، أو يواصل فقدان موقعه لصالح منافسين أكثر حضوراً واستعداداً.

في النهاية، ما يجري في مراكش ليس مجرد شأن محلي، بل مؤشر على تحولات أعمق داخل المشهد الحزبي المغربي، حيث لم تعد الرمزية التاريخية كافية لضمان الاستمرارية، بل أصبح الرهان الحقيقي هو القدرة على التجدد، والإنصات، والتأقلم مع متغيرات الواقع السياسي.

الجمعة، 1 مايو 2026

الفنان في السياسة بالمغرب: بين شرعية التمثيل الشعبي وحدود “رأسمال الشهرة”

 





بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
لم يعد دخول الفنانين إلى المعترك السياسي في المغرب مجرد ظاهرة عابرة أو مادة للتندر، بل أصبح معطى بنيوياً يتكرر مع كل استحقاق انتخابي. فمنذ عقود، فتحت الأحزاب أبوابها لوجوه فنية معروفة، مستثمرةً ما تمتلكه من رصيد جماهيري، في محاولة لتعزيز حضورها الانتخابي. غير أن هذه الظاهرة تطرح أسئلة عميقة حول حدود المشروعية الديمقراطية، ومدى قدرة “الرأسمال الرمزي” على التحول إلى أداء سياسي فعّال داخل المؤسسات المنتخبة.
أولاً: سياق الظاهرة – من الاستثناء إلى التكرار
شهدت الانتخابات التشريعية والجماعية، خاصة في محطة 2021، حضوراً لافتاً لفنانين وممثلين ضمن لوائح عدد من الأحزاب في مدن كبرى مثل مراكش، الدار البيضاء وفاس. هذا التوجه لا ينفصل عن تحولات أعمق في الحقل السياسي المغربي، حيث تسعى الأحزاب إلى تجديد نخبها واستقطاب فئات قادرة على التأثير في الرأي العام، في ظل تراجع الثقة في السياسي التقليدي.
وتؤكد تقارير إعلامية وطنية، من بينها ما نشرته مؤسسات صحفية كـهسبريس والعمق المغربي خلال تغطيتها لانتخابات 2021، أن عدداً من الأحزاب اعتمدت بشكل واضح على أسماء فنية ضمن استراتيجيتها التواصلية والانتخابية، معتبرة أن حضورها يرفع من نسبة التفاعل الجماهيري ويزيد من حظوظ الفوز.
ثانياً: “الرأسمال الرمزي” كأداة انتخابية
يندرج ترشيح الفنانين ضمن ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ“الرأسمال الرمزي”، أي ذلك الرصيد غير المادي المرتبط بالشهرة والقبول الاجتماعي. فالفنان، بحكم حضوره الإعلامي وقربه من الجمهور، يمتلك قدرة على التأثير تفوق أحياناً خطاب السياسي التقليدي.
لكن هذا الرأسمال يظل ذا طبيعة مزدوجة:
إيجابي حين يُستثمر في تعزيز المشاركة السياسية وتقريب المواطن من الفعل الديمقراطي.
سلبي حين يتحول إلى مجرد أداة تسويقية تفرغ العملية الانتخابية من مضمونها البرامجي.
ثالثاً: التجربة المغربية بين النجاح والإخفاق
لا يمكن تعميم حكم واحد على تجربة الفنانين في السياسة بالمغرب. فقد أفرزت الممارسة حالتين متباينتين:
نماذج ناجحة نسبياً:
بعض الفنانين الذين ولجوا المؤسسات المنتخبة أبانوا عن التزام ملحوظ، سواء عبر حضورهم في الدورات أو دفاعهم عن قضايا الثقافة والفن، مستفيدين من خبرتهم الميدانية.
نماذج محدودة الأداء:
في المقابل، كشفت تقارير تتبع الأداء البرلماني والجماعي (كما تنشرها جمعيات مدنية مهتمة بالحكامة) عن ضعف مساهمة بعض المنتخبين من خلفيات فنية، خاصة في ما يتعلق بالحضور، والمبادرة التشريعية، والترافع داخل اللجان.
وقد عكست نتائج انتخابات 2021 نوعاً من “العقاب الانتخابي”، حيث لم تنجح بعض الأسماء الفنية المعروفة في إعادة كسب ثقة الناخبين، في مقابل صعود مرشحين اشتغلوا ميدانياً وقدموا برامج واضحة.
رابعاً: مسؤولية الأحزاب – بين التأطير والاستثمار الانتخابي
الإشكال لا يرتبط بالفنان كفرد، بل بطبيعة الاختيارات الحزبية. فعدد من الأحزاب تتعامل مع الفنانين كـ“واجهة انتخابية” دون توفير التكوين السياسي والمؤسساتي اللازم.
في المقابل، تبرز تجارب محدودة لأحزاب راهنت على التأطير والتكوين، عبر إدماج مرشحيها—بمن فيهم الفنانون—في دورات تدريبية حول التدبير المحلي، قراءة الميزانيات، وآليات الترافع.
هذا التفاوت يعكس غياب استراتيجية موحدة لتأهيل النخب الجديدة، ويطرح سؤالاً حول مدى جدية الأحزاب في تجديد نخبها، مقابل الاكتفاء بمنطق الربح الانتخابي السريع.
خامساً: الناخب المغربي وتحول الوعي الانتخابي
تشير الممارسات الانتخابية الأخيرة إلى تطور نسبي في سلوك الناخب المغربي، الذي أصبح أكثر ميلاً إلى تقييم الأداء بدل الانبهار بالشهرة.
ففي ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد من السهل إخفاء ضعف الأداء أو الغياب عن العمل المؤسساتي، ما يعزز من آليات المحاسبة غير الرسمية.
سادساً: حدود الانتقال من الفن إلى السياسة
رغم امتلاك الفنان لمهارات تواصلية مهمة—كالإلقاء، التأثير، وإدارة الجمهور—إلا أن العمل السياسي يتطلب كفاءات إضافية، من بينها:
فهم التشريعات والنصوص القانونية
القدرة على التفاوض وبناء التحالفات
الإلمام بتقنيات إعداد وتتبع الميزانيات
الصبر في تدبير ملفات معقدة وطويلة الأمد
وهي مهارات لا تُكتسب بالضرورة عبر التجربة الفنية، بل تحتاج إلى تكوين وممارسة مستمرة داخل الحقل السياسي.
خ دج
إن حضور الفنانين في السياسة المغربية ليس ظاهرة سلبية في حد ذاته، بل يمكن أن يشكل قيمة مضافة إذا ما تم تأطيره ضمن رؤية ديمقراطية قائمة على الكفاءة والمساءلة. غير أن تحويل الشهرة إلى أداة انتخابية دون مضمون يهدد بتقويض الثقة في المؤسسات.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست فضاءً للتمثيل الرمزي فقط، بل مجالٌ للتدبير العمومي وخدمة الصالح العام. ومن يختار دخولها، أياً كانت خلفيته، مطالب بالانتقال من منطق “الأداء الفني” إلى منطق “المسؤولية العمومية”، حيث لا مكان للأدوار المؤقتة، بل للحصيلة والإنجاز.

حرب التزكيات داخل حزب الأصالة والمعاصرة: صراع النفوذ يهدد تماسك “بيت الجرار” قبل الاستحقاقات الحاسمة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

مقدمة: تتجه الأنظار داخل الساحة السياسية المغربية نحو ما يجري في كواليس حزب الأصالة والمعاصرة، حيث تتصاعد مؤشرات أزمة داخلية غير مسبوقة، عنوانها الأبرز: “حرب التزكيات”. صراع لم يعد خفياً، بل خرج إلى العلن، كاشفاً عن تصدعات عميقة داخل هياكل الحزب، في لحظة سياسية دقيقة تسبق الانتخابات التشريعية المرتقبة.

صراع مراكز القرار: منطق النفوذ بدل الاستحقاق تفيد معطيات متقاطعة بأن مرحلة التزكيات تحولت من آلية تنظيمية إلى ساحة صراع مفتوح بين أجنحة متنافسة، حيث طغت حسابات الولاءات وتصفية الحسابات الشخصية على معايير الكفاءة والاستحقاق السياسي. هذا التحول الخطير يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام قواعد الديمقراطية الداخلية داخل الحزب.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز اسم سمير كودار، الذي تشير مصادر إلى أنه يقود تحركات مكثفة لتعزيز نفوذه داخل المكتب السياسي، خصوصاً في ما يتعلق بملف التزكيات، وهو ما فجر موجة من الغضب داخل قواعد الحزب.

قيادة تحت الضغط: المنصوري في مرمى الانتقادات الأزمة المتفاقمة وضعت القيادة الحزبية، وعلى رأسها فاطمة الزهراء المنصوري، في موقف حرج، وسط تصاعد الانتقادات بشأن ما يُعتبر “عجزاً” عن ضبط مسار التزكيات وإعادة التوازن الداخلي. ويُنظر إلى هذه المرحلة كاختبار حقيقي لقدرة القيادة على احتواء الخلافات ومنع انفجار تنظيمي قد تكون كلفته السياسية باهظة.

تازة تشتعل: استقالات تكشف عمق الاحتقان وفي تطور يعكس حجم التوتر، شهد إقليم تازة استقالات جماعية لخمسة أعضاء، مقابل تجميد عضو سادس لعضويته، في خطوة احتجاجية على ما وصفوه بـ“تزكيات تُطبخ خارج المؤسسات”. هذه الخطوة ليست معزولة، بل تُقرأ كمؤشر واضح على فقدان الثقة في آليات اتخاذ القرار داخل الحزب.

اتهامات ثقيلة: التزكيات كأداة للإقصاء مصادر من داخل الحزب تتحدث عن استعمال مرحلة التزكيات كوسيلة لإعادة ترتيب موازين القوى، من خلال إقصاء أسماء معينة وتعزيز أخرى، وفق منطق النفوذ لا وفق معايير الاستحقاق. وهي اتهامات، إن تأكدت، قد تضرب في العمق صورة الحزب كتنظيم سياسي حديث يدّعي تبني قيم الحكامة والديمقراطية.

مستقبل على المحك: هل يفقد “الجرار” توازنه؟ أمام هذا الوضع المتوتر، يطرح متتبعون تساؤلات جدية حول مستقبل الحزب، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية حاسمة. فهل تنجح القيادة في احتواء الأزمة وإعادة ضبط البوصلة التنظيمية؟ أم أن “فوضى التزكيات” ستقود إلى مزيد من الانقسام، وربما إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية داخل المغرب؟

خاتمة: ما يجري داخل حزب الأصالة والمعاصرة اليوم ليس مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل هو اختبار حقيقي لمدى نضج التجربة الحزبية في المغرب. بين منطق الدولة ومنطق الغنيمة، تبقى الرهانات أكبر من مجرد تزكيات… إنها معركة حول مصداقية العمل السياسي برمّته.

الخميس، 30 أبريل 2026

كلمة بمناسبة فاتح ماي 2026 لكل العمال والعاملات

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

بمناسبة عيد العمال، نتوجه بأسمى عبارات التقدير والاحترام إلى كل العمال والعاملات، أولئك الذين ينسجون بجهودهم اليومية خيوط التنمية، ويصنعون بعرقهم ملامح الغد الأفضل.
تحية إجلال لكل يدٍ تبني، لكل عقلٍ يبدع، ولكل قلبٍ يخلص في أداء رسالته، سواء في المصانع، أو الحقول، أو الإدارات، أو ورشات العمل، أو داخل الفصول الدراسية. أنتم العمود الفقري لكل نهضة، وأنتم الأمل المتجدد الذي لا ينضب.
إن عيد الشغل ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو محطة للاعتراف بتضحياتكم، واستحضار دوركم الحيوي في تحقيق التقدم والعدالة الاجتماعية، كما هو دعوة متجددة لتعزيز كرامة العامل وضمان حقوقه وصون مكتسباته.
كل عام وأنتم عنوان العطاء، ورمز الصبر والإرادة.
كل عام وكل يدٍ تبني هذا الوطن بألف خير.
دمتم فخراً وعزاً، ودام عطاؤكم منارة تضيء دروب المستقبل.

آليات وطرائق رد الاعتبار للعمل السياسي بالمغرب، مع تحليل نظري واستناد إلى معطيات واقعية ودراسات (1)

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!:

يشهد العمل السياسي بالمغرب، كغيره من الأنظمة السياسية المعاصرة، تحديات عميقة مرتبطة بأزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات. وتتجلى هذه الأزمة أساسًا في ضعف المشاركة السياسية، خصوصًا في الانتخابات، وتنامي العزوف لدى الشباب، وارتفاع منسوب النقد الشعبي للأحزاب والنخب. وتشير تقارير وطنية إلى أن هذه الأزمة ليست ظرفية بل بنيوية، مرتبطة بعوامل تاريخية ومؤسساتية وثقافية. 

من هنا، يطرح سؤال جوهري: كيف يمكن رد الاعتبار للعمل السياسي بالمغرب؟ وما هي الآليات الكفيلة بإعادة الثقة في الفعل السياسي؟

أولا: تشخيص أزمة العمل السياسي بالمغرب

1. أزمة الثقة والمؤسسات

تُظهر الدراسات أن الثقة في الأحزاب والمؤسسات السياسية تعرف تراجعًا ملحوظًا، حيث ترتبط هذه الأزمة بضعف تمثيلية النخب وغياب المصداقية. 

كما أن نسب المشاركة الانتخابية المتدنية (مثل 37% سنة 2007) تعكس فتور العلاقة بين المواطن والسياسة. 

2. اختلالات الحقل الحزبي

يعاني المشهد الحزبي من:

التشتت و"البلقنة"

ضعف التأطير السياسي

غياب الديمقراطية الداخلية

مما يضعف قدرته على تأطير المجتمع وتمثيله بشكل فعّال.

3. إشكالية الحكامة والفساد

تظل مظاهر الفساد واقتصاد الريع من أبرز العوامل التي تقوض الثقة، وهو ما يستدعي ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الشفافية. 

4. ضعف الوساطة السياسية

تشير بعض الدراسات إلى أن القرار السياسي لا يُنتج دائمًا داخل الأحزاب، مما يحدّ من فعاليتها كوسيط بين الدولة والمجتمع. 

ثانيا: الأسس النظرية لرد الاعتبار للعمل السياسي

يمكن تأطير عملية الإصلاح ضمن ثلاث مقاربات:

1. المقاربة المؤسسية

ترتكز على تقوية المؤسسات الديمقراطية وضمان استقلاليتها وفعاليتها.

2. المقاربة السوسيولوجية

تركز على إعادة بناء الثقة الاجتماعية ورأس المال الاجتماعي، باعتباره أساسًا لمحاربة الفساد وتعزيز المشاركة.

3. المقاربة القيمية

تروم إعادة الاعتبار للأخلاق السياسية (النزاهة، المسؤولية، الصدق)، باعتبارها جوهر العمل السياسي.

ثالثا: آليات رد الاعتبار للعمل السياسي بالمغرب

1. إصلاح المنظومة الحزبية

تجديد النخب وفتح المجال أمام الشباب

تعزيز الديمقراطية الداخلية

تطوير البرامج السياسية لتكون واقعية وقابلة للتنفيذ

وقد أكدت عدة مداخلات سياسية أن تجديد القيادات والانفتاح على المجتمع شرط أساسي لاستعادة الثقة. 

2. تعزيز النزاهة ومحاربة الفساد

تفعيل دور الهيئات الرقابية مثل الهيئة الوطنية للنزاهة

ربط المسؤولية بالمحاسبة

تعزيز الشفافية في الصفقات العمومية

وتضطلع الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها بدور مركزي في تخليق الحياة العامة وترسيخ الحكامة الجيدة. 

3. تقوية الآلية الديمقراطية

ضمان انتخابات نزيهة وشفافة

تحسين القوانين الانتخابية

تعزيز دور المؤسسات المنتخبة

حيث إن تقوية الآلية الديمقراطية تعد شرطًا أساسيًا لاستعادة ثقة المواطنين. 

4. إدماج الشباب والمجتمع المدني

دعم المشاركة السياسية للشباب

تشجيع الديمقراطية التشاركية

تمكين المجتمع المدني من التأثير في السياسات العمومية

خاصة وأن الاحتجاجات الحديثة أظهرت فجوة بين الشباب والسياسة التقليدية.

5. تحديث العمل السياسي عبر الرقمنة

اعتماد الديمقراطية الرقمية

تطوير منصات المشاركة الإلكترونية

تعزيز الشفافية عبر التكنولوجيا

وتبرز مبادرات الابتكار الرقمي في المغرب كآلية واعدة لتجديد العلاقة بين المواطن والسياسة.

6. إصلاح الخطاب السياسي

الانتقال من الخطاب الشعبوي إلى الخطاب البرنامجي

توحيد القول والفعل (المصداقية)

تبسيط الخطاب وتقريبه من المواطن

حيث تعتبر ازدواجية الخطاب من أسباب فقدان الثقة. 

7. تحسين السياسات العمومية

ربط السياسة بتحسين حياة المواطنين

تقليص الفوارق الاجتماعية

تعزيز العدالة المجالية

لأن فشل السياسات الاجتماعية يؤدي إلى الاحتجاج وفقدان الثقة السياسية. 

رابعا: رهانات وتحديات الإصلاح

رغم وضوح الآليات، فإن تنزيلها يواجه عدة تحديات:

مقاومة التغيير داخل النخب السياسية

ضعف الثقافة السياسية لدى بعض الفئات

استمرار الفوارق الاجتماعية

تأثير العوامل غير الرسمية في القرار السياسي

خامسا: آفاق مستقبلية

يمكن القول إن مستقبل العمل السياسي بالمغرب رهين بـ:

الانتقال من "السياسة الشكلية" إلى "السياسة الفعلية"

بناء تعاقد جديد بين الدولة والمجتمع

تعزيز الثقة عبر الإنجاز لا الخطاب

إن رد الاعتبار للعمل السياسي بالمغرب ليس مسألة تقنية فقط، بل هو مشروع مجتمعي شامل يقتضي تضافر الجهود بين الدولة والأحزاب والمجتمع المدني. فالثقة لا تُفرض، بل تُبنى عبر الممارسة الديمقراطية الفعلية، والشفافية، والنجاعة في تدبير الشأن العام.

وبالتالي، فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينطلق من قاعدة أساسية:

"لا سياسة بدون ثقة، ولا ثقة بدون مصداقية ومحاسبة."

الأربعاء، 29 أبريل 2026

تسوية شاملة للسكن العسكري عبر التراب الوطني… إجراءات جديدة لفائدة المتقاعدين والأرامل

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في خطوة تحمل أبعاداً اجتماعية وإنسانية مهمة، أعلنت القوات المسلحة الملكية، بتنسيق مع إدارة الدفاع الوطني، عن إطلاق إجراءات عملية لتسوية الوضعية المالية والقانونية للسكن العسكري لفائدة العسكريين المتقاعدين وأراملهم، وذلك على الصعيد الوطني.

ويأتي هذا القرار في سياق العناية المتواصلة التي توليها المؤسسات العسكرية لهذه الفئة، التي ساهمت لسنوات في خدمة الوطن، حيث تم تفعيل آليات جديدة تهدف إلى تبسيط المساطر الإدارية وتمكين المستفيدين من حقوقهم في ظروف ميسّرة.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد تقرر الشروع في التسليم الفوري لشواهد الإبراء (Quitus) من طرف قادة الحاميات العسكرية لفائدة الأشخاص الذين استوفوا الشروط القانونية المعمول بها، في خطوة من شأنها وضع حد لعدد من الإشكالات الإدارية التي طال أمدها.

وفي السياق ذاته، ستتولى وكالة المساكن والتجهيزات العسكرية (ALEM)، بتنسيق مع مختلف المتدخلين، عملية مواكبة المستفيدين وتسهيل إجراءات اقتناء المساكن المعنية، وذلك بعد استكمال عمليات التسوية القانونية والإدارية، بما يضمن انتقال الملكية في إطار قانوني واضح ومستقر.

كما يشمل هذا الورش الوطني استئناف صرف المعاشات لفائدة الفئة المعنية، في خطوة تعزز الاستقرار الاجتماعي وتضمن استمرارية الحقوق المالية، خاصة بالنسبة للأرامل اللواتي يواجهن في كثير من الأحيان ظروفاً معيشية صعبة.

ودعت الجهات المعنية كافة العسكريين المتقاعدين والأرامل المستفيدين إلى التوجه نحو مصالح وكالة المساكن والتجهيزات العسكرية في مختلف مناطق المملكة، من أجل تسوية وضعياتهم في أقرب الآجال، والاستفادة من هذه التدابير الجديدة.

ويرى متتبعون أن هذه المبادرة تمثل تحولاً نوعياً في تدبير ملف السكن العسكري، من خلال اعتماد مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والإنساني، وتؤسس لمرحلة جديدة قوامها الإنصاف الإداري وتحسين جودة عيش فئة قدمت الكثير في سبيل الوطن.

من “الترند” إلى المحكمة: قصة “مول الحوت” وحدود حرية التعبير في المغرب( عبد الاله مول الحوت نمودجا)

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
القرار الصادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش في حق عبد الإله الملقب بـ”مول الحوت“ يثير عدة زوايا قانونية مهمة، خاصة في تقاطع حرية التعبير مع حماية الحياة الخاصة والسمعة، إضافة إلى حدود العقوبات التكميلية في الفضاء الرقمي.
أولاً: التكييف القانوني للوقائع
يبدو من منطوق الحكم أن الأفعال المنسوبة للمعني بالأمر تدخل ضمن جرائم القذف أو التشهير أو المس بالحياة الخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أفعال مؤطرة في القانون المغربي سواء في:
القانون الجنائي (الفصول المتعلقة بالقذف والسب).
أو قانون الصحافة والنشر المغربي، الذي ينظم جرائم النشر الإلكتروني.
تقديم شكاية من طرف الدركي المتقاعد الطاهر سعدون يرجح أن المحتوى المنشور تضمن ادعاءات أو معطيات اعتُبرت ماسّة بالشرف أو غير مثبتة قانوناً.
ثانياً: طبيعة العقوبة الحبسية (موقوفة التنفيذ)
الحكم بـ5 أشهر حبسا موقوف التنفيذ يحمل دلالة واضحة:
المحكمة أقرت بثبوت الجرم، لكنها لم ترَ ضرورة لسلب الحرية فعلياً.
هذا النوع من العقوبات يُستعمل غالباً عندما لا يكون المتهم ذا سوابق خطيرة، أو عندما ترى المحكمة إمكانية الردع دون زجّه في السجن.
بمعنى آخر، هو إنذار قضائي أكثر منه عقوبة سالبة للحرية.
ثالثاً: الغرامة المالية والتعويض المدني
الغرامة (30 ألف درهم) تدخل في إطار العقوبة الزجرية.
التعويض (40 ألف درهم) لفائدة عبد الكريم زهرات يعكس الشق المدني، أي جبر الضرر الناتج عن الفعل.
هذا الجمع بين العقوبتين يعكس فلسفة القضاء المغربي في قضايا التشهير:
الردع + جبر الضرر.
رابعاً: المنع من النشر لمدة خمس سنوات (إشكال قانوني مهم)
هذه النقطة هي الأكثر إثارة للنقاش:
المنع من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي لمدة 5 سنوات يُعتبر عقوبة تكميلية.
يطرح تساؤلاً حول مدى انسجامه مع حرية التعبير المكفولة دستورياً.
لكن في المقابل، يمكن تبريره قانونياً بكونه:
إجراءً وقائياً لمنع تكرار نفس الفعل.
خاصة إذا اعتبرت المحكمة أن المتهم استعمل المنصات بشكل مسيء ومتكرر.
مع ذلك، يبقى هذا النوع من العقوبات محل جدل فقهي، لأنه قد يُعتبر:
تقييداً واسعاً لحق أساسي.
أو عقوبة غير متناسبة إذا لم تكن محددة بدقة (هل تشمل كل المنصات؟ هل هي مراقبة فعلياً؟).
خامساً: الأمر بحذف الفيديوهات والغرامة التهديدية
الحكم بحذف المحتوى يدخل ضمن إزالة الضرر المستمر.
فرض 200 درهم عن كل يوم تأخير هو ما يسمى قانوناً بـ”الغرامة التهديدية“ (astreinte)، وهي وسيلة لإجبار المحكوم عليه على التنفيذ.
هذا الإجراء يعكس تحول القضاء نحو التعامل الجدي مع المحتوى الرقمي، باعتباره:
ضرراً مستمراً طالما بقي منشوراً.
سادساً: دلالات الحكم في السياق العام
هذا القرار يحمل عدة رسائل:
أن الفضاء الرقمي ليس خارج القانون.
أن حرية التعبير تقف عند حدود عدم المساس بالغير.
أن القضاء بدأ يميل إلى تشديد الرقابة على “المحتوى الشخصي” عندما يتحول إلى أداة للتشهير أو الابتزاز المعنوي.
خلاصة تحليلية
الحكم يجمع بين الطابع الردعي والوقائي، ويعكس توجهاً قضائياً واضحاً نحو ضبط الفضاء الرقمي، لكنه في نفس الوقت يفتح نقاشاً مشروعاً حول:
مدى تناسب العقوبات التكميلية،
وحدود تقييد حرية التعبير في العصر الرقمي.