السبت، 18 أبريل 2026

قراءة تحليلية في مقتضيات مشروع القانون 59.21 المنظمة للتعليم الخصوصي بالمغرب

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكّل التعليم الخصوصي في المغرب مكوّناً أساسياً داخل المنظومة التربوية الوطنية، حيث أصبح يستقطب نسبة متزايدة من التلاميذ نتيجة اختلالات التعليم العمومي وتنامي الطلب الاجتماعي على الجودة. وفي هذا السياق، جاء مشروع القانون 59.21 كآلية تشريعية لإعادة تأطير هذا القطاع وضبط توازناته، عبر الانتقال من منطق السوق إلى منطق المرفق التربوي ذي البعد الحقوقي.

أولاً: إلزامية المشروع التربوي المندمج (الدعم النفسي والتربوي والنظام الداخلي)

ينص القانون على ضرورة توفر كل مؤسسة تعليمية خصوصية على مشروع تربوي مندمج يتضمن:

وحدات للدعم النفسي

وحدات للدعم التربوي

نظام داخلي واضح

إحداث جمعية آباء وأولياء التلاميذ

تحليل:

هذا التوجه يعكس انتقالاً نوعياً من مدرسة تقليدية تركز على التحصيل المعرفي فقط، إلى مدرسة دامجة تراعي الجوانب النفسية والاجتماعية للتلميذ. وهو ما يتقاطع مع:

المقاربة الحقوقية (الحق في تعليم جيد ومنصف)

المقاربة السوسيولوجية (المدرسة كفضاء لإعادة إنتاج القيم الاجتماعية)

كما أن إدماج الدعم النفسي يستجيب لواقع تفشي اضطرابات التعلم والضغط المدرسي، خاصة في المؤسسات التي تعتمد المنافسة الشديدة.

ثانياً: البنية التحتية الرياضية كشرط للجودة

ألزم القانون المؤسسات بـ:

توفير ملاعب رياضية

تجهيز مرافق لتغيير الملابس

العناية بالأنشطة البدنية

تحليل:

هذا المقتضى يعكس وعياً متزايداً بوظيفة المدرسة في بناء شخصية متوازنة، وليس فقط عقل معرفي. فالرياضة:

تعزز الصحة النفسية والجسدية

تنمي روح الفريق والانضباط

تقلل من السلوكيات المنحرفة

غير أن الإشكال المطروح يتمثل في قدرة المؤسسات الصغيرة، خصوصاً في المدن المكتظة، على توفير هذه البنيات، مما قد يخلق تفاوتاً طبقياً بين المؤسسات.

ثالثاً: إلزامية المنح الدراسية (البعد الاجتماعي للتعليم الخصوصي)

يفرض القانون تخصيص:

تلميذين إلى ثلاثة بكل قسم

من أبناء الأسر المعوزة

مع توفير التعليم والأدوات مجاناً

تحليل:

هذا الإجراء يحمل بعداً تضامنياً واضحاً، ويهدف إلى:

تقليص الفوارق الاجتماعية

تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص

إدماج الفئات الهشة داخل التعليم الخصوصي

غير أن تطبيقه يطرح تحديات:

كيفية تحديد الأسر المستفيدة (معايير الاستحقاق)

مخاطر التحايل أو الزبونية

محدودية الأثر إذا لم يتم توسيع النسبة

رابعاً: تقنين المقررات الدراسية واحترام الثوابت الوطنية

ألزم القانون المؤسسات بـ:

مراعاة القدرة الشرائية للأسر

توحيد المراجع وجعلها متوفرة

احترام الثوابت الوطنية:

الدستور المغربي

النظام الملكي

الوحدة الترابية

الهوية الثقافية والدينية

تحليل:

هذا البند يندرج ضمن:

حماية السيادة الثقافية

مواجهة تغوّل بعض المناهج الأجنبية

الحد من “تسليع” المقررات الدراسية

كما يعكس محاولة لتحقيق التوازن بين:

الانفتاح على اللغات والمناهج الدولية

الحفاظ على الهوية الوطنية

خامساً: نظام العقوبات والغرامات

حدد القانون غرامات تتراوح بين:

10.000 و50.000 درهم في المخالفة الأولى

20.000 إلى 100.000 درهم عند التكرار

5.000 إلى 20.000 درهم في حالة تشغيل أطر غير مؤهلة

تحليل:

هذا التدرج في العقوبات يعكس:

إرادة الدولة في ضبط القطاع

الانتقال من “الفوضى التنظيمية” إلى “الحكامة التربوية”

غير أن فعالية هذه العقوبات رهينة بـ:

صرامة المراقبة

استقلالية لجان التفتيش

الشفافية في تطبيق القانون

سادساً: دور واختصاصات جمعية آباء وأولياء التلاميذ

تُعتبر جمعية الآباء فاعلاً أساسياً داخل المؤسسة، وتتمثل مهامها في:

1. أدوار تمثيلية:

تمثيل أولياء الأمور أمام الإدارة

نقل انشغالات الأسر

2. أدوار تربوية:

المساهمة في تحسين جودة التعليم

دعم الأنشطة الثقافية والتربوية

خلف أنشطة تربوية وثقافية ومسابقات وفضاءات فنية وثقافية داخل المؤسسة

3. أدوار رقابية:

تتبع احترام المؤسسة لالتزاماتها

مراقبة بعض الجوانب المرتبطة بالخدمات

4. أدوار اجتماعية:

دعم التلاميذ المعوزين

تعزيز التضامن داخل المؤسسة

تحليل:

يعكس إشراك الجمعية توجهاً نحو:

الحكامة التشاركية

ديمقراطية المدرسة

تقوية العلاقة بين الأسرة والمؤسسة

غير أن فعاليتها تبقى مشروطة بـ:

استقلاليتها عن إدارة المؤسسة

وعي الآباء بأدوارهم

عدم تحولها إلى هيئة شكلية

ختاما : يمكن القول إن مشروع القانون 59.21 يمثل محاولة جدية لإعادة هيكلة التعليم الخصوصي بالمغرب وفق رؤية تقوم على:

الجودة التربوية (الدعم النفسي والتربوي)

العدالة الاجتماعية (المنح الدراسية)

الحكامة (العقوبات والمراقبة)

الهوية الوطنية (تقنين المقررات)

غير أن نجاح هذا الإصلاح يظل رهيناً بمدى تنزيله الفعلي على أرض الواقع، وتوفر إرادة سياسية قوية، وآليات مراقبة فعالة، إضافة إلى انخراط جميع الفاعلين: الدولة، المؤسسات، الأسر، والمجتمع المدني.

الجمعة، 17 أبريل 2026

إشكالية مدرسة التعليم الخصوصي بالمغرب بين التبعية والتجارة ومخططات الإصلاح: مقاربة حقوقية وفلسفية-سوسيولوجية الجزء 1

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكل التعليم الخصوصي في المغرب أحد أبرز تجليات التحول الذي عرفته المنظومة التعليمية خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل من دور تكميلي محدود إلى فاعل أساسي يزاحم التعليم العمومي، بل ويعيد تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع في مجال التربية. غير أن هذا التحول يطرح إشكالية عميقة تتجاذبها ثلاث زوايا رئيسية: التبعية، منطق السوق والتجارة، ومشاريع الإصلاح. وفي قلب هذه الإشكالية يبرز سؤال جوهري: هل يضمن التعليم الخصوصي حقًا تعليمًا جيدًا ومنصفًا، أم أنه يعمق الفوارق الاجتماعية ويعيد إنتاجها؟

أولًا: التعليم الخصوصي بين التبعية والاختيار الحر

من منظور حقوقي، يفترض أن يكون اللجوء إلى التعليم الخصوصي اختيارًا حرًا يعكس رغبة الأسر في تنويع العرض التربوي. غير أن الواقع المغربي يكشف أن هذا “الاختيار” غالبًا ما يكون مشروطًا بضعف المدرسة العمومية، ما يجعل الأسر، خصوصًا من الطبقة الوسطى، في وضعية تبعية اضطرارية. هنا تتحول المدرسة الخصوصية من بديل إلى “ملاذ إجباري”، وهو ما يطرح إشكالًا حقوقيًا يتعلق بمبدأ تكافؤ الفرص.

فبدل أن تضمن الدولة حق الجميع في تعليم عمومي جيد، يصبح هذا الحق عمليًا رهين القدرة الشرائية، مما يخلق نوعًا من “التمييز غير المباشر”. بهذا المعنى، فإن التبعية ليست فقط اقتصادية، بل هي أيضًا بنيوية، ناتجة عن اختلال التوازن بين القطاعين العام والخاص.

ثانيًا: منطق التجارة وتسليع التعليم

عرف قطاع التعليم الخصوصي توسعًا كبيرًا، لكنه لم يكن دائمًا مصحوبًا بتأطير صارم يضمن الجودة. هنا يبرز البعد التجاري، حيث تتحول المدرسة إلى مقاولة تسعى إلى الربح، أحيانًا على حساب الجودة التربوية.

من منظور فلسفي، يطرح هذا التحول إشكالية “تسليع المعرفة”، أي تحويلها إلى سلعة قابلة للبيع والشراء. في هذا السياق، يفقد التعليم وظيفته الإنسانية كوسيلة لبناء الذات وتحرير العقل، ليصبح خدمة تخضع لقوانين العرض والطلب. ويؤدي هذا إلى اختزال العلاقة التربوية في علاقة تعاقدية محضة بين “مزود خدمة” و”زبون”.

أما سوسيولوجيًا، فإن هذا المنطق يساهم في إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية، حيث تستفيد الفئات الميسورة من تعليم ذي جودة أفضل، بينما تظل الفئات الهشة محصورة في تعليم أقل جودة. وهنا يظهر التعليم الخصوصي كآلية للتمييز الاجتماعي بدل أن يكون أداة للترقي.

ثالثًا: مخططات الإصلاح بين الطموح وحدود التنزيل

شهد المغرب عدة إصلاحات تربوية، من أبرزها الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي أكدت على دور التعليم الخصوصي كشريك في المنظومة. غير أن الإشكال يكمن في ضعف آليات الحكامة والتتبع.

فرغم وجود نصوص قانونية تؤطر القطاع، فإن الممارسة تكشف عن تفاوت كبير في الجودة، وغياب مراقبة فعالة في بعض الأحيان، إضافة إلى إشكالات تتعلق بعقود العمل مع الأطر التربوية، والشفافية في الرسوم، واحترام البرامج.

من زاوية حقوقية، فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من مبدأ أن التعليم حق وليس امتيازًا. وهذا يقتضي:

تقوية المدرسة العمومية لضمان حد أدنى من الجودة للجميع

إخضاع التعليم الخصوصي لمراقبة صارمة تضمن احترام المعايير

حماية حقوق التلاميذ والأسر من أي استغلال تجاري

ضمان كرامة المدرسين داخل القطاع الخصوصي

رابعًا: المدرسة بين الوظيفة الاجتماعية والرهان القيمي

فلسفيًا، لا يمكن اختزال المدرسة في فضاء لنقل المعارف فقط، بل هي مؤسسة لإنتاج القيم وبناء المواطن. وإذا انحرفت نحو منطق السوق، فإنها تفقد دورها كفاعل في تحقيق العدالة الاجتماعية.

سوسيولوجيًا، تمثل المدرسة فضاء لإعادة إنتاج المجتمع، لكنها أيضًا يمكن أن تكون أداة لتغييره. وهنا يطرح التحدي: هل يساهم التعليم الخصوصي في بناء مجتمع أكثر عدلًا، أم يعمق الفوارق الطبقية؟

إن إشكالية التعليم الخصوصي بالمغرب ليست مجرد قضية قطاعية، بل هي مرآة لاختلالات أعمق في السياسات العمومية. وبين التبعية والتجارة، يظل الرهان الحقيقي هو بناء منظومة تعليمية عادلة تضمن الجودة والإنصاف للجميع.

فالتعليم، في جوهره، ليس سلعة ولا امتيازًا، بل حق أساسي ورافعة مركزية للتنمية والكرامة الإنسانية. وأي إصلاح لا ينطلق من هذا المبدأ، يظل قاصرًا عن تحقيق التحول المنشود.

الهبة الملكية للشرفاء الإسماعيليين بضريح مولاي إسماعيل… بين النبل في المقصد وإشكالات التنزيل

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تُعدّ الهبة الملكية التي تُمنح لفائدة الشرفاء الإسماعيليين، خاصة في محيط ضريح ضريح مولاي إسماعيل، من المبادرات ذات البعد الرمزي والاجتماعي العميق، إذ تعكس تقاليد التضامن والرعاية التي تميز المؤسسة الملكية في المغرب. غير أن هذه المبادرة، رغم نبل مقاصدها، أصبحت تثير في السنوات الأخيرة تساؤلات متزايدة داخل أوساط الشرفاء أنفسهم حول طرق تدبيرها وآليات توزيعها.

ففي الوقت الذي يُفترض أن تستهدف هذه الهبات الفئات الأكثر احتياجاً من الشرفاء، خصوصاً أولئك الذين يعيشون في ظروف اجتماعية صعبة، يُطرح سؤال جوهري: من هم المستفيدون الحقيقيون من هذه المساعدات؟ وهل تصل فعلاً إلى مستحقيها؟

عدد من الشرفاء الذين حضروا مراسيم توزيع هذه الهبات يؤكدون وجود نوع من الغموض يلفّ عملية التوزيع، سواء من حيث تحديد اللوائح أو اختيار المستفيدين. ويشير هؤلاء إلى غياب معايير واضحة وشفافة، مقابل اعتماد كبير على وسطاء محليين، قد لا يعكسون بالضرورة التمثيلية الحقيقية لهذه الفئة.

كما يبرز ضمن الانتقادات المتداولة احتمال وجود اختلالات، من قبيل تكرار أسماء مستفيدة، أو إدراج أشخاص لا ينتمون فعلياً إلى الفئة المستهدفة، وهو ما يعمّق الإحساس بالإقصاء لدى شريحة واسعة من الشرفاء الذين يفضلون العيش بكرامة في صمت، بعيداً عن أي مطالب أو احتجاجات.

ورغم ذلك، يحرص المتحدثون على التأكيد أن الإشكال لا يرتبط بالمبادرة في حد ذاتها، بل بكيفية تنزيلها ميدانياً، معتبرين أن النية الملكية تظل قائمة على أسس التضامن والإنصاف، وهو ما يستدعي إعادة النظر في آليات التفعيل لضمان تحقيق الأهداف المرجوة.

وفي هذا السياق، يقترح مهتمون بالشأن المحلي جملة من الإجراءات العملية، من بينها إعداد لوائح دقيقة ومحينة للمستفيدين، وتعزيز الشفافية في عملية التوزيع، إضافة إلى إشراك ممثلين حقيقيين عن الشرفاء الإسماعيليين في مختلف مراحل التدبير، بما يضمن عدالة أكبر في الاستفادة.

كما تبقى مسألة التواصل عنصراً أساسياً، حيث يُطالب بفتح قنوات مباشرة مع المعنيين، قصد الاستماع لانشغالاتهم وتوضيح المعايير المعتمدة، بما يعزز الثقة ويحدّ من الإشاعات التي قد تسيء إلى هذه المبادرة.

إن الهبة الملكية، بما تحمله من دلالات إنسانية ورمزية، تظل ركيزة من ركائز التضامن الاجتماعي في المغرب، غير أن الحفاظ على مصداقيتها يمرّ حتماً عبر ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

الخميس، 16 أبريل 2026

العلامة المحدث الرحالي الفاروق السرغيني ودوره في استمرارية السند الحديثي بالمغرب المعاصر

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

ملخص

تتناول هذه الدراسة شخصية العلامة المحدث الرحالي الفاروق السرغيني باعتباره نموذجاً متميزاً للعالم المغربي في القرن العشرين، حيث جمَع بين الرواية والدراية، وامتاز بعلوّ سنده في رواية صحيح البخاري. وتهدف الدراسة إلى تحليل مساره العلمي، وإبراز مكانته ضمن المدرسة الحديثية المغربية، مع الوقوف عند خصائص سنده، وأدواره التربوية والوطنية. وتعتمد الدراسة المنهج التاريخي التحليلي، مستندة إلى كتب التراجم وعلوم الحديث.

مقدمة

احتل علم الحديث مكانة مركزية في البناء المعرفي الإسلامي، حيث ارتبطت مصداقيته بنظام الإسناد الذي يُعد من أبرز خصائص الحضارة الإسلامية. وقد حافظ المغرب، عبر مؤسساته العلمية وعلى رأسها جامعة القرويين، على تقاليد راسخة في نقل الحديث الشريف بسند متصل.

ضمن هذا السياق، يبرز العلامة الرحالي الفاروق السرغيني باعتباره امتداداً لهذه المدرسة، مما يطرح الإشكالية التالية:

إشكالية الدراسة

إلى أي حد يمكن اعتبار الرحالي الفاروق السرغيني نموذجاً لاستمرارية السند الحديثي بالمغرب في العصر الحديث؟ وما خصوصيات مساره العلمي والإسنادي؟

فرضيات البحث

يمثل الشيخ الرحالي حلقة وصل بين المدرسة الحديثية التقليدية والواقع المعاصر.

يعكس علوّ سنده استمرار الصلة العلمية بين المغرب والمشرق.

لعب دوراً مركزياً في نقل المعرفة عبر التعليم أكثر من التأليف.

منهج الدراسة

تعتمد الدراسة:

المنهج التاريخي (لتتبع سيرته)

المنهج التحليلي (لدراسة سنده ومكانته)

المنهج الوصفي (لعرض خصائصه العلمية)

أولاً: السياق العلمي للمدرسة الحديثية المغربية

تميّزت المدرسة المغربية بعنايتها بالسند، حيث أكد عبد الله كنون أن المغاربة “حافظوا على تقاليد الرواية مع الجمع بين الفقه والحديث”.

كما أشار محمد المنوني إلى أن نظام الإجازة الحديثية في المغرب يقوم على الضبط والتلقي المباشر، وهو ما يعزز موثوقية السند.

ثانياً: نسبه ونشأته العلمية

ينتمي الرحالي الفاروق إلى أسرة علمية بمنطقة السراغنة، وقد حفظ القرآن الكريم برواية ورش، وأتقن القراءات، مما أهّله للانخراط المبكر في علوم الحديث.

ويؤكد ابن الجزري أن إتقان القراءات يعد أساساً لضبط النصوص الشرعية، وهو ما انعكس في تكوين الشيخ.

ثالثاً: شيوخه وتكوينه العلمي

تتلمذ على عدد من كبار العلماء، أبرزهم:

أبو شعيب الدكالي

علماء القرويين

وقد لعبت جامعة القرويين دوراً محورياً في تكوينه، حيث اعتمدت نظام الحلقات العلمية المبني على التلقي والإسناد.

رابعاً: علوّ السند في صحيح البخاري (مقاربة تحليلية)

يُعد سنده في صحيح البخاري من أبرز ملامح تميّزه العلمي، حيث يتصل بالإمام محمد بن إسماعيل البخاري عبر سلسلة من كبار العلماء.

خصائص السند

الاتصال: خلوّه من الانقطاع

العلوّ: قلة عدد الوسائط

الامتداد الجغرافي: ربط المغرب بالمشرق

وقد عرّف ابن الصلاح السند العالي بأنه “ما قلّ عدد رجاله”، وهو ما ينطبق على سند الشيخ.

كما يؤكد السخاوي أن الأسانيد تمثل شبكة علمية عابرة للأقطار، وهو ما يظهر بوضوح في هذا السند.

خامساً: مكانته العلمية

تميّز الشيخ الرحالي بـ:

قوة الحفظ (حتى نُسب إليه حفظ الصحيحين)

التمكن في الفقه واللغة

القدرة على التحليل والاستنباط

ويُقارب هذا المستوى ما ذكره الذهبي حول كبار الحفاظ، حيث اعتبر الحفظ معياراً أساسياً للتفوق العلمي.

سادساً: أدواره التربوية

تقلّد عدة مناصب، منها:

إدارة ثانوية ابن يوسف

عمادة كلية اللغة العربية بمراكش

رئيسا للمجلس العلمي الأعلى بمراكش

وقد ساهم في تكوين أجيال من الطلبة، مما يجعله ضمن “العلماء المؤطرين” الذين يجمعون بين المعرفة والتربية.

سابعاً: مواقفه الوطنية

عرف الشيخ بمواقفه الوطنية، خاصة خلال فترة نفوذ التهامي الكلاوي، حيث تعرّض لمضايقات بسبب مواقفه.

ويؤكد علال الفاسي أن العلماء في المغرب كانوا جزءاً من الحركة الوطنية، وهو ما ينطبق على الشيخ الرحالي.

ثامناً: إشكالية قلة التأليف

رغم سعة علمه، لم يخلّف إنتاجاً مكتوباً كبيراً، وهو ما يفسره محمد حجي بطبيعة الثقافة العلمية المغربية التي تعتمد على التلقي الشفهي.

تاسعاً: وفاته وأثره

توفي بمراكش، ودُفن بمقبرة باب غمات، وشهدت جنازته حضوراً كبيراً، كما تعطلت الدراسة يوم وفاته، وهو ما يعكس مكانته العلمية والاجتماعية.

خلصت الدراسة إلى أن العلامة الرحالي الفاروق السرغيني يمثل نموذجاً فريداً لاستمرارية السند الحديثي بالمغرب، حيث:

حافظ على تقاليد الرواية والإسناد

جمع بين الحفظ والفهم

أسهم في تكوين أجيال من العلماء

وعليه، توصي الدراسة بـ:

جمع دروسه وتحقيقها

دراسة أسانيده بشكل موسع

إدماج تراثه ضمن الدراسات الجامعية..

لائحة المراجع : 

علوم الحديث لابن الصلاح

فتح المغيث للسخاوي

سير أعلام النبلاء – الذهبي

النبوغ المغربي – عبد الله كنون

أعمال محمد المنوني

أعمال محمد حجي

الكلمات المفتاحية:# السند،#، الحديث#، علماء المغرب#، الرحالي الفاروق#، القرويين، الرواية.#


الأربعاء، 15 أبريل 2026

الشيخ العلامة اليزيد الراضي: مسار علمي رصين وتتويج بالتعيين أمينًا عامًا للمجلس العلمي

 


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام  للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

ولد الشيخ اليزيد الراضي في سنة 1950 بدوار إداوزكري.دائرة إغرم إقليم تارودانت. حفظ القرآن الكريم على يد والده وعلى يد شيخه المرحوم سيدي الحاج محمد بن أحمد بن الحسين .ودرس المتون العلمية. في النحو و الفقه مثل الأجرومية واللامية و الجمل و الألفية و الزواوي والرسالة وغيرها...ثم إلتحق بالتعليم الأصيل وأتم دراسته النظامية. حصل على شهادة البكالوريا في التعليم الأصيل سنة 1970 ثم الإجازة في الحقوق (علوم قانونية} سنة 1973.والإجازة في الدراسات العربية في نفس السنة.ثم عين أستاذا بثانوية المختار السوسي بمدينة طاطا.{موسم 73/74 )ثم إنتقل إلى ثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل بتارودانت من 1974 إلى 1985.ثم عين أستاذا بكلية الأدب بأكادير سنة 1986.ثم حصل على شهادة الماجستير في الأدب العربي سنة 1990.ثم شهادة الدكتوراه في الأدب العربي سنة 2002.وعين أيضا رئيسا للمجلس العلمي المحلي لترودانت سنة 2004 و بعدها رئيسا للمجلس العلمي الجهوي سوس ماسة، ولديه العديد من المؤلفات.منها زكاة رواتب الموظفين وأصحاب المهن الحرة (مطبوع) وبناء القصر في أحكام القصر (مخطوط)..

عينه صاحب الجلالة الملك محمد السادس امينا عاما المجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية 

الثلاثاء، 14 أبريل 2026

الانتخابات التشريعية 2026 بالمغرب: بين رهانات النزاهة وتجديد النخب السياسية الجزء 4

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تشكل الانتخابات التشريعية محطة أساسية في ترسيخ البناء الديمقراطي، حيث تمثل آلية دستورية لتجديد النخب السياسية وتكريس مبدأ التداول على السلطة. ومع اقتراب انتخابات 2026 بالمملكة المغربية، يتجدد النقاش حول شروط نزاهة العملية الانتخابية، وأهمية القطع مع الممارسات السلبية التي أضعفت الثقة في المؤسسات التمثيلية، مقابل ضرورة تعزيز المشاركة السياسية الواعية والمسؤولة.

أولاً: الحياد الإيجابي للمواطن ودوره في تعزيز الديمقراطية

إن اتخاذ موقف الحياد الإيجابي، القائم على مسافة واحدة من جميع المرشحين، يعكس وعياً سياسياً متقدماً، حيث يتيح للمواطن تقييم البرامج الانتخابية بناءً على الكفاءة والمصداقية بدل الانتماءات الضيقة.

ويرتبط هذا التوجه بمفهوم المواطنة الفاعلة التي تقوم على:

الاختيار الحر المبني على البرامج لا الأشخاص

رفض التبعية والزبونية السياسية

مراقبة الأداء بعد الانتخابات

وقد أكد دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره أساساً للحكامة الجيدة.

ثانياً: التنافس الشريف كمدخل لنزاهة العملية الانتخابية

يُعد التنافس النزيه شرطاً جوهرياً لضمان مصداقية الانتخابات. غير أن بعض الممارسات، مثل شراء الأصوات واستعمال المال الانتخابي، تظل من أبرز التحديات التي تواجه الديمقراطية التمثيلية.

دلائل واقعية:

تقارير مؤسسات الحكامة بالمغرب، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، تشير إلى اختلالات في تدبير الحملات الانتخابية وتمويلها.

تسجيل حالات متابعة قضائية في جرائم انتخابية مرتبطة بالفساد واستعمال المال.

النتائج السلبية لهذه الظواهر:

إضعاف ثقة المواطن في المؤسسات

إفراز نخب غير كفؤة

تعطيل مسار التنمية

ثالثاً: تجديد النخب السياسية وإدماج الكفاءات الشابة

من أبرز التحديات المطروحة اليوم ضرورة تجديد النخب السياسية عبر تمكين الشباب والكفاءات من ولوج المؤسسات التمثيلية.

أهمية ذلك:

ضخ دماء جديدة في العمل السياسي

مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية

تعزيز الابتكار في السياسات العمومية

وقد أظهرت تجارب دولية أن إشراك الشباب يساهم في:

رفع نسب المشاركة السياسية

تعزيز الثقة في المؤسسات

تحسين جودة التشريع والرقابة

إشكالية الوجوه التقليدية:

استمرار نفس النخب لسنوات طويلة يؤدي إلى:

جمود في الأداء السياسي

انتشار ظواهر الريع السياسي

فقدان الأمل لدى المواطنين، خاصة الشباب

رابعاً: محاربة الفساد كمدخل للتنمية

لا يمكن الحديث عن انتخابات ذات مصداقية دون ربطها بمحاربة الفساد، الذي يشكل عائقاً أساسياً أمام التنمية.

مؤشرات ودلائل:

تقارير منظمة الشفافية الدولية تبرز استمرار تحديات الفساد في العديد من الدول، بما فيها الدول النامية.

الربط بين الفساد وضعف الخدمات العمومية (تعليم، صحة، تشغيل).

انعكاسات الفساد:

تبديد المال العام

اتساع الفوارق الاجتماعية

تراجع جاذبية الاستثمار

خامساً: الانتخابات في سياق التحديات الوطنية والوحدة الترابية

تأتي الانتخابات في سياق إقليمي ودولي يتسم بتحديات متعددة، خاصة ما يتعلق بالدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.

أهمية الوعي السياسي:

تعزيز الجبهة الداخلية

توحيد الصف الوطني

دعم مسار التنمية الشاملة

فالرهان اليوم ليس فقط انتخاب ممثلين، بل اختيار كفاءات قادرة على:

الدفاع عن المصالح العليا للوطن

مواصلة الأوراش التنموية الكبرى

تعزيز مكانة المغرب دولياً

سادساً: نحو تعاقد سياسي جديد

تفرض المرحلة الراهنة إعادة بناء العلاقة بين المواطن والفاعل السياسي على أساس تعاقد جديد يقوم على:

النزاهة والشفافية

الكفاءة والاستحقاق

المسؤولية والمحاسبة

إن الانتخابات التشريعية لسنة 2026 تمثل فرصة حقيقية لإعادة الثقة في العمل السياسي بالمغرب، شريطة القطع مع الممارسات السلبية، وتشجيع التنافس الشريف، وتمكين الكفاءات الشابة، ومحاربة الفساد.

ويبقى الرهان الأكبر هو وعي المواطن، باعتباره الفاعل الأساسي في إنجاح هذا الاستحقاق، من خلال اختيار من يستحق تمثيله بعيداً عن كل أشكال التأثير غير المشروع، بما يخدم مستقبل المملكة المغربية ويعزز مسارها الديمقراطي والتنموي.

الأحد، 12 أبريل 2026

الشباب المغربي و انتخابات 2026 : من صوت انتخابي الى قوة تغيير خقيقية الجزء 3

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشهد المغرب مع اقتراب انتخابات البرلمان لسنة 2026 محطة سياسية مفصلية، تتجاوز مجرد اختيار ممثلين داخل قبة المؤسسة التشريعية، لتطرح سؤالاً أعمق: ما هو دور المواطن، وخاصة الشباب، في صناعة القرار ورسم ملامح المستقبل؟ إن التصويت لم يعد مجرد إجراء شكلي أو واجب موسمي، بل أصبح تعبيراً عن وعي جماعي ومسؤولية وطنية.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن العزوف عن المشاركة السياسية لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الخطابات، بينما تشكل المشاركة الواعية فرصة حقيقية لإحداث التغيير المنشود. فالشباب المغربي اليوم لم يعد ذلك المتلقي السلبي، بل أضحى فاعلاً قادراً على التقييم والمحاسبة، وعلى التمييز بين البرامج الجادة والشعارات الفارغة.
إن انتخابات 2026 تمثل لحظة حاسمة، لأن الرهانات كبيرة: إصلاح منظومة التعليم، تعزيز العدالة الاجتماعية، خلق فرص الشغل، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة. وكل هذه القضايا لا يمكن أن تتحقق دون برلمان قوي، نابع من إرادة شعبية حقيقية، يعكس تطلعات المواطنين وينقل صوتهم بصدق ومسؤولية.
ومن هنا، فإن المشاركة في التصويت ليست خياراً ثانوياً، بل هي موقف واضح بين أن تكون جزءاً من الحل أو جزءاً من المشكلة. فإما أن يساهم المواطن في بناء مستقبل أفضل عبر اختيار ممثلين أكفاء ونزهاء، أو يترك المجال مفتوحاً لمن لا يمثلون تطلعاته.
إن الوعي السياسي لا يتجلى فقط في الإدلاء بالصوت، بل في حسن الاختيار، وفي متابعة أداء المنتخبين، ومساءلتهم بعد الانتخابات. فالديمقراطية ليست لحظة عابرة، بل مسار مستمر من المشاركة والمراقبة والمحاسبة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تعبئة الشباب المغربي، باعتباره القوة الحيوية داخل المجتمع، للمشاركة بكثافة في هذه الاستحقاقات. فصوت الشاب ليس مجرد ورقة توضع في الصندوق، بل هو رسالة قوية مفادها أن التغيير ممكن، وأن المستقبل يُصنع بالإرادة الجماعية.
ختاماً، تبقى انتخابات 2026 فرصة حقيقية لإعادة الثقة في العمل السياسي، وتجديد النخب، وترسيخ مبادئ الديمقراطية. فالمغرب الذي نطمح إليه لن يتحقق إلا بمشاركة الجميع، وبإيمان راسخ بأن كل صوت له قيمة، وكل موقف يصنع الفرق.
فلنشارك، لنصوّت، ولنُحسن الاختيار… لأن مستقبل الوطن مسؤوليتنا جميعاً.